بدأ موعد التحول الكبير

من Jawdat Said

مراجعة ١٠:١٠، ٢٨ مارس ٢٠٠٩ بواسطة Admin (نقاش | مساهمات)

(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح, ابحث
مقالات ذات صلة
......................
انقر هنا لتحميل المقالات (Doc)

جودت سعيد. مقالات ((مجلة المجلة))

لقد كانت مفاجأة تشرح صدور الناس عندما قامت المحكمة الدستورية المصرية بإدانة أساليب الانحراف وإدانة القوانين التي لا تساعد على تحقيق إرادة الناس في التمثيل. وهذا يعيد إلى نفوس الناس الثقة في المثقفين في أن تكون لهم الكلمة واللغة التي تمثل العدالة والمعرفة. ويشير هذا التوجه إلى ارتفاع في احترام إرادة الإنسان الفرد وحقه في المشاركة في صنع القرار. وهذا التوجه نتيجة لحضور الوعي العام في نفوس الناس. ينبغي أن يحدث هذا بوعي، وينبغي أن نبارك التحول إلى الأساليب الشرعية النقية لتحقيق الأهداف الكبيرة. وعلى كل الذين يحترمون الإنسان أن يستقبلوا هذا التوجه بخشوع وأمل، لأن هذا سيكون له دوره الكبير في العالم العربي الذي ينتظر يقظة المثقف.

إن العالم العربي يمر بمرحلة تغييرية كبيرة ولكن بدون وعي وشعور. وبدأ هذا التغير في الربع الأخير من القرن الماضي. وبشكل عام فإن التحول في التوجه السياسي بدأ في العالم جميعا منذ بدأت الأسلحة النارية تتطور بسرعة كبيرة. هذا النظر الجديد تسرب إلى النفوس وبدأ العنف يبدو قبيحا ومنفرا ومجردا من أي كسب. وبدأ هذا النظر يتغلغل في أعماق النفوس في المنطقة العربية نتيجة الأحداث التي مرت بنا في الربع الأخير من القرن الماضي.

فالعنف اللبناني الذي استمر أكثر من عقد ونصف كان بلاء عظيما أكل الأخضر واليابس بأشنع الطرق. وهذا الوباء العنيف اشتعل في الجزائر واستمر خلال العقد الأخير كله من القرن الماضي ولا يزال مشتعلا، لم يتخلص من لهيبه بعد.

إن مشاهدة الناس لهذه الأحداث بالوسائل المرئية والسمعية خلقت آثارا معينة في النفوس الناس، بحيث تغلغلت في الأعماق. وقبل ذلك كانت حرب العراق وإيران، استمرت ثماني سنوات عجاف لم تبق أيضا على خضراء أو صفراء، لهيب أتى على النفوس والأموال، وامتدت آثاره خارج المتحاربين، فجلل القتام فرحة الناس بالثورة الإيرانية وبهت الناس ولم يعرفوا كيف سيفسرون ما يرون.

ولم تعقب هذه الحرب من فائدة لأحد من المشاركين والمشاهدين –إلا لمموليها- واشمئز جميع الأطراف مما حدث وتمنوا أن ينسوا هذه المآسي وأن لا يتكرر مثل هذا الدمار الشامل مرة أخرى. ثم كانت الطامة الكبرى والزلزال الذي أذهل كل مرضعة عما أرضعت في الحرب الخليجية الثانية التي أتت بصاعقة احتلال الكويت فأشعلت المنطقة واشترك العالم جميعا فيها. كانت هذه مأساة عظيمة من أحداث التاريخ البشري الكبرى في الفضيحة.

وهذه لم تكن عذابا أليما فقط، بل كانت عذابا مهينا في القبح والفظاعة بما جرت من هوان إلى الآن. ولم يقدر الناس على بحثها وتحليلها، وعجزنا نحن العرب جميعا عن تجاوزها وتلافيها، ولم يتمكن أحد ممن شارك فيها من التخلص من مآسيها بعد، بل ولم يتمكن أحد من أن يمارس النقد الذاتي أو التوبة بالمصطلح الديني. وكان المثقف من أولى الناس بالمبادرة إلى النقد الذاتي والتوبة من كل ما حدث قبل كل أحد، حيث أن كل العجز عن التكيف مع العالم الذي تغير كان نتيجة عجز المثقف (أستاذ الجامعة والجامع). فهذه الأحداث من غرس يدي المثقف وكسب لسانه. ومن هنا كان الإعلان الذي ولد كالجنين في حرب 1967 م في أن الهزيمة أكبر من أن يتحملها طرف واحد. فقد كانت هذه هزيمة الثقافة والمناخ الفكري.

والآن في هذا الزمن نرى في الظلمات بصيص الأمل عندما نجد أن العنف صار قبيحا في نفوس الناس، وهذه الأرضية بدأت تتكون وتترسخ، ويمكن أن تنبت البدائل والحلول. إن العنف والقتل والحرب باتوا لا يجلبون الإعجاب والسعادة. وقد تأخذ ولادة البدائل بعض الوقت، ولن تنبت هذه البدائل ما دام هناك حنين إلى العنف والبطولات والنزاعات الدموية. حقا، إن أي حل داخل قطر عربي أو بين قطر وآخر بالعنف بات قبيحا ومؤذيا ومحيرا، وبدأت ملامح التوجهات الجديدة لتفادي العنف والدماء، وهناك أمثلة مشجعة تترسخ يوما بعد يوم. وحين تتراجع لغة العنف والحرب ستبدأ لغة العقل والحوار وعند ذلك ستنسحب من الساحة مشاعر الهيمنة والعلو والاستكبار وقصص البطولات الكاذبة والنظرات القصيرة. وسيبدأ العرب التحول إلى التصرفات الراشدة، لأن الكبر والاستكبار يفسد العلاقات. إن سكوت لغة العنف يولد لغة العقل، بدل عنجهيات عبادة الذات الفانية، ويولد لغة التواضع بدل لغة التعالي. علينا أن نستبشر بكل تقدم في هذا المجال. إن التغيرات التي تحدث في العالم العربي تشير إلى وجهة جديدة. وسيكون للإنسان العربي دوره في عصر التغيير بالنضج وتحكيم المعرفة. وهذه ستكون ظاهرة جديرة بالتقدير لأنها ستحول العرب من الشرود إلى الرشاد، فكما أن عصر الديمقراطية نتيجة لإجماع عام بنبذ العنف –وإن حدث هذا من غير إعلان- فإن أساس ولب وجوهر الديمقراطية هو الخروج من العنف من كل الفرقاء، ليتحاكموا إلى الناس بإقناعهم لا بإكراههم. وهذا سيولد في العالم العربي كله عقد اجتماعي صامت ولكنه سيكون راسخا، وسيؤدي إلى انتقال من لغة الإكراه إلى لغة العقل والإقناع والرشد والرشاد.

وسيعود الرشد مرة أخرى بأزكى وأزهى مما كان من قبل. لقد ولدت الديمقراطية في العالم الإسلامي لأول مرة في الانتخابات الإيرانية. عاد الرشد من جديد. وإن ما يحدث في إيران لعبرة وتطور في تاريخ المسلمين. وتحسين العلاقات المصرية الإيرانية ضرورة، وكل الأحداث تشير إلى ضرورة الدخول إلى عالم حل المشكلات من دون أن يخسر أحد شيئا ويربح الجميع كما يحدث في أوربا.

هذه الأفكار ولدت منذ زمن بعيد كشعور إنساني في نفوس بعض القلائل من الأفراد. وكان (إرازموس) يدرك هذه الأمور في تحليله للإصلاح الديني، وكذلك دخلت هذه الأفكار في وعي الفيلسوف الألماني (كانت) حين عرف الثورة بأنها ليست بالأشخاص الذين قاموا بالثورة، وإنما الثورة هي إيمان الناس بضرورة تغيير الأوضاع. أي أن الشعور ينزل على الناس قبل أن يكون له اسم، وقبل أن يحدث له وضوح، ويتسرب سرا ولا شعوريا في نفوس الناس. وهذا اللاشعور هو الذي انتبه إليه ابن خلدون وسماه داءا دويا لا يفطن إليه إلا آحاد الناس، لأنه يتكون ببطء وبدون شعور.

وهكذا نجد اليوم تغير في النظر يتسرب إلى نفوس العرب، تغير في النظر إلى الأحداث ونفور من كل الطرق القديمة في معالجة المشكلات.

ويتسرب هذا الشعور إلى العالم الإسلامي كله، وعلينا أن نكون المبشرين والمستبشرين بهذا الذي يتقدم إلينا دون أن نشعر به. علينا أن نكون واعيين ومدركين بكل الوضوح لنعيد الثقة في نفوس الناس، ويومئذ سيفرح العرب قاطبة، والمسلمون كلهم، والمستضعفين في الأرض، لنتخلص من الفساد وسفك الدماء نهائيا، تحقيقا لعلم الله في الإنسان.