مدخل كتاب اقرأ وربك الأكرم

من Jawdat Said

مراجعة ١٠:٤٥، ٨ يناير ٢٠٠٨ بواسطة Admin (نقاش | مساهمات)

(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

اقرأ وربك الأكرم


Change.gif
لتحميل الكتاب
مقدمة
مدخل
الفصول
الفصل الأول، مراتب الوجود
المرتبة الثالثة:الوجود اللفظي
المرتبة الرابعة: التعليم بالقلم
المرتبة الخامسة: الوجود السنني
الفصل الثاني، العلم
دليل العلم
الموقف العلمي
العلم والتوحيد
الفصل الثالث، الأجنة القرآنية
سيروا في الأرض فانظروا
سنريهم آياتنا في الآفاق
سخر لكم ما في السموات
إن الذين آمنوا والذين هادوا
خاتمة



القارئون في العالم تاريخياً وجغرافياً هم الأكرمون:

إن أول كلمة في آخر رسالة هي كلمة (اقرأ)، ولم تكن كلمة أخرى من الكلمات الأخلاقية أو العبادية التقليدية. والعبارة التي بدأ بها إنجيل يوحنا: (في البدء كان الكلمة) إشارة إلى أهمية نقل الخبرات بالكلام، نل العلم بالكلام، نقل العلم بقراءة الخط.

إن النص (اقرأ وربك الأكرم) ينال التقديس من المسلمين لأنه كلام الله تعالى، ولكن هذه القداسة ستزداد وتتعزز وتتوظف عملياً عندما يرى المسلم هذا النص في آيات الله في الافاق والأنفس.

ارتباط القراءة بكرم الرب

إن النص يدل على الأمر بالقراءة، ويعقب الأمر بأن الرب أكرم، فصار هنا اجتماع بين القراءة وكرم الرب، أي أن القراءة وكرم الرب اقترنا في مكان واحد. وحين ننظر إلى العالم جغرافياً - أي مكانياً - سنرى هذا الاقتران متلازماً، أي أن الذين ينالون كرم الرب وغناه هم القراء أو أكثر الناس قراءة في العالم. ويمكن أن نسوق أمثلة:

المثل الأول: إن اليونان كانوا أكثر الناس قراءة وكتابة أيام حضارتهم ولا يزالون نتاج فلاسفتهم وشعرائهم وحكمائهم يشهد على أنهم كانوا هم المنتجين أكثر والمتصلين بالقراءة في عالمهم اتصالاً أوثق، وهم الذين نالوا كرم الرب وكرامته بين العالم، فقد سيطروا على أكبر رقعة في العالم، من الهند إلى مصر زمن الاسكندر الذي كان تلميذاً لارسطوا المسمى بالمعلم الأول.

المثل الثاني: المسلمون الذين كلما كتب كاتب في الأرض عن تاريخهم لا يقضي عجباً من سرعة ما ملكوا العالم المعاصر لهم، انطلقوا من الكلمة (اقرأ) إنهم في عصرهم كانوا أقرأ الناس وأشدهم اتصالاً بالقراءة والكتاب والعلم الذي يطلبونه في كل مكان ومن كل مصدر، لقد ناول كرم الرب وكرامته من سعة في الدنيا ومكانة في العالم. ولسنا في حاجة إلى أن نذكر المسلم بهذا فقد قيل له هذا الكلام كثيراً، ولكن ربما لم يشعر المسلم بارتباط هذا الحديث بالتوحيد وارتباط التوحيد بالعلم وارتباط العلم بالقراءة؛ (اقرأ وربك الأكرم) وفي عصرهم لم يكن عند أحد في العالم ما عندهم من العلم والاتصال بوسائله قراءة وكتابة ومكاتب …

المثل الثالث: إذا نظرنا حولنا في هذا العصر الذي نعيش فيه نجد أن الذين يتمتعون بخيرات العالم وينالون الكرم والكرامة هم قراء هذا العصر وأكثرهم صلة بالقراءة وما يتصل بها، كما تبينه الإحصاءات التي تعدُّ المؤلفين والكتب والجرائد والمجلات والمكتبات ونصيب كل فرد من الورق المطبوع، حتى لقد اضطر توينبي أن يقرر: (إن ارتفاع نسبة قراء الكلمة المطبوعة هو الأساس الحضاري لتصنيف البلدان في العالم إلى دول متخلفة أو نامية أو متقدمة).

المثل الرابع: إنه اليابان - هذا العملاق القزم - حيث محيت فيه الأمية منذ القرن التاسع عشر (وإن نسبة تعليم الفتيات ازدادت في اليابان، فقد وصلت نسبة من ينهين الثانوية العامة (95%).. ويلعب الكتاب دوراً بارزاً في حياة الفرد الياباني، فمؤسسات النشر اليابانية تصدر (35 ألف) عنوان جديد سنوياً تقريباً، وها يمثل ضعفيّ ما ينشر في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن اليابان ثاني أعظم قوة صناعية في العالم) (انظر مجلة العربي حزيران 1985، كتاب الشهر).

إن الإنسان ليتصاغر أمام من هو أقرأ منه، سنة الله (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) سورة الزمر / 9، حسبك من صدق هذا ما عند الناس من نظر إلى العالم أو من يحمل شهادة أعلى.. إن هذا النظر التقديري يرتفع إلى درجة الخرافة أحياناً.

أجل إن من يقرأ أكثر ينل أكثر.. إنه قانون الله.. (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب. من يعمل سوءا يجز به) (النساء /123) وإن الله لا ينظر إلى أقوال الناس وصورهم وأسمائهم، وإنما من يتبع سنة الله ينل وعد الله، (كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً) (الإسراء /20).


القراءة أهم من الذكاء

وقد يميل بعض الناس إلى إعطاء الذكاء درجة أسمى من القراءة، بل إنه لما بدأ الناس يلاحظون إمكان التدخل في وراثة الصفات الوراثية، كان أول ما خطر لهم عمل نسخ مكررة من العباقرة الأذكياء أو نقل مورثات ذكائهم إلى الآخرين. لقد غفل هؤلاء أن الذي يجعل الإنسان إنساناً ليس فقط ما يضاف إليه قبل أن يخرج من بطن أمه وإنما ما يضاف إليه بعد خروجه من عالم الأجنة إلى عالم الطفولة والتربية، وليس الذكاء هو الذي كان ينقص الأطفال الذين كانوا يولدون من عهد نوح، فنسبة الذكاء في المواليد الثابتة على مدى التاريخ، ولكن غير الثابت هو تهيئة الظروف والبيئة التي تصنع الإنسان.

إن الفرق بين كافة علمائنا المعاصرين في جميع فروع العلم، والعلماء الذين عاشوا من قبل ليس في مستوى الذكاء، وإنما امتاز العلماء المعاصرون بأن أمامهم خبرات متراكمة أكثر من الأجيال الماضية حفظت بالكتابة، واستفيد منها بالقراءة. إن ذكاء الإنسان ليس بذي قيمة بدون تمثل الخبرات البشرية المتراكمة المحفوظة بواسطة الكتابة المستغلة والمستفاد منها بالقراءة، فأرقى الناس إنسانية أكثرهم إحصاء لما حدث في العالم بشكل مصفى ومركز.

هذا الموضوع هو الذي يجعل القراءة قبل الذكاء وقبل العبقرية، وهو الذي جعل القول أو التمثيل يقرب الحقيقة القائلة بأن المتأخر (الخلف) مثل القزم الذي يجلس على رقبة العملاق (السلف)، فيشاهد كل ما يشاهده العملاق، كما يشاهد شيئاً لا يشاهده العملاق. إن القراءة هي التي تقعد الأقزام على رقاب العمالقة، فترفع الاخلاف فوق أبراج الأسلاف فيأخذون كل ما عند الأسلاف بدون مؤونة إلا مؤونة القراءة، ثم هم بعد ذلك تفتح لهم أيضاً على قدر قراءتهم رؤى جديدة.

وإن مجرد إلقاء نظرة على تاريخ العلماء في العالم يبين لك أن القراءة الدائمة والتهام الكتب والتحايل للحصول عليها وعلى الدخول إلى المكتبات … دأب العلماء. أنظر - مثلاً - كتاب كليلة ودمنة وما وضع في مقدمته من الجهود التي بذلت في تحصيل هذا الكتاب. لقد كان الكتاب في أول الأمر كالسر من أسرار الدولة والمهنة. والآن أيضاً توجد معلومات عالمية محجوزة لا يفرج عنها إلا بعد سنوات تطول أو تقصر حسب رؤى أصحابها. إنها بقية موقف الأقدمين من الكتاب.

ولكن العلم بدأ ينتشر ويعم حين خرج من أن يكون سراً في أيدي الكهنة، وحين كشفت صناعة الورق وبدأت الطباعة وبدأ التوجه إلى محو الأمية. ولكن بعض المجتمعات كما تعجز عن محو الأمية، تعجز أيضاً عن تقديم العلم أو تقديم العملاق ليجلس الأقزام على رقبته.

نصيحة للشباب

وإذا كان لي من نصيحة أثيرة أقدامها للشباب الذي تعلق الأمة عليهم آمالها، فهي أن يتطلعوا إلى مصادر للعلم غير المصادر التي كنا نستقي منها، لأن المصادر التي أخذنا منها العلم لم تعطنا إلا ما يشاهدون من نتائجه المرئية الملموسة التي تمس جلودهم وضمائرهم، وهذا ما عبر عنه محمد الطالبي بأسلوب آخر حين قال: (إن إخفاق السياسة في معالجة شؤون اليوم، إنما هو إلى حد بعيد إخفاق الجامعة قبل كل شيء) (مجلة عالم الفكر، المجلد الخامس، العدد الأول 1974)، وهو يعني بكلامه إخفاق مؤسسة تعليم القراءة، المؤسسة التي ينبغي أن تعلمنا كيف نجلس على رقبة العملاق، المؤسسة التي تجعل صلتنا بالخبرات البشرية المتراكمة صلة صحيحة. إنه ليس شيء مثل القراءة يعلم التجاوز، ويصحح الخطأ ويدل على المراحل القادمة. إن النهم في القراءة يبن لنا ماذا نقرأ وماذا نترك.. وإنه لما يخجلنا أشد الخجل أن نحاول الكتابة في موضوع ما، ونحن لم نطّلع على ما قيل في هذا الموضوع، ونحن هنا ربما نكون أمناء أمام أجيالنا القادمة، حين لا نحملهم الآصار والأغلال التي نحملها، ونكون صرحاء أمامهم وأمناء على عرض الحقيقة بألا نكتمهم الحق ليتدبروا أمرهم وليخرجوا من القمقم الذي نعيش فيه.

ودراسة سير العلماء ترشد إلى أنهم كانوا قراء نهمين، واسم كتاب المسلمين القرآن من القراءة، وقرّاؤه هم الذين زينوا القرآن بفعالهم، والتفكير بجمع القرآن إنما ظهر حين استحرَّ القتل بالقراء في حروب الردة.

والجاحظ له مقام في الحضارة الإسلامية يتألق نجمه على مر الزمن، وقد كانت وفاته تحت ركام الكتب التي تهدمت عليه، إنه شهيد الكتاب والقراءة. لقد كان قارئاً بمستوى حضاري إنساني عالمي، ولكتبه طعم خاص وذوق معين وذلك لعالميته في القراءة ولإنسانيته في الثقافة.. إنه يتناول الأمور برحابة صدر بعيداً عن الكزازة، ويرجع ذلك إلى أن الجاحظ كان يتذوق مع آيات الكتاب آيات الافاق والأنفس. ومن هنا قال ابن العميد عن كتبه: (إن كتب الجاحظ تعلم العقل أولاً والأدب ثانياً). وهو وإن كان إماماً في الأدب إلا أنه أيضاً صاحب مذهب في العقيدة.

والإمام الغزالي هجر الأستاذية ورئاسة العلم إلى التفرغ للتفكير ودراسة علوم عصره، حتى قال عن نفسه: إنه تفهم الفلسفة حتى صارت عليه أسهل من شرب الماء، وكشفت مقاصد الفلاسفة وأظهرها ووضحها أكثر من أهلها.

والإمام البخاري كان يقوم في الليلة الواحدة أكثر من أربع عشرة مرة ليوقد السراج وليتأكد من حديث شريف.

وإلى يومنا هذا لن تجد إنساناً ذا وزن إلا ووجدت وراءه نهماً في القراءة. والشيخ بدر الدين الدمشقي حبس نفسه تسع سنوات في المكتبة، وكثير من علماء المسلمين وغير المسلمين كانوا شديدي النهم للقراءة.

إن النهم في القراءة والبروز في العلم مجال دراسة مهمة لكشف الأسباب والنتائج ومساعدة الناس على التوجه بوعي إلى الدراسة والقراءة ليتبين لهم أن الإنسان بالقراءة ينال كرم الله وكرامته.

القراءة والعلم

منذ أن بدأ الإنسان يقرأ ويكتب بدأ العلم ينمو. فنماء العلم وسعته بالقراءة، وسيظل الأمر كذلك.. وكون النبي صلى الله عليه وسلم أمياً معناه أن أحداً من البشر لن يأتي بشيء وهو أمي. وأمر الله النبي الأمي بالقراءة في أول كلمة إليه إلغاء للامية وفتح لعهد جديد عهد (اقرأ) و(علّم بالقلم) و(ن. والقلم وما يسطرون) وعهد (الرق المنشور). هذه الكلمات هي التي ربطت العلم بالقراءة والكتابة، والقلم وما يسطرون.

إن دليل العلم العاقبة، والعلم والعاقبة إنما يحفظان وينميان من خلال القلم، والدليل على أن العلم من القلم واضح في قوله تعالى: (علّم بالقلم). إذاً العلم بالقلم، بالكتابة، بالحفظ، بتسجيل تجارب البشر والنظر فيها.. وبذلك يتمحص العلم. ولو فقد الناس كل شيء وبقيت الكتب لأمكن إعادة كل شيء، ولكن لو فقدوا كل شيء مع الكتب، لاحتاجوا مرة أخرى إلى الزمن الذي احتاجه تقدم العلم.. وكون اقرأ أول كلمة في آخر رسالة إشارة إلى عهد جديد في النبوة وفي أسلوب جديد في التلقي عن الله. إنها آيات الله في الافاق والنفس التي ستُظهر للناس الحق، وهذه الآيات إنما تحفظ دلالاتها بالعلم والقراءة. فبالقراءة يحصل الإنسان علم الأولين جميعاً. وبالقراءة يرقى الإنسان الدرجات العلا، وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام: « اقرأ وارق »؛ أي على قدر القراءة تنال الدرجات العلا وتنال الرقي والعلو والارتفاع. والاستعمال التقليدي للحديث الشريف يقصره على القرآن الكريم، وعلى الرقي في اليوم الآخر فقط. ولكن - كما يقال في علم الأصول - الأمر ليس بخصوص السبب بل بعموم الحال، وبهذا الاعتبار يمكن أن يعمم الموضوع فيشمل قراءة القرآن الكريم وغيره، لأن القرآن يأمرنا بالسير في الأرض، والنظر كيف بدأ الخلق. ويمكن تحصيل نتائج السير والنظر بالقراءة، فالقرآن يوسع لنا مجال القراءة، وإن قراءة أي كتاب تفتح الباب لقراءة غيره. وليس الرقي للقارئ في الآخرة فقط، بل إن آيات الافاق والأنفس تدل على أن القارئ هو الذي يرقى ويرتفع في الدنيا أيضاً.

وكثيراً ما نعطل المضمون الاجتماعي لآيات القرآن بهذا النوع من الحصر والبتر والفصل عن واقع الحياة. وهذا ما جعل مالك بن نبي يقول عن آية (إن الله لا يغير مات بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم): ولقد أشادت أيضاً الحركات التغييرية التي سبقت في العالم الإسلامي بهذه الآية كشعار، ولكن يبدو أنها لم تضع في هذا الشعار سوى التبرك بكلام الله والتفاؤل بحيث لم يكن بيدها في حقيقة الأمر وسيلة تغيير، أو إذا شئنا قلنا: إنها وضعت في الآية الكريمة مجرد المحتوى الغيبي. حتى أنه يمكننا القول، بأن المفعول الاجتماعي للآية قد عطل بهذه الطريقة (أنظر مقدمة كتابنا حتى يغيروا ما بأنفسهم).

القراءة توسع الآفاق

وإن القراءة الواسعة العميقة الشاملة لتراث البشرية التي عناها قوله تعالى: (إئتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم) (الأحقاف / 4/) هي التي تجعل الإنسان عالمياً يتجاوز الألوان واللغات والمعتقدات، فالذين يضربون في عالم القراءة بسهام وافرة، هم الذين يمكنهم أن يتسامحوا مع الباحثين والمخالفين، وهم الذين يقدرون على رؤية الجوانب الإيجابية ويزكونها، ويغضّون الطرف على الجوانب السلبية. فالدراسة تجعل صدر صاحبها واسعاً وقلبه كبيراً، وحلمه عاماً وأسلوبه قوياً في بيان الحق مع رحمة الخلق. إن التسامح غني وكرم، ولم يتمكن فقير وبخيل أن يكون جواداً كريماً مع الناس. وبالقراءة الواسعة الشاملة لتراث البشرية يتحلى الإنسان بالوقار والرحمة والحلم والعفو. عن الصبر والغفران والرحمة والإحسان.. هي الثمرات اليانعة للقراءات الواسعة للسير في الأرض والنظر إلى سنن الذين خلو من قبل. وأنى يقدر على التسامح من لم يتطلع على مواقف المتاسمحين في العالم! ولهذا يقول الله لنبيه (وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك) (هود / 120).


القراءة والاجتهاد

كثر في العصور الأخيرة الحث على الاجتهاد في العالم الإسلامي، الاجتهاد بالمعنى الأصولي، الاجتهاد لاستنباط أحكام جديدة تناسب الوقائع الجديدة في الإسلام، كما كثر الذين تخوفوا من الاجتهاد، والذين تأسفوا من إغلاق باب الاجتهاد..

وبحسب ما أرى أن الاجتهاد لن يتحقق بالأسف على توقفه، ولا بالحث على ممارسته، وإنما يتحقق على وجهه الصحيح بكثرة القراءة والاطلاع، ورؤية موارد الأدلة ومصادرها. فالذي اطلع على كل ما قاله الناس في موضوع ما سواء من أهل الأديان، أو أصحاب العقول على اختلاف العصور.. لا يمكن أن يُمنع من الاجتهاد. كما أن من كانت قراءاته قليلة لا يمكنه أن يجتهد ولا بصر مواطن الفهم والرشاد، أو مواطن الخطأ والفساد، وإن الذين لا يدرسون علم المقارنة في الآداب والشرائع والتواريخ، ولا يدرسون أحداث العالم ولا يقارنون فيما بينها، لا يمكن أن يزكو العلم على أيديهم.

والإنسان لا يمكن أن يتجاوز قدره، وقدره إنما هو بحسب علمه ومعارفه وشخصيته. وكل واحد منا إنما هو محصلة ما جمع من خبرات في هذا العالم الذي يعيش فيه. والخبرات إنما هي الخبرات البشرية المتراكمة التي حصلها بالقراءة.

وإن الذي تمكن من الإحاطة بعالم الأفكار، يمكنه أن يحدد مستوى أي كاتب، وبمجرد أن يطلع على عنوان أو فهرس أو فصل من كتاب، فانه يعلم مستوى ودرجة ومقدار ما حصل صاحبه من علم. مثال ذلك ما ذكره ابن النديم في الفهرست عن العتابي أنه: (لو قيل لأشعاره ارجعي إلى أصحابك لما بقي له شيء). وكل واحد منا لا يمكنه أن يعدو قدره، ولا أن يعدو اطلاعاته وما هضم من أفكار، فهو محدود بهذا الحد شاء أم أبى.. وكل واحد منا له مقام معلوم لا يمكن أن يتجاوزه، فالمحصي للأفكار سيعلم من أي إناء ننضح، وعند أي مفهوم زمني نقف، بل ويمكن أن يحدد مصادر معلوماتنا زمانياً ومكانياً، ويصفنا بحسب مراجعنا التي لا تخفى على البصير المطلع.

إن الذين يقومون بدور الشهادة (وتكونوا شهداء على الناس) (الحج / 78) هم الذين يمكنهم أن يقوموا بهذا الدور في التصنيف والتحجيم. ونحن أمة (اقرأ وربك الأكرم) أهملنا هذا الواجب وتخلينا عن هذه الكرامة، فصرنا موضوع دراسة لغيرنا، وليس غيرنا موضوعاً لدراستنا، وغيرنا هم الذين يقومون بشرف الشهادة على العالم. (وتكونوا شهداء على الناس). إنها وظيفة لا يمكن أن يؤديها من لم يحمل نفسه على اكتسابها ويَعُسَّ العالم.

واكتساب مثل هذه الوظيفة، أو التطلع لاكتسابها، يتطلب من الإنسان منطلقات في تصور بدء التاريخ (بدء الخلق) والمصير، وسلطان الإنسان، والقدرة التسخيرية، ومعنى الحق وسنن الخلق، كما يتطلب نوعاً جديداً من الوعي للمبدأ والمصير وللوسائل والغايات. ونحن لم نرتفع لهذا المستوى، ومجتمعنا لا تفوح منه مثل هذه الرائحة، لانشغاله بأمور أخرى - هي في نظره - ملحة أكثر وعاجلة، كانت محط اهتمام الإنسان قبل أن يرتبط بالمجتمع ويتنازل عن حقوقه القبلية والعشائرية ليوسع من نطاق إنسانيته. وإن إدراك مثل هذه النقلات النوعية يحتاج إلى لغة جديدة للخطاب نفتقد أبجدية سننها، فثقافتنا المتداولة إنما هي في الإشادة بكرامات الأولياء، ومقامات سادتنا، والحكمة كل الحكمة أن نكون بين أيديهم كالميت بين يدي الغاسل، إن كان مثل هذا الميت يحتاج إلى تطهير. ولا عبرة بتغير أسماء الأولياء والمشايخ بألقاب جديدة، فعلاقة المريد بالشيخ لا تزال كما كانت مع كل شعاراتنا الفخمة، ومن قال لشيخه: لم؟ لا يفلح أبداً، هي مضمون الحرية والديمقراطية عندنا، ومن هنا ينبغي أن يعلم شبابنا أننا لم نبدأ بعد بالنهضة ولا بالفهم.

إن من ينظر إلى إنتاجنا الفكري، وبضاعتنا المتداولة التي لها الصدارة، يعرف أننا تخطُ خطوة واحدة منذ مئتي عام، بل يمكن أن يرى تراجع الأهداف والغايات، وتثبيت دعائم التخلف والتشتت. فالذين ليس لهم بصر بسنن التاريخ وكيف بدأ الخلق، يصابون بالحيرة واليأس من العيش في التناقض، واختلاط الدنس بالمقدس والعلم بالجهل، والشرف بالوضاعة، والأمانة بالخيانة والعمالة.


القراءة وعالم الأشخاص

يتحدث الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه (الخطاب العربي المعاصر دراسة تحليلية نقدية) عن موقف الإنسان العربي المعاصر إزاء مشكلة النهضة أو التنمية أو تجاوز التخلف، حيث عرض فيه بشكل مبسط واضح للمشكلة ووصل في نهاية البحث إلى خلاصة هامة يقول: (السلفي والليبرالي وجميع الأسماء الأيديولوجية العربية الأخرى لا نستطيع نحن العرب جميعاً، أن نفهم، ولا أن نعي، ولا أن نمارس الأصالة والمعصرة. لا نستطيع أن نجدد فكرنا، ولا أن نشيد حلماً للنهضة مطابقاً ما دمنا محكومين بسلطة النموذج - السلف - سواء كان التراث أو الفكر المعاصر أو شيئاً منهما.

نعم؛ الإنسان بطبيعته يفكر من خلال نموذج، ولكن فرق بين نموذج يؤخذ كرفيق للاستئناس به، وبين نموذجٍ يؤخذ كأصيل يقاس عليه، النموذج حينما يتخذ أصلاً سلفاً، يصبح سلطة مرجعية ضاغطة قاهرة تحتوي الذات احتواء وتفقدها شخصيتها واستقلالها … إذن مما يجب البدء به هو معرفة الذات أولاً، هو فك أسارها من قبضة النموذج - السلف - حتى تستطيع التعامل مع كل النماذج تعاملاً نقدياً، وذلك طريقة الأصالة والمعاصرة معاً) (ص 56 - 57).

ما يسميه الدكتور الجابري هنا النموذج والسلف، هو ما نطلق عليه في هذه الدراسة عالم الأشخاص مقابل عالم الأفكار، أو ما نعبر عنه أيضاً بالتعامل مع الوجود الخارجي بدل التعامل مع الصور الذهنية، أو ما يمكن أن يعبر عنه بالاجتهاد مقابل التقليد … وكما يمكن أن نقول: إن ما يطلق عليه القرآن حين يُنطق الواقعين تحت أسار السلف. النموذج - بقولهم (وإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله، قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) (البقرة / 170)، (بل قالوا: إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون) (الزخرف / 22). ونحن إن أرجعنا المعنى الحقيقي لنقد أو إدانة الذين يتبعون الآباء بغير علم، نكون قد أحيينا منهج القرآن ومنهج العلم في كل عصر وأوان.

ولكن الذي أريد أن أقوله هنا، وربما لم يقله الدكتور الجابري صراحة، وإن كان يمكن أن يتضمنه كلامه، ولم يقله أيضاً دعاة التجديد، أو دعاة الاجتهاد والناهون عن التقليد هو: أن الخروج من النموذج، ومن عالم الأشخاص، إلى عالم الأفكار، لا يتم إلا بالخروج من عالم الصور الذهنية إلى الحقائق الخارجية للتعامل معها بدل النماذج والصور والأشخاص. ولكن هذا القول أيضاً غير كاف، ولا يزيد عن أن يكون أسلوباً للتعبير عن المشكلة بلفظ آخر.

إننا لا يمكن أن نصنع من إنسان مقلد مجتهداً بقولنا له: إجتهد، أو أن نمدح له الاجتهاد ونذم له التقليد مهما أوتينا من بلاغة في الترغيب والترهيب فقولنا: كن مجتهداً، كن سلفياً، كن تقدمياً، كن علمياً.. ولا تكن مقلداً ولا وصولياً ولا ديماغوجياً، هذه الأمور التي نحبها أو نكرها لن تتحقق بهذه الأوامر أو الوصايا أو المواعظ …

وهكذا أرى الدكتور الجابري مع ماله من قدرة على التحليل الذي يغبط عليه، ومع تحديد المشكلة الجامعة بين السلفي والليبرالي والتقدمي: لم يقل لنا كيف نخرج من النموذج والسلف، وإنما قال لنا بأسلوبه البليغ السابق الذي هو نموذج بليغ لإدانة أكثر لأساليب معالجة اليمين واليسار والمتوسط، في أنهم أجمعين مقلدون آبائيون نموذجيون، وإن كان لكل منهم سلفه الخاص، وآباؤه الخاصون، ونماذجه المفضلة.. وفي الواقع إن الجابري قد لنا شيئاً مهماً، في أنه جمع كثيراً من الأمراض التي كنا نظنها أمراضاً متعددة ومشكلات متباينة، تحت مرض واحد ومشكلة واحدة، وهي: عبادة الأشخاص، والنماذج، والسلف والآباء.. وهذا تقدم في طريق الحل وتضييق من ساحة المشكلة، وتحديد لموضع الداء.. ولهذا قيمة كبرى في بحث وحل المشكلات. ولكن ما الطريق للخروج من هذا المرض الواحد؟ إنه لم يحدثنا مباشرة. ويمكنني أن أقول هنا: إن السبيل إلى الخلاص من الأبائية والتقليد والنموذج والسلف والأشخاص، هي القراءة الواسعة العميقة.. هي (اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم). إن القراءة المحدودة، الضحلة المرعوبة، لا تخلص من التقليد والأبائية. إن من لم ير إلا نموذجاً واحداً وربما مشوهاً أيضاً.. كيف يمكن له أن يبدع ويضيف جديداً لم يسبق له مثيل. فالاجتهاد في حقيقته زيادة على نهاية بناء سابق. إن الذي يرى نماذج كثيرة، وبتأمل عميق، هو الذي يستطيع أن يستخلص النموذج أو المثال الذي يجمع الحسنات، أو المثال الذي لم يظهر بعد. إنه هو الذي يستطيع أن يجني الورد في جوف الشجر كما قال إقبال.

السبيل إلى القراءة الواسعة

ومع أني أقول إن القراءة الواسعة العميقة الملحة، في التتبع والاستقصاء، هي التي تخلص من النموذج والتقليد وعالم الأشخاص.. لا أظن أنني أضفت شيئاً كبيراً.. فالقراءة الواسعة العميقة، ينبغي أن توضع تحت أضواء ساطعة ومجاهر موغلة في البيان والتوضيح لأنه ليس من السهل حمل الإنسان الكسيح، والبحر الذي تعوزه المراكب التي لها مناعة ضد الغرق في الأمواج أو المتاهات. والآن إذا قلت للدكتور الجابري: كيف الخروج من النموذج والسلف؟ فيحق للقارئ أيضاً أن يقول لي: ولكن كيف السبيل إلى القراءة الواسعة العميقة التي تنصح بها؟ أين الخريطة والبوصلة، وأين المركب للدخول إلى العالم الكبير الفسيح الذي تشتبه فيه المعالم؟

أقول للمتسائل: إني لا أزعم أني أقدم لك خريطة واضحة المعالم، ولا بوصلة دقيقة حساسة.. وإنما كل عملي أن أتقدم خطوة في تجديد المشكلة. فإذا اتفقنا على أن النموذج لا يحل مشكلتنا، فإني أقول هنا: إن الحل في القراءة الواسعة الماسحة المحصية لتجارب البشر، ومعاناتهم بالسير في الأرض والنظر إلى سنن الذين خلوا من قبل، لنخرج بالعبرة ولنمنع تكرار الخطأ، ونبصر ما يزيد الله في خلقه، وما يبدع في سماواته وأرضه ونتبع القول الكريم: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله وما أنا من المشركين) (يوسف / 108). والبصيرة هي رؤية كل ما يتصل بالمشكلة، وتجميع الآراء، ثم اختزال الصواب واقتناص دلائل المستقبل وإشارتها، فهذه هي البصيرة، وهذا هو الاهتداء للحق فيما اختلفوا فيه حتى لا نلدغ من جحر مرتين وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: « لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين » حين نأخذه على مختلف مستوياته، نرى في مستوى منها أن المجتمع المؤمن والبشرية الواعية التي تتعلم من عبر التاريخ، لا ينبغي لها أن تكرر الخطأ الذي حدث مرة مع البشرية في تاريخها، فإن فعلت وكررت الخطأ ولدغت من الجحر الواحد مرتين ودفعت ضريبة الخطأ مرتين، تكون بذلك قد نفت عن نفسها صفة الإيمان الذي يعطي نتائجه الاجتماعية، لأنها لم تعتبر بالماضي الذي يلح القرآن على التحديق فيه لأخذ العبرة.

أيها الفتى الناشئ، انتبه إلى هذا وتأمله.. إنه من المفيد جداً أن تفهم هذا، وأن نسعى جميعاً لنهيئ أنفسنا للقيام بمثل هذه الوظيفة التي تتطلب منا أن نقوم بدور العسس - حراس الليل - الذين يسهرون بيقظة حتى يحفظوا المجتمع من أن يلدغ من جحر واحد مرتين، وحتى لا ندفع ضريبة غفلتنا عن لدغة حدثت في التاريخ.

وإن المجتمع الذي ليس له رواده البار الذين يقدمون له أحداث العالم بوقار وجدية وصدق، والذي يعيش عالم الثقافة بلا بوصلة.. إنه يضطر أن يقرأ غثاً كبيراً، حتى يعثر على شيء نافع، أو بضع صفحات أو أسطر من كتاب في ألف صفحة..