محاضرة جودت في بلجيكا

من Jawdat Said

مراجعة ٠٥:١٩، ٢٠ أكتوبر ٢٠٠٩ بواسطة Admin (نقاش | مساهمات)

اذهب إلى: تصفح, ابحث

محاضرة جودت في بلجيكا

محتويات

المقدمة

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، والآمرين بالقسط من الناس.

أرى أنه ينبغي أن أقدم وجهة نظري كإنسان يراقب هذا العالم الصاخب الذي اختلطت فيه المصالح والمغارم. عالم يتمتع فيه خمس البشرية الأبيض النظيف بالمعرفة وبـ80% من الثروة والامتيازات لكنه يعيش في خوف على امتيازاته، بينما يعيش أربعة أخماس البشرية في فقر وفساد وبؤس ويتلمظ للحصول على الامتيازات.

أنا هنا أحاول أن أشرح وضعاً بشرياً صعباً، ليس لأنه غير واضح، بل هو واضح لكنه مثل وضوح الشمس التي ظن الناس أنها تدور حولنا فتبين أننا ندور أمامها وحولها(1). إننا نعيش أموراً كثيرة بهذا الوضوح والخفاء، والموضوع الذي نحن بصدد بحثه هو من هذا النوع الخفي الجلي في آن واحد.

إن نظام العالم الذي نعيش فيه اليوم مفروض بالقوة من أجل الحفاظ على امتيازات 20% من البشر. إنها شرعية فرضت بعد الحرب العالمية الثانية من خلال الأمم المتحدة التي تمثل أعلى مؤسسة سياسية عالمية (يسمونها شرعية دولية) لكنها معبد تعبد فيه القوة، من خلال حق (الفيتو) الذي حول الأمم المتحدة إلى ورقة لا تستر عورة الإنسانية بل تفضحها، فهو إلغاء للعدل وللقانون ولحقوق الإنسان وللديمقراطية، وهو الفساد الأكبر في العالم، والشر الذي يولد كل الشرور.

الإنسان والفساد وسفك الدماء

يتحدث الله في القرآن عن الإنسان حين كان مشروعاً لم يتحقق بعد، فاعترضت الملائكة (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) فأجابهم الله: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)، والبشر اليوم لا يزالون يعيشون على توقعات الملائكة من الإفساد في الأرض وسفك الدماء، ولم يحققوا بعد علم الله فيهم. لكن، في مشهد آخر من قصة الخلق، يتحدث القرآن عن آدم وزوجه وكيف قال لهما الله: (لا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ)، فخدعهما الشيطان (وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ). فأكلا منها، (وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ). فكان جوابهما: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا) فاعترفا بكل الوضوح بالظلم الذي وقع منهما، وطلبا المغفرة والرحمة، وهذا الاعتراف بالخطأ هو الجواب العملي الأول من الإنسان على تهمة الملائكة في الفساد وسفك الدماء، ودليل على جدارة في تحمل المسؤولية، في حين برر الشيطان معصيته بحجتين: أصله المادي، والثانية بمذهبه في تفسير الوجود من أن سبب خطئه يرجع إلى الله الذي مكنه من الوقوع في الخطأ. إن تبرئة الذات واتهام الآخر لا يحل المشكلة، وإنما يكون الحل من الذات وكشف الخطأ فيها، والقرآن يقول: (مَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) [النساء:4/79[، (وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [النحل: 16/33[.

المشهد الثالث الذي يختم قصة الخلق في القرآن هو قصة ابني آدم، ومن أراد أن ينظر إلى هذه القصة كحقيقة واقعية فليفعل، ومن أراد أن ينظر إليها رمزاً فليفعل، والحاصل أن الذي لم ينجح في عمله رجع وانتكس إلى أسلوب القتل؛ بدل أن يراجع نفسه المتطورة، وقال لأخيه: (لأقتلنك)، فأجاب هابيل: (لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) ] المائدة: 5/28 [. يقف هابيل هذا الموقف بإصرار ووعي وتحمل للعواقب وتحمل للمسؤولية وحسن استخدام للسلطة الجديدة التي اكتسبها الإنسان، هذا الذي ينبغي أن نقف عنده لبدء عهد جديد. هابيل الذي رفض أن يشارك في القتل ولو على حساب حياته، رسم بداية للتاريخ مختلفة عن منظورنا الحالي تجاهه، والقرآن يوضح لنا بأن أول فعل في التاريخ لم يكن جريمة القتل وإنما سبقه رفض للقتل وسفك الدماء من قبل ابن آدم الأول. ولقد دشن هابيل بموقفه هذا، الوعي التاريخي التطوري، سواء صحت هذه القصة أم لم تصح كتاريخ، فإني أشهد أن موقف هابيل ليس هرطقة، بل هو الموقف المتطور للحياة الإنسانية الجديدة مهما كان كشف ذلك صعباً، والتاريخ سجل موقفاً شبيهاً هو موقف سقراط وتحديه بقبول الموت، ورفض أن يوقفَ حواره مع الجهاز العصبي أو يهرب من الحوار. إننا نقدم هنا تحية إعجاب وخشوع لابن آدم الأول ولسقراط لأنهما وثقا بالتطور الذي حدث للأمم ولم يتراجعا، ورفضا أن يقبلا العودة إلى شريعة القوة الجسدية، فقدما مثلاً وموقفاً للمثقف.

يشير عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو إلى التواطؤ الضمني الذي يمارسه أفراد المجتمع، (فأنا أعلم، وأنتم تعلمون، وأنا لا أتكلم، ولا أنتم تتكلمون، لكننا جميعاً ملتزمون) بالتواطؤ الاجتماعي والتواطؤ الدولي، فنسكت على الفساد العالمي المستوطن في قمة مؤسسات العالم ونبحث في الصراعات الصغيرة المفتوحة أو المجمدة، وهذا ما أعتبره عاراً على المثقفين الصامتين.


التوحيد والعدل

إني أشعر براحة عظيمة وأستطيع أن أواجه العالم كله بما دعا إليه الأنبياء وهي كلمة السواء التي يفسرها القرآن بأنها (أن لا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً) أي أن لا يكون أحد فوق القانون، فهذا هو الشرك، وهو الذنب الذي لا يغتفر، وهو الظلم العظيم الذي يحبط كل الأعمال ولا تنفع معه بقية الطاعات.

إن العدل بحسب القرآن هو الثيولوجيا الجديدة، وهو التوحيد، لأن توحيد الله في السماء ليس مسألة ميتافيزيقية وإنما مسألة اجتماعية سياسية، تعني أن لا يكون هناك آلهة بشرية على الأرض، فما دام هناك أصحاب امتيازات في العالم، فلا سلام ولا حقن دماء، بل بؤس وخوف من أن يفقد أصحاب الامتيازات امتيازاتهم، والذين لا امتيازات لهم يتمنون أن يصيروا هم أصحاب الامتيازات. وحسب القرآن فإن الغاية من إرسال الرسل هي (ليقوم الناس بالقسط) (الحديد 25)، ويقول في مكان آخر بأن الله أرسل إلى كل أمة رسولاً (أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت). إن الدعوة إلى التوحيد واجتناب الطاغوت تلازمت مع الدعوة إلى العدل والقسط بين الناس.

وفي هذا العالم الذي نعيش نجد مؤسسة الأمم المتحدة التي يسمونها الشرعية الدولية وهي تأسست على فساد قبله الجميع. ولو انتصرت النازية والفاشية في الحرب فهل كان في إمكانهم صنع مؤسسة أسوأ من الأمم المتحدة؟ ماذا كان سيفعل هتلر و موسوليني إلا أن يعطوا لأنسفهم حق النقض، و يكون ثالثهم اليابان؟ يا عالم الكبار لستم على شيء حتى تقبلوا أن تصير الأمم المتحدة تجمعاً بشرياً ديمقراطياً له سلطاته الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية كما في أي بلد ديمقراطي. وعند ذلك يمكن أن نقول إن مفهوم الشرعية بدأ يلوح في الأفق، وأن القواعد القديمة التي وضعها المستكبرون سقطت.

ألا من كان له أذنان للسمع فليسمع، لابد من تجديد العالم وتجديد مبادئه، لأن المبادئ والأسس التي وضعها العسكر المنتصرون في الحرب ليست هي القوانين التي تصلح للعالم. لا يوجد في العالم من ينكر حق الفيتو، الذي هو ميراث الرومان وليس ميراث الحداثة. إنه عقبة أمام العالم وهو الذي يوقف نموه. والطواغيت الصغار محميون بهذا الطاغوت الأكبر. نحن ندعو مثقفي وفلاسفة العالم وجميع دعاة حقوق الإنسان إلى التعاون على إلغاء الفيتو، فهؤلاء الدعاة لحقوق الإنسان هم الذين يسكتون عن الفساد الأكبر والانتهاك الأكبر لحقوق الإنسان. كيف لا يخجلون من الدعوة إلى حقوق الإنسان ويزعمون الديمقراطية، ويقرون في الوقت ذاته بمبدأ هو ضد الديمقراطية وضد حقوق الإنسان وضد الإنسانية. إن مدعي الديمقراطية وحقوق الإنسان يبحثون عن القشة في أعين الناس، أما الخشبة التي في عيونهم يهملونها. ولكن هل نظل نحن أيضاً ساكتين على هذا النفاق السياسي كأنه مسلمة من مسلمات العالم.

ختم النبوة

ومع أن ثنائية التوحيد والقسط ارتبطت في النص القرآني بالأنبياء، إلا أن تحولاً من نوع آخر ظهر في النص تمثل في انتقال المسؤولية من الأنبياء إلى العلماء: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ .. ) [آل عمران: 18/3 ]. هذا التحول سطر مرحلة جديدة أخرى في التاريخ التطوري البشري تعرف في القرآن والإسلام بـ (ختم النبوة). لم تعد الدعوة إلى العدل وإقامة القسط بين الناس دعوة سماوية ربانية وإنما هي الأخرى أظهرت جانباً آخر من جوانب هذه الثيولوجيا الجديدة، ورث فيها العلماء دور الأنبياء في الدعوة إلى التوحيد والعدل والالتزام بهما. إن ارتباط العلم والقسط جعل المثالية واقعية، وجعل الغيب شهادة، وجعل الإلهي بشرياً، وجعل الخارق سننية، وجعل التوحيد هو إقامة القسط بين الناس، وبهذا صارت النبوة علماً، وصار التلقي عن الله علماً.

الخاتمة

انتهى عهد الأنبياء بعد الرسالة الخاتمة، وانتقلت المسؤولية إلى أهل العلم ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور ، ومن ضباب الخوارق إلى ضياء السنن ، ومن جور الاستعباد إلى عدالة الحرية .

الأنبياء جاؤوا للتنافس في فعل الخير ، لنتنافس كيف نصنع السلام العالمي ، ونصنع المجتمع العالمي الذي يتساوى الناس فيه أمام القانون ، ونكون بذلك حققنا إرادة الله وأُمنية الأنبياء . وأقرب الناس إلى الله هم الذين يُقدِّمون خدمات للناس أكثر .

والمسألة ليست مسألة تشريع ديني ، أو قانون وضعي ، بل مسألة ظلم أو عدل ، مساواة أو امتيازات ، آلهة أو عبيد .

ومعلمون لا يثقون بعلمهم لن يكونوا قادرين على تلقيح العقول بمضادات الاستعباد . نحن لا نخاف أن ينهزم العدل وكلمة السواء إذا طرحت للتصويت لأن الفقراء والمساكين والنساء والأطفال هم الذين يفهمون معنى العدل بإمتياز وأما أصحاب الإمتيازات هم الذين يخافون من العدل وعندما يطرح للتصويت لا نخشى أن ينهزم العدل ومن ظن ذلك فهو لا يعرف الله والإنسان ولا العدل لأن الله هو العدل (ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين) (تعديل من جودت سعيد)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نهاية المقال ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أسئلة بلجيكا

فيما يلي بعض الأسئلة التي جاءت من بلجيكا بخصوص المؤتمر، ربما تكون مفيدة لو وضعناها هنا لنتذكر المحاور التي يمكن أن نغطيها وحتى ترتبط المحاضرة بالمؤتمر بشكل ما.

ما الذي يمكن (للفاعلين الدينيين/للناشطين الإسلاميين) فعله من أجل إنعاش المصالحة في حالات ما بعد الصراع؟

كيف يمكن للمتدينين أن يتحركوا للوقاية من الصراعات؟؟؟

  • إن التخلص من الفساد العالمي والمحلي، وإقامة العدل العالمي والمحلي، هو سبيل الوقاية من الصراعات. (العمل ضد الفساد)

ما هي العبر التي يمكن أخذها من تجارب الشرق الأوسط، من البلقان أو القوقاز؟

  • العبرة هي أن الصراعات المعاصرة هي صراعات عالمية مسؤولياتها عالمية وسببها الفساد والظلم وعدم العدل وعبادة القوة والكيل بمكيال للذهب ومكيال للحديد.

كيف يمكن أن يكون وقع الفاعلين الدينيين الخارجيين مثل السانت اجديو، باكس كريستي أو المؤتمر العالمي للديانات من أجل السلم؟

  • هنا أيضاً، عندما يعي هؤلاء المتدينون الغربيون مسؤوليتهم عن الفساد في العالم فسوف يتصرفون حسب تلك المسؤولية. ليس التمتع بالامتيازات وركوب باقي العالم، بل العمل من أجل عالم عادل.

كيف يمكن للاتحاد الأوربي أن يتعاون مع الفاعلين الدينيين في مناطق الصراع، وما هي الأدوات التي يمتلكها؟

  • يجب على الاتحاد الأوروبي أن يثق بإنجازاته، وأن يدرك أهميته، باعتباره نموذجا لما اشتهى كثير من الأنبياء والقديسين أن يحققوه أو يشاهدوه، فهو تجمع على كلمة السواء بدون أحد فوق القانون.
  • يجب عليهم أن يعملوا بسرعة من أجل أمم متحدة جديدة، لها نظام من 3 سلطات (تشريعية وتنفيذية وقضائية) مستقلة ومنفصل بعضها عن الآخر، وليس فيها حق فيتو لأحد. (ومن يرفض أن ينضم إليها فهو يعتقد أنه ابن الله، أو أسد في غابة، وعليه أن يتحمل مسؤولية خروجه).
  • هذه هو التعاون الحقيقي مع الناشطين الدينيين وغير الدينيين في العالم وفي مناطق الصراع.
  • يجب على الاتحاد الأوروبي أن يتبع أسلوباً حازماً وعادلاً ضد الحكومات والشعوب الديكتاتورية.
  • إن دعم الحكومات الطاغوتية لأنها تحافظ على مصالح معينة للغرب، دليل على عدم نضج الغرب وعدم إدراكه لمصالحه الحقيقية.
  • إن التعامل بالإقناع والعدل والإحسان هو الذي يستخرج أفضل ما في الإنسان وليس إجباره وإكراهه واستعماره،
  • إن دعوة جميع الناس إلى كلمة سواء هي دعوة جميع الأنبياء والقديسين والمصلحين وهي الدعوة التي يجب أن يحملها الاتحاد الأوروبي، ليكون نواة لوحدة عالمية يتساوى فيها الناس وليس يكون لبعضهم حق الفيتو.

كيف يمكن خلق أو إنعاش حوار دائم وتعاون يحترم هويات الفاعلين الدينيين والسياسيين في نطاق التآزر والتكامل؟

خلال الصراعات الماضية ظهرت صعوبة في تأسيس حوار دائم بين الفاعلين الدينيين، ألا يمكن للاتحاد الأوربي أن يقدم منبرا لتسهيل حوار من هذا النوع؟

قسم التعليقات

من كان عنده تعليق على ما يتم تدوينه أو (رؤوس أقلام للأفكار التي ينصح بإضافاتها) يمكن إضافتها هنا.


بعض المحاور المقترحة – يمكن إجراء التعديلات على تسلسل هذه المحاور وتسمية العناوين المناسبة

- بدأنا بالإنسان والفساد وسفك الدماء

- اللاإكراه وعبادة القوة

- التوحيد والقسط

- ختم النبوة وانتقال الرسالة النبوية إلى العلماء والمثقفين

- الخلق الآخر والديمقراطية

- كل شيء علمي يصير عالمياً والاتحاد الأوروبي لا بد أن يصير اتحاداً عالمياً