عندما تهب نسائم الحرية على سوريا

من Jawdat Said

مراجعة ١١:٠٦، ٢٥ أغسطس ٢٠١١ بواسطة Admin (نقاش | مساهمات)

اذهب إلى: تصفح, ابحث

بقلم: جان ماري مولِّر

ترجمة: محمد علي عبد الجليل

مراجعة:

عندما تهب نسائم الحرية على سوريا

بقلم جان ماري مولير المتحدث باسم حركة "البديل اللاعنفي"



لكلٍ من الثورات العربية خصوصيتها. والثورة السورية التي بدأت في العشرين من آذار 2011 تزداد زخماً يوماً بعد يوم. وتعبئ كل يومٍ المزيد من السوريين الذين يطالبون بإسقاط النظام بهدف ممارسة مواطنتهم من الصعب الإلمام بالحوادث العديدة التي أثرت على مسيرة الثورة خلال الأشهر الاخيرة بسبب تقطع المعلومات التي تصل إلينا. على الرغم من ذلك و بفضل الشهادات التي جمعت من قبل منظمات حقوق الانسان ووكالات الانباء من شهود العيان فإنه يمكننا رسم خطوطٍ عريضةٍ تبرز خصوصية هذه الثورة. "على الرغم من القمع الذي أودى بحياة 1400 مدنيٍ منذ شهر آذار، خرج مئات الآلاف من المتظاهرين الى الشوارع في عدة مدنٍ في سوريا من أجل يوم تظاهرٍ جديد. لقد قتل قرابة الثلاثين متظاهرعلى أيدي قوات الأمن " هكذا عرضت وكالات الأنباء يوم السادس عشر من تموز. في ذلك اليوم كانت سوريا مسرحاً لأكبر المظاهرات منذ بداية الانتفاضة ضد النظام الديكتاتوري لحزب البعث و الذي يعتبر وفقاً لدستور عام 1963 هو "قائد الدولة والمجتمع". صرح رامي عبد الرحمن، مدير المنظمة غير الحكومية "المرصد السوري لحقوق الإنسان " إنه لتحدٍ للسلطات ، وخاصة ًعندما نرى الذروة الحادة للمظاهرات التي سجلت للمرة الأولى في دمشق". إن الحدث الأكثر أهمية في "الثورة السورية" هو خروج مئات الألوف من السوريين العزل الى الشوارع كل يوم جمعة مع علمهم أنهم معرضون لخطر التعرض للقتل برصاص قوات الأمن. إليكم الحقيقة الاستثنائية: على الرغم من الخطر العظيم, فإن مئات الآلاف من السوريين يتحدّون النظام الشمولي الذي يضطهدهم منذ عقود. يتحدّونه بمواجهة الموت بمحض ارادتهم للدفاع عن كرامتهم وحريتهم. لا يعني ذلك أنهم لا يخشون الموت، فجميعنا يعلم من تجربته الخاصة أنه في مواجهة الخطر يبقى الخوف متأصلاً في أعماقنا, لكنهم قرروا عدم الاستسلام لهذا الخوف وهنا بالضبط تكمن شجاعتهم البطولية. على الرغم من خوفهم وبرفقة هذا الخوف فإنهم يجابهون الموت. لم يكونوا ليحتاجوا من أجل ذلك لأية أيديولوجية، وهم اختاروا عدم الرضوخ للقيود التي فرضتها عليهم هذه الديكتاتورية. قرروا أن يسخروا من الخوف و أن يمارسوا حقوقهم كمواطنين على الملأ. إن هؤلاء الرجال و النسوة يملكون الشجاعة البطولية التي تخولهم تفضيل الموت على الذل أو العبودية.

إن التحليل الذي يقدمه فايز سارة, الكاتب وعضو المعارضة المسجون من 2007 إلى 2010 ومن 10 نيسان إلى 12 أيار 2011 يقدم صورةً واضحةً لما يجري (انظر صحيفة اللومانيتيه, 18 تموز2011). "والمذهل في الأمر ليس مجرد نزول الناس إلى الشارع فحســب، بل القدرة على الاستمرارفي ذلك رغم الاعتقالات ورغم الدماء التي أريقت. لقد تم اعتقالي مع المتظاهرين والعديد منا قد عاد مراراً وتكراراً إلى السجن.(..........) عندما ينزع المساجين ملابسهم تستطيع أن ترى آثار الضرب والتعذيب على أجسادهم وعلى الرغم من ذلك فما أن يخرجوا من السجن حتى يعودوا للتظاهر من جديد. هناك حقاً خصوصيةٌ سوريةٌ فريدةٌ في هذه الثورة.(........) هناك وعيٌ كبيرٌ بين السوريين, ولقد رأينا أناسا من غير المتعلمين في المناطق الريفية يظهرون نضجاً سياسياً كبيراً من خلال رفضهم للعنف. إن مطلبهم الأساسي على وجه التحديد هو الحرية والكرامة.(....) وقد وضعوا شروطهم التي تتناسب مع الكرامة والقيم الإنسانية وقد قاربوا بها المثل العليا الوطنية بشكلٍ استثنائي, خصوصاً في بلد متعدد الطوائف كسوريا, حيث إن الخوف من امكانية إثارة صراعٍ طائفيٍ بين الأديان أمر لايمكن تجاهلهً."

يمكننا أن نرى من خلال كل هذا شجاعةً نادرةً تنتزع الإعجاب, فإنه ليس من قبيل المبالغة القول بأن مما يقارب حدود البطولة المطلقة هو رؤية هؤلاء النسوة والرجال الذين يأخذون على عاتقهم مواجهة أعظم الأخطار في سبيل مطالبتهم بالكرامة والتحرر من الطغيان.

وفقا للعديد من وكالات الأنباء بما في ذلك وكالة فرانس برس فإنه في الثامن عشر من نيسان في حمص, وهي مدينةٌ تقع في وسط سوريا, فإن مايقارب العشرين ألف متظاهرٍ كانوا قد تجمعوا في ساحة الساعة أســموها ميدان التحرير أســوة بميدان تحريرالقاهرة والذي مثل بؤرة الاحتجاجات في مصر, حيث قام المتظاهرون يومها بتنظيم اعتصامٍ ضخمٍ هاتفين للحرية. لقد قاموا بنصب الخيام وتوزيع الطعام وأعلنوا يومها بأن هذا الاعتصام سيستمر حتى سقوط نظام بشار الأسد. لكن في تلك الليلة تدخلت قوات الأمن وفرقت الناس المحتشدة سلمياً بإطلاقٍ كثيفٍ للنيران ومازال عدد القتلى والجرحى الذين سقطوا يومها غير محددٍ على وجه الدقة. في الخامس والعشرين من نيسان, قام الجيش بمحاصرة درعا مهد الثورة. وقد عانت هذه المدينة من نقص المياه والغذاء والكهرباء والدواء. ومن ثم تم اقتحامها من قبل القوات العسكرية وقوات الأمن المدعومة بالدبابات والسيارات المدرعة وأخذت تتجول من حيٍ لآخرمقتحمة المنازل ومعتقلةً في كل مرة شخصاً أو شخصين.ثم تم نشر القناصة على أسطح المنازل, وهؤلاء لم يتوانوا عن استهداف كل من يتحرك في الشوارع. في الثلاثين من نفس الشهر استولى الجيش على المسجد العمري الذي اتخذه الأهالي مكاناً للاعتصام وقام بقتل العديد منهم ومن بينهم إمام الجامع. " درعا الآن منطقةٍ عسكرية, والوضع مأساويٌ، ولكن معنوياتنا عالية" صرح الناشط الحقوقي عبد الله أبازيد.

"على الرغم من الإرهاب الذي يفوق كل التخيلات كما وصفته المنظمة الأميركية غير الحكومية آفاز, فإن السوريين يرفضون الصمت وسيواصلون نضالهم السلمي للخروج من هذا الكابوس". في الأول من حزيران قامت منظمة حقوق الإنسان هيومن رايتس ووتش بتوثيق الجرائم المرتكبة في درعا بوصفها "جرائم ضد الإنسانية " حيث قام شهود عيان بتوثيق شهاداتٍ حول القتل المنظم والضرب والتعذيب باستخدام الصدمات الكهربائية. "على الرغم من أن السلطات السورية تابعت اتهام المتظاهرين في درعا بالعنف ومهاجمة قوى الأمن إلا أن جميع الأدلة التي جمعتها هيومن رايتس ووتش أشارت غالباً إلى أن التظاهر كان سلميا" ( لوريان لو جور صحيقة بيروت 2حزيران 2011). إن الجيش لم يتردد باطلاق النار على الناس القادمين من القرى المجاورة لدرعا في محاولةٍ منهم لفك الحصار عنها, هؤلاء الذين حاولوا مخاطرين بأنفسهم وأرواحهم جلب الماء والغذاء للمدينة رغم معرفتهم بأن هذا سيؤدي لسقوط عشرات القتلى, إن التعبير الذي قد يبدو مبالغاً فيه قد أخذ هنا غاية معناه "إن موتهم لم يذهب سدى". في يوم السبت الواقع في الثلاثين من نيسان نزل سكان درعا مجدداً إلى الشوارع لتشييع الشهداء الذين سقطوا في اليوم السابق. في الثالث من حزيران سقط ستون شهيداً وفي اليوم التالي, وفقاً لبيانٍ صادرٍ عن السيد عبد الرحمن " أعلن السكان الإضراب العام حداداً على أرواح الشهداء" و تم إغلاق جميع المتاجر. ( لوريان لو جور صحيقة بيروت 6 حزيران 2011). في الخامس من حزيران صباحاً, بدأ الجيش بالانسحاب من المدينة المستباحة. " لقد بدأنا بالانسحاب بعد أن أنجزنا مهمتنا” قال الجنرال حداد مدير الدائرة السياسية للجيش مؤكدا "سيتم سحب كل القوات المسلحة من درعا بحلول نهاية اليوم, نحن لم نتعرض للمتظاهرين وإنما قمنا بملاحقة العصابات الإرهابية المختبئة في عدة أماكن". كان هناك مايكفي من الأكاذيب! وفقاً لصحيفة (لوريان لوجور 7/حزيران/2011) فقد أفاد نشطاء نيقوسيا السوريون بحدوث تمردٍ في قوات الأمن في المدينة. أكد أحد النشطاء على سماعه لاطلاق نارٍ في مقر قيادة قوات الأمن في الخامس من حزيران. " أعتقد بأنهم قد قاموا باعدام رجال الشرطة الذين رفضوا اطلاق النار على المتظاهرين". تواردت العديد من الشهادات من مدنٍ أخرى حول رواياتٍ متواترةٍ عن تصفية بعض العساكر من قبل قوات الأمن. يروي بشير, شاهد العيان, رؤيته بأم عينيه للعديد من الجثث المصابة بأعيرةٍ ناريةٍ في الرقبة " لقد رفضوا إطاعة الأوامر باطلاق النار على حشود المتظاهرين لذلك قاموا بتصفيتهم قبل إلقائهم في مقابر جماعية, لم يسبق أن رأيت شيئا كهذا من قبل." يؤكد كريم, شاهد عيان آخر, هذه الرواية قائلاً: " أنا أيضا قد رأيت جثة جنديٍ مقتولٍ برصاصةٍ في الرقبة. عادةً ماتصل قوات الجيش مبكراً إلى المدينة تتبعها قوات الأمن التي تأتي لمراقبتها, أولئك الذين يعصون الأوامر تتم تصفيتهم." نقلاً عن أحد المدونين الذي يقول بأنه قد حصل على شهادة رب أسرةٍ من حماه يقول :" لقد اتصل بي ابني من درعا وأخبرني بأنهم كجنود قد تلقوا أوامر بقتل المدنيين فأخبرته بأني "أفضله ميتا عن أن يكون قاتلا, وصلني ابني بعد يومين في تابوت. لقد رفضت إقامة جنازةٍ عسكريةٍ له ودفنته بعيداً عن العيون بصمت". من يستطيع إيجاد الكلمات التي تصف حكمة هذا الأب الذي فضل رؤية ابنه ميتاً شهيداً عوضاً عن رؤيته حياً مجرماً قاتلا؟ لا شك بأن الشعب السوري سيخلد ذكرى هؤلاء الشهداء الحقيقيين الذين يعتبرون وسام شرفٍ للإنسانية جمعاء. بالتأكيد فإن هؤلاء الرجال قد قضوا نحبهم على شرف الوجود الإنساني.

لكننا يجب أن نفكر أيضاً بكل هؤلاء الجنود السنيين الذين لم يعصوا الأوامر، الشباب الذين لايتعدى عمرهم سبعة عشر ربيعاً والذين قتلوا إخوانهم وسيقضون بقية حياتهم تحت وطأة عذاب الضمير لكونهم قتلة. ( إن الجيش يتكون بشكلٍ أساسيٍ من جنود سنيين في حين أن غالبية الرتب العليا تكون من الأقلية العلوية مثل الرئيس الأسد وجميع الشخصيات البارزة في نظامه. إن الغالبية العظمى من المتظاهرين بالمقابل هم من السنة.)

في الرابع من حزيران/2011 في بيروت, قابلت الشيخ جودت سعيد الذي كنت قد تعرفت إليه في دمشق عام 2008. إنه أحد المفكرين المسلمين الأوائل الذين ساهموا بادخال مفهوم اللاعنف في العالم الإسلامي. لقد ناضل جودت سعيد لسنواتٍ عديدةٍ من أجل الديمقراطية وهو اليوم ملتزمٌ التزاماً كاملاً بالثورة السورية. إن القضايا الطائفية وفقاً له لاتعدوعن كونها هامشية وإن ثمانين بالمئة من الشعب قد قاموا للمطالبة بحريتهم دون أي ميلٍ للعنف. لقد ذهب جودت سعيد للمسجد في درعا ليعبر للناس هناك عن تضامنه مع آباء الشهداء وقد حثهم على الإصرار على اتباعهم لطريق اللاعنف. لقد تلا على مسامعهم الآية الكريمة عن ابن آدم الذي رد على شقيقه الذي أراد قتله " لئن بسطت يدك إلي لتقتلني ماأنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين" هذه الآية تم نقشها فيما بعد على لافتةٍ وتعليقها في المسجد. وقد قام الشيخ جودت سعيدأيضا بالتحرك نفسه في مدنٍ أخرى وبالتحديد في داريا حيث تم تسليم الأهالي جثامين أبنائهم بعد إجبارهم على توقيع إقراراتٍ تفيد بأن أبناءهم قد قتلوا في حوادث للسير. بالرغم من توقيع أوراقٍ كهذه فإن الجميع يعرفون الحقيقة. زار جودت سعيد الأهالي في داريا لتقديم التعازي لأسر الشهداء الذين رحبوا به باعتباره رجل السلم واللاعنف. لقد اعترف لي بأنه في كل مرة كان يغادرهم لم يكن يعرف ماإذا كان سيستطيع العودة. لقد اتصل مصدرٌ مقربٌ من بشار الأسد بجودت سعيد ليقترح إجراء حوارٍ معه فأجابه بأنه ليس على استعداد للتفاوض وبأنه يفضل أن يتم اعتقاله عن أن يقوم بتحركٍ مماثل. إنه لايعتقد بأن الرئيس السوري بامكانه البقاء في السلطة بعد كل هذا. إننا لا نفاوض على الديمقراطية ديكتاتوراً يقوم بقتل شعبه. إنه على ثقةٍ كبيرةٍ بالمستقبل ويؤمن بأن الديمقراطية ستسود في نهاية المطاف. وهو ليس بخائفٍ بل هو مستعدٌ للموت في سبيل الحرية. في السادس من حزيران, نددت ست منظماتٍ لحقوق الإنسان باستخدام القوة المفرطة لتفريق التجمعات السلمية للمواطنين العزل وطالبت الحكومة بوقف دوامة العنف والقتل في الشوارع السورية كما طالبت بتشكيل لجنةٍ مستقلةٍ للتحقيق بشفافية وتحديد المسؤولين عن العنف. ( لوريان لو جور, صحيقة بيروت, 7/حزيران 2011).

في الرابع عشر من تموز, أطلقت قوات الأمن النار على المتظاهرين في دير الزور وقتلت اثنين من المدنيين. قام السكان بإضراب عامٍ ودعوا جميع المدن السورية لتحذو حذوهم.

لقد عقد مؤتمر الحوار الوطني في اسطنبول في السادس عشر من تموز تحت عنوان "مؤتمر الإنقاذ" حيث كان يهدف لتوحيد المعارضة الديمقراطية. وقد صرح وائل الحافظ, أحد شخصيات المعارضة, قائلا: " إننا نطمح لتكثيف التظاهرات السلمية من خلال الترويج لأفكار العصيان المدني بالإضافة للشلل الاقتصادي للبلاد مع الحرص على إبقاء الأضرار الشعبية في حدها الأدنى" (رويترز.) بالرغم من ذلك فإنه سيكون من التسرع الانسياق وراء الادعاء بأن الثورة السورية تجري أحداثها في إطار الالتزام المطلق بمبادئ العمل اللاعنفي. مع أن الواقع يبدو أكثر تعقيداً من ذلك إلا أنني أتحفظ على الحديث عن "ثورة سلمية" حتى لو كان البعد اللاعنفي فيها هو الأكثر حضورا. ليس هناك أدنى شك بأنه قد تم ارتكاب بعض الأخطاء العنفية دون أن نستطيع تقدير أهميتها أو انعكاساتها. إن بعض المباني الحكومية قد نهبت, ومع أن المتظاهرين كانوا غير مسلحين فإنه يبدو أن البعض قد استخدم بعض الأسلحة في محاولةٍ منهم للدفاع عن قراهم المقتحمة من قبل الجيش. ليس في هذا مايدعو للعجب على أية حال, ومع ذلك فإن كل عملٍ من أعمال العنف سيكون على الأرجح غير مفيدٍ كما أنه سيضعف المقاومة بدلاً من تعزيزها. إن تحليل سول آلينسكي ينطبق تماماً على الوضع السوري " إنه لمن الحماقة السياسية القول إن الوصول الى السلطة يأتي عبر السلاح عندما يكون الطرف الاخر هو من يمتلك كل السلاح". إن اللجوء إلى العنف سيحتسب دوماً ضد الثوار ولن يؤدي إلا إلى تزايد القمع المطبق عليهم.

يجب أن يتذكر المتمردون دائما ماقاله ايتيين دولابويسي في كتابه "العبودية المختارة" عام 1549: " لسنا نرى حجم الطغاة كبيراً إلا لأننا راكعون. إن الكثير من الرجال والكثير من القرى والكثير من المدن والكثير من الأمم قد ترزح تحت وطأة طاغيةٍ واحدٍ لا يمتلك من القدرة إلا ماتعطيه هي له. اتخذوا قراراً بعدم العبودية وستكونون أحراراً. لن أطالبكم بمجابهة الطاغية أو بالتخلص منه ولكنني سأطالبكم فقط بالتوقف عن دعمه, حينها سترونه كالصرح العظيم الذي كسرت دعائمه ينهار ويتلاشى تحت وطاة ثقله." في حين أن تفكيك الديكتاتورية ليس شرطاً كافياً لبناء الديمقراطية إلا أنه شرطٌ لازمٌ. إن الأمر متروك للسوريين لإعادة بناء مادمره النظام بتبنيه لسياسة القمع المغل في الوحشية. ستكون الجراح بطيئة الشفاء والالتئام وستكون العقبات الواجب تخطيها كثيرة, فليتركوها للزمن وليعطوه الوقت الكافي. إن أحد أعظم التحديات التي ستواجه السلطة الجديدة والمواطنين السوريين الجدد هو إعادة بناء وحدة وطنية تحترم حقوق جميع الأقليات وبخاصةٍ المسيحيين الذين يبلغ تعدادهم المليوني شخصٍ ويشكلون نسبة اثنتي عشر بالمئة من اجمالي السكان. إنهم في غالبيتهم قد تأقلموا نفسياً مع وجود نظام الأقلية العلوية نتيجة الخوف من امكانية معاناتهم من تسلط الأغلبية السنية. لقد استغلت عائلة الأسد هذا الوضع من خلال الزعم بأنها الضامن الوحيد لسلامة المسيحيين آملين بذلك كسب الدول الغربية لصفهم. لهذا السبب فإن المسيحيين قد نأووا بأنفسهم عن الثورة خوفاً من فقدانهم لميزاتهم المكتسبة. في السادس والعشرين من نيسان, صرح المطران جوزيبي نازارو, النائب الرسولي في حلب, بأنه يخشى "زعزعة الاستقرار في سورية" والذي يمكن أن يؤدي إلى " تقويض التوازنات الداخلية بين الجماعات الدينية وتهديد المليوني مسيحي الذين يعيشون في هذه البلاد" وقد أيد فكرة إعطاء الوقت للأسد ليصحح أخطاء النظام. ولكن لابد من طرح السؤال التالي هنا: ألن تكون تكلفة ضمان سلامة المسيحيين باهظةً جداً إذا وجب مقابلها الرضوخ للديكتاتورية؟ إن وضع حدٍ لهذه الديكتاتورية هو بالضرورة "زعزعة استقرار" النظام الذي فرضته هذه الديكتاتورية على المجتمع ككل. إن الإصلاح الوحيد الممكن للديكتاتورية هو استئصالها.

مع ذلك فإن الاحترام الصارم لحقوق كل الأقليات الدينية ومن بينها الأقلية المسيحية سيكون هو الاختبار لمدى تصميم النظام الجديد على تطبيق قانونٍ عادلٍ للجميع, لهذا السبب سيتوجب على النظام الجديد احترام قيم الديمقراطية العالمية التي تعتبر أساس المدنية. إننا لسنا بغافلين عن عظمة هذا التحدي علماً بأن المعارضين قد وجدوا أثناء تجمعهم في اسطنبول في السادس عشر من تموز الكلمات المناسبة من خلال "دعوتهم إلى الوحدة الوطنية ووحدة المعارضة" وتأكيدهم على "ضرورة إقامة حكومة تعددية ديموقراطية يشارك فيها كل السوريين كمواطنين مسؤولين", ولكن لايزال هناك فرق بين النوايا الحسنة والواقع المعاش. بالفعل, لقد توصل الثوار في سوريا لجعل النظام يتبنى خطابهم حيث أن فاروق الشرع, نائب رئيس الجمهورية, قد صرح في الخامس عشر من تموز قائلاً:" بدون وجودٍ سياسيٍ ديمقراطيٍ متعدد الأحزاب فإن مجتمعنا لن يتوصل إلى الحرية أو إلى السلم الأهلي." ولئن كان هذا القول لايعدو كونه تنميقاً للكلام فإنه مع ذلك يعطي شرعيةً لمطالب المتمردين ويجعلها ذات مغزى. إنه لمن غير المتخيل أن يكون النظام الحالي قادراً بنفسه على وضع خطةٍ تقود البلاد نحو الديموقراطية بل إنه سيتعين على الرئيس وأعوانه أن يمثلوا للمساءلة أمام المحكمة الجنائية الدولية حيث ستتم مقاضاتهم كمرتكبين لجرائم ضد الإنسانية. هل يجب القول بأن نظام بشار الأسد قد فقد الآن كل شرعيته؟ في الواقع فإن هذا النظام لم يكن شرعياً في يوم من الأيام. إن الأمر الأكثر أهميةً اليوم هو أن الشعب السوري قد اقتحم الحيز العام ليعلن على الملأ وبقوةٍ بأنه هو وحده حارس الوحدة الوطنية ولن يترك الوصاية لأحدٍ عليه بعد الآن. لايمكن لأحدٍ أن يتنبأ اليوم بما ستكون عليه نتائج هذه الثورة ومتى ستتحقق هذه النتائج, ولكن رياح الحرية قد هبت على سوريا ولن يستطيع أي طاغيةٍ بعد اليوم إعادة الشعب إلى حالة العبودية. إن مسؤوليةً كبيرةً تقع على عاتق المجتمع الدولي فيما يخص الوضع الذي كان سائداً حتى اليوم في البلاد العربية. فعلى مدى عقودٍ كانت الدول الغربية تتواطؤ إلى حدٍ كبيرٍ مع الطغاة على الرغم من معرفتها بالانتهاكات السافرة لحقوق الإنسان والمواطنة التي يرتكبها هؤلاء الطغاة. وقد فضلت الأنظمة الغربية بشــيء من الخور والجبن المحافظة على أنظمةٍ معينةٍ في المنطقة حيث ظنت بأنها ستحافظ لها على مصالحها بالشكل الأمثل. لقد انقضى هذا الزمن الآن وكان ذلك خارجاً عن ارادتهم. لقد اعتقد الغربيون أيضاً بأن هذه الأنظمة هي أفضل طريقةٍ للدفاع ضد تهديد الإسلام الأصولي, لكنه من الخطأ المطلق الاعتقاد بامكانية استخدام الديكتاتورية لمكافحة المد الإسلامي. لقد اختار نيكولا ساركوزي في عام 2008 من خلال إنشائه لاتحاد البحر المتوسط التواطؤ بشكلٍ ظاهرٍ مع الطغاة عوضاً عن التضامن مع الشعوب حيث أننا نذكر جيداً في تلك السنة كلاً من حسني مبارك وبشار الأسد المتوجان إلى جانبه في الموقف الرسمي خلال العرض العسكري في الرابع عشر من تموز. إن الدول الغربية قد أظهرت حتى الآن شحاً كبيراً في تعبيرها عن التضامن مع الشعب السوري. إن هذه الدول تجيد صناعة الحروب وهي مجهزةٌ بشكلٍ جيدٍ لذلك لكن هذه الدول لم تتعلم بعد صناعة السلام, وقد صدق برنانوس حين قال: "إن التعبئة للحرب أسهل من التعبئة للسلام". علاوةً على ذلك فإنه لايمكن أن يكون هناك أي تدخلٍ عسكريٍ جديدٍ لم يطالب به المعارضون البتة, إلا أن هناك حاجةً ملحةً لتدخلٍ سياسيٍ قوي, الأمر الذي لايبدوأن المجتمع الدولي جاهز له للأسف. في السادس عشر من تموز, عبرت هيلاري كلينتون, وزيرة خارجية الولايات المتحدة, عن أملها بـ "التعاون السلمي مع الحكومة من أجل مستقبل أفضل". كيف لنا أن نجرؤ على الحديث عن "تعاون سلمي" في حين أن المواطنين السوريين يقتلون في الشوارع؟ إن العقوبات المالية والاقتصادية ضروريةٌ ولكنها لاتستطيع التأثير في مجريات الأحداث على أرض الواقع, حيث أن هناك فقط, وعلى أرض الواقع, يرسم الحراك مستقبله.

إن التدخل السياسي بات ضرورياً وتوجد حاجةٌ ملحةٌ لإعادة النظر في عمل المجتمع الدولي المتعلق بقضايا تجنب وفض النزاع ولتجربة أساليب التدخل المدني السلمي من خلال فتح فضاءٍ سياسيٍ تجد فيه مبادرات المجتمعات المدنية للسلام مجالاً للتعبير. هذا النوع من التدخل ليس ممكنا على الفور لكنه قد يكون حاسماً في سوريا بعد سقوط النظام. بات الأمر متروكاً لنا الآن كمواطنين لنعيد تشكيل يقظتنا التي اتضح اننا ايضا قد قصرنا في ممارستها, حيث إن الواجب يحتم علينا التضامن مع النساء والرجال الذين أخذوا ومازالوا يأخذون على عاتقهم مخاطراً لم نكن نحن لنأخذها ولايمكننا أن نشعر بالرضى من مجرد الإعجاب والإشادة بهم. علينا أن نطالب حكوماتنا بتحديد سياسةٍ تكون على مستوى التحدي الذي أطلقته الشعوب العربية في العالم أجمع وهذا يتطلب منا أن نمتلك الشجاعة لإعادة خلق ديموقراطياتنا. .