سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم

من Jawdat Said

اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

اقرأ وربك الأكرم


Change.gif
لتحميل الكتاب
مقدمة
مدخل
الفصول
الفصل الأول، مراتب الوجود
المرتبة الثالثة:الوجود اللفظي
المرتبة الرابعة: التعليم بالقلم
المرتبة الخامسة: الوجود السنني
الفصل الثاني، العلم
دليل العلم
الموقف العلمي
العلم والتوحيد
الفصل الثالث، الأجنة القرآنية
سيروا في الأرض فانظروا
سنريهم آياتنا في الآفاق
سخر لكم ما في السموات
إن الذين آمنوا والذين هادوا
خاتمة



سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد (فصلت 53)

1 - هذه الآية تستحق أن يكتب فيها كتاب خاص بها على نمط كتاب حتى يغيروا ما بأنفسهم، إن ثراء مواضيع هذه الآية يجعلنا متأكدين أنها ستنال ما تستحق من النظرات الشاملة والعميقة في الفكر الديني والإنساني في المستقبل، وأنه ستظهر دراسات ومؤلفات كثيرة في هذه الآيات تفتح آفاقاً جديدة فسيحة؛ وإني حين أتناول بعض معانيها ومراميها أشعر بأني بهذا الطرح أجعل نفسي من الذين بدأوا يتطلعون إلى آفاق جديدة سوف لا تكف عن التوسع والتعمق من دارسين يأتون بعدنا سيمنحون من البيان والقدرة على حل كثير من الأغلال والآصار التي تثقل كواهلنا عن التقدم إلى ذلك العالم الجديد، وإلى مستقبل كريم للإنسان المكرم، المستقبل الذي يئس معظم البشر من بلوغه ولم تقدر الملائكة على تصوره وإمكانه (السلام العالمي).

توحيد العلم والدين

2 - هذه الآية تنقل موضوع الفكر الديني الذي تقرره آيات الكتاب، تنقل مصدر الأدلة من آيات الكتاب إلى آيات الآفاق والأنفس، وهذه النقلة البعيدة المدى لم تكن البشرية مهيأة لها من قبل، بل لا تزال غير مهيأة لها إلى الآن.وانعدام هذه النقلة أو عدم القدرة على التكيف معها هو الذي جعل مصدر أدلة العلم والإيمان مختلفة في أذهان العالم المعاصر، فجعلوا الدين غير العلم، وأن مصدر العلم من الواقع، ومصدر الدين من الغيب. فهذه الآية بهذه النقلة التاريخية التي لم يقدر البشر على تفهمها، تدمج الدين دمجاً كاملاً في العلم الواقعي في المحيط الإنساني، ليكون موضع تأمل الناس.

3 - كما قلب قوله تعالى (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) مفهوم الناس عن التغيير الذي كانوا ينتظرونه من الله، ويرى البشر أنفسهم مثل الطين بين يدي الخزاف تقيدهم الأقدار، قلبت هذه الآية الفكرة رأساً على عقب فردت عملية التغيير إلى البشر، واعتبرتهم مسؤولين عنها، وهذه هي الأمانة التي وضعت بين أيديهم. والبشر لظلمهم أنفسهم ولجهلهم بالواقع، لم يتعلما ما عندهم من إمكانات لحمل هذه الأمانة التي عجزت عنها السماوات والأرض والجبال وأشفقن منها وحملها الإنسان حمل استعداد وإمكان واقتدار، وإن تباطأ في تحويل هذه القدرات الممنوحة له، وفي إظهارها من القوة الكامنة إلى الواقع العملي في الحياة المتنامية. وإن إقبالاً كان يرى مثل هذه الإبداعات في الحياة البشرية وإمكاناتها الممنوحة له فعبر عنها بالشعر ولمجاز والإيماء متخذاً أسلوب الصوفية في الإشارات، إلا أن الموضوع لم يعد يكفيه إيماء الشعراء وإشارت الصوفية، وإنما انتقل بكل ثقله وجلاله إلى علماء التاريخ الذين يسيرون في الأرض وينظرون كيف بدأ الخلق فيتبين لهم من آيات الآفاق والأنفس ما يجعلهم يتلون قوله تعالى: (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مداداً) (الكهف / 109). والفكر الماركسي لبه ومبتداه ومنتهاه في إدراك محتوى هذه الآية حيث لمحوا قدرة الإنسان على صنع التاريخ، والقيام بعملية التغيير. فهذا الضجيج الذي أحدثه الفكر الماركسي خلال أكثر من مئة عام إنما كان في تبنيهم لهذه الفكرة وإدراكهم لها.

وحديثي هذا لا يعدو أن يكون مثل كلمات إقبال بل دونها، وإنما المهمة الموضوعة الآن أمام الشباب والأمانة التي ينبغي أن يحملوها، هي كيف سيجعلون أنفسهم مؤهلين للقيام بوظيفة التغيير الموكلة إليهم، وما المؤهلات التي ينبغي أن يحصلوها حتى يتسلموا المهمة ويؤدوا الدور الموكل إليهم ليكونوا جارحة القدرة الإلهية كما يقول إقبال عن عبد الله الذي يبطش بيد الله ويمشي برجله ويسمع ويبصر بسمعه وبصره على مقتضى الحديث القدسي عن العبد الذي ينال هذه المرتبة بتقربه من الله (بالفرائض والنوافل) فرائض الإيمان ونوافله وفرائض العلم ونوافله.

وجلال الدين الرومي يقول (فحين يعطي السيد عبده الفأس فقد أعرب عن قصده بفعله فيما ينبغي أن يقوم به العبد)، والله تعالى لما يقول للإنسان سوف لا أغير وضعك حتى تغيره أنت فقد أسند إليه الأمانة واستخلفه على الأرض.

والجيلاني يقول « الناس إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلا أنا، فانفتحت لي فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق. والرجل من يكون منازعاً للقدر، لا من يكون مستسلماً مع القدر» (1).

وابن القيم يقول: ليس الرجل الذي يستسلم للقدر بل الذي يحارب القدر بقدر أحب إلى الله، وكما قال لأبي عبيدة بن الجراح لما قال له الأخير أتفر من قدر الله، لما أراد عمر أن يرجع حين سمع بوجود الطاعون، أجابه عمر: ويلك إنما نفر من قدر الله إلى قدر الله.. فهذه الكلمات يحمل كل منها طابع عصره، ومعاصرونا لم ينطقوا بعد لأننا في عصر الصمت والمؤرخون المسلمون وعلماء النفس والاجتماع، إنهم لا علم عندهم بآيات الآفاق والأنفس ودلالاتها وكيف بدأ الخلق، فما أجمل ذاك العصر الذي سيتعلم فيه الشباب قراءة آيات الله في الآفاق والأنفس.

آيات الآفاق وعلم الفلك

4 - هذه الآية آية الآفاق والأنفس قلبت مكان الدليل ومصدره، كما قلبت آية التغيير مفاهيم الناس. فآية الآفاق والأنفس حددت مكان الدليل ومصدره بأنه ليس الكتاب، فلا نطلب كيف بدأ الخلق من الكتاب، وإنما نطلبه من السير في الأرض والنظر، كما أمر بذلك الكتاب، فالحكم في الكتاب، والدليل في الواقع والأرض وآيات الآفاق والأنفس.وكذلك سبق أن أشرنا كيف أن الذي حل النزاع في علم الفلك والإجرام السماوية لم تكن النصوص، وإنما آيات الله في الآفاق والأنفس، لأن النصوص لا تبحث علم الفلك، وإنما تلفت نظر الإنسان إلى مغزى هذا الكون المليء بالأسرار الذي ينبغي أن يصل هو في بحثه في الفلك وكذا سائر العلوم.

وحين أقول إن قراءة آيات الآفاق والأنفس لم تدخل بعد ساحة مطالعاتنا ومفاهيمنا، أعني ما أقول. فنحن عاجزون عن أن نُشهد آيات الآفاق والأنفس على أن دين الله حق أو أن نعطي معنى قريباً مبسطاً لمعنى آيات الآفاق والأنفس، وأن دلالتها قطعية حين تستوفي شروطها.

5 - في القضاء يطلبون البينة والأدلة والشهود، والله تعالى يقيم على دينه وكتابه شاهدي عدل، وهما آيات الآفاق والأنفس، حين يقول (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) وهما شاهدان معتبران لهما حق الشهادة، وميزة هذين الشاهدين أنهما نزيهان غيرُ مُتهمين بالتحيز والهوى، فلهذا من استطاع أن يُشهد على قضيته آيات الآفاق والأنفس فقد استوفى نصاب الشهادة وأخرج الدليل من عالم الغيب إلى عالم الشهادة.

وللمجادل أن يصادر آيات الكتاب ولكن لا يمكنه أن يصادر آيات الآفاق والأنفس، فمن هذا الجانب صار دليل الدين دليلاً عالمياً إنسانياً علمياً، وليس دليلاً لطائفة معينة من الناس: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم..)

6 - حينما كانت المعارف ظنية وتابعة للأهواء، ولم تكن تشهد لها آيات الآفاق والأنفس، كان النزاع يجري فيها، ولكن حين قامت أدلتها من الآفاق تغير الوضع فخرجت الكيمياء من السحر لتصبح علماً دقيقاً. وهكذا حين بدأ علم النفس والاجتماع يأخذ أدلته من الآفاق والأنفس صار علماً، فكما لا يوجد فلك هندي وصيني ومصري ويوناني الآن كما كان موجوداً في السابق، كذلك سيكون شأن الدين حين يصير علماً في ظل آيات الآفاق والأنفس.

والقرآن يعرض الدين كأمر واحد عالمي (لا نفرق بين أحد من رسله)، (شرع لكم من الدين ما وصىَّ به نوحاً..) (الشورى 13) (إن الدين عند الله الإسلام) (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم، قال أسلمت لرب العالمين، ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب: يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (البقرة 132) وعلى نهج هذه الآيات جاء قول الرسول  « الأنبياء أبناء علات أبوهم واحد وأمهاتهم شتى » (البخاري).

7 - يذكر إقبال أن هذه الآية جعلت آيات الآفاق والأنفس مصادر لمعرفة الحق، فكأن هذا القول يظهر شيئاً جديداً في أدلة أصول الدين من الكتاب والسنة والقياس والإجماع، وبمقتضى هذه الآية فإن آيات الآفاق والأنفس لها حق معرفة الحق وكشفه. هذا الحق كشيء مستنبط من الكتاب لا يؤدي دوراً كبيراً مثل قوله تعالى: (سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) ولكن حين يبدأ الناس يتعلمون كيف يتعاملون مع آيات الآفاق والأنفس فإن دلالة آيات الآفاق والأنفس تطلع ضوءاً مبهراً يحق معه أن يقال: طلع الصباح فأطفئ القنديلا. ولكن الذين ظلوا طويلاً في الظلام يصيبهم العشى من الضوء الساطع.

وقد يرى بعض الناس في هذا الاتجاه خروجاً من الدين وتضييعاً له، ولكننا نرى عكس ذلك. نرى أن هذا الأسلوب سيعطي المتدينين بهاء كبيراً كما سيكون سبباً في دخول الناس في دين الله أفواجاً. وإن أمثال جارودي من مؤشرات هذا الاتجاه وإن كان لا يرضى عن أفكاره كثيرون آخرون من جوانب مختلفة، فإنه هو أيضاً يرى أنهم يحملون رماد السلف لا شعلتهم.

8 - كثيراً ما يواجهني الشباب المتحرق إلى التعاون والتآلف وتوحيد الجهود الإسلامية - وحتى الإنسانية - بسؤال ما السبيل إلى توحيد المسلمين أو العاملين للإسلام؟ إني قد أشرت في بعض كتبي أن الجواب التقليدي لهذا السؤال هو قولهم: بالعودة إلى الكتاب والسنة والسلف الصالح. لكن هذا الجواب لم يعد كافياً على وضعه التقليدي ولكي يصدق هذا الجواب ويكتسب فاعليته العملية لا بد من أن يكشف المسلمون وغير المسلمين منهجاً لفهم الكتاب والسنة وكل التراث الإنساني. وأنا أستبق الجواب المفصل إلى الجواب المقتضب، وأقول إن هذا المنهج منهج آيات الآفاق والأنفس. إن هذا المنهج هو الذي سيحدد معنى الكتاب ومعنى السنة، ومعنى فهم الناس لهما على مرّ التاريخ. ولقد ذكرت في أثناء ما أكتب إشارات ولمحات إلى أهمية آيات الآفاق والأنفس. وإنهما نوع من الوحي والأسلوب الذي يعلن به الله إرادته لخلقه، وهذا الأسلوب الجديد له ميزات جديدة أيضاً.

أرجو أن ينتبه القارئ إلى هذا الموضوع ويتتبع ويجمع شتات ما كتبت في هذا المجال، ويدرب نفسه على تذوق آيات الله في الآفاق والأنفس ومزاياهما، وإنهما طريقان لتحويل الدين إلى العلم والعالمية. وكلما صار شيء علماً صار عالمياً. وبما أن الإسلام يتضمن هذا النوع من الخطاب الرباني وهذا التضمن هو الذي جعله عالمياً، وهو عالمي من أساسه ونشأته الأولى (وما أرسلناك إلا كافة للناس).

إذن إن هذا المنهج هو الطريق الذي ستتوحد به المذاهب الإسلامية بل وسيتوحد به العالم (ولتعلمن نبأه بعد حين) (سورة ص / 88).

والمسلمون يطيرون فرحاً إذا رأوا شيئاً من آيات الآفاق والأنفس يدعم دينهم، ولكن الذي لا ينتبهون إليه بدقة هو أن آيات الآفاق والأنفس إذا صارت منهجاً محدد المعالم راسخ البنيان ثابت الأركان في أرضية آيات الكتاب، هناك يتحقق علم الله الموعود في تجاوز الفساد في الأرض، وسفك الدماء، والاهتداء إلى سبل السلام (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور) (المائدة / 16).

إن المراجع التقليدية لا تخرج من النتائج التقليدية. وكذلك التغيرات المرحلية تظل وقائعها مرحلية (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها) (البقرة / 144).

وعلم الفلك مثل واضح وقريب يف أن آيات الآفاق والأنفس توحد الفهم وتزيل النزاع والخصام، فبعد ن شهدت آيات الآفاق على علم الفلك، لم يعد هناك جدال ولا خصام وتوحد فهم العالم لسير الأرض والشمس والقمر والنجوم. ولم يعودوا يتطارحون النصوص في الشد والجذب والتضليل والتفكير. فهكذا إذا رأينا آيات الآفاق والأنفس وتمكنا من أن نريها لغيرنا فهناك يزول التدابر ويحل الوئام، ويتبين لهم أين موطن الحق (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق) (فصلت / 53).

ولقد حدث أن أبدى لي بعض الشباب بكل إخلاص تساؤلاتهم في أن الرسول صلى الله عليه وسلم، هل يمكن أن يترك الأمة بعده من غير أن يحدد من يقودهم ويرجعون إليه في مشكلاتهم...

وكان جوابي بالصدق والإخلاص نفسه، أني أريد أن أترك الأسلوب الذي تعودنا أن نبحث به هذا الموضوع من الرجوع إلى النصوص التي تتجاذبها طوائف المسلمين ويتجادلون في صحة ثبوتها أو دلالتها. وإني أشكركم أن السؤال طرح بشكل منطقي، لا بشكل نصوصي.

وأنا أقول لكم من غير أن أدعي إنهاء الموضوع وإعطاء الحكم الفصل فيه. بما أننا معشر المسلمين نحمل ديناً عالمياً ندعو العالم جميعاً إليه. هذا العالم الذي له تجاربه المضنية في هذه المواضيع بالذات. هل مما يناسب هذا العالم الذي ندعوه الآن أن نقول له: إن رسول الله  حدد مصدر معرفة الحق في شخص معين ومن سلالة معينة، وإن الذي يقود المسلمين يُعين وهو لا يزال طفلاً، أم أن نقول إن الأمر في الإسلام: (إن كرمكم عند الله أتقاكم)، وأن أولى الناس بولاية قضية أكفؤهم لها.

أنا لا أزعم أم مثل هذا الموضوع الذي له من العمر أجيالٌ كثيرة متطاولة - سواء في تاريخ المسلمين أو تاريخ البشر عامة - يُنهى بمثل هذا الكلام. ولكن فقط أريد أن ألقي ضوءاً على آيات الآفاق والأنفس يمكن أن تتدخل بكل موضوعية وحيادية لإلقاء أضواء كاشفة على مواضيع ظلت تبحث من منطلقات غابت عنها دلالة آيات الآفاق وتجارب الأمم وسنة الذين خلوا من قبل..

ومما يبعث على التفاؤل أننا لا نعدم اتجاهات سئمت الأسلوب التقليدي في بحث هذه المشكلات. ومهما كان عدد هؤلاء قليلاً وأصواتهم خافتة، وجهودهم مبعثرة، فإن المستقبل لهم، وآيات الآفاق والأنفس معهم، وهم الذين سيتمتعون بالقوامة بالقسط، والشهادة بالحق، ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين، أولئك هم الذين سيكونون على قدم صدق وسيزول ما في صدورهم من غل. ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم - نفسه يستخدم آيات الآفاق والأنفس ليحل المشكلة خارج النصوص. ولا مانع من التذكير بالحديث الذي أكرره كثيراً لما له من الدلالة والأهمية في هذا الموضوع موضوع آيات الآفاق والأنفس. وذلك الحديث الذي يترك فيه الرسول  الاحتجاج بسلطانه النبوي وسلطان ما أوحي إليه. ليتخذ آيات الآفاق والأنفس دليلاً وحجة لبيان موضوع معين وقع الجدال فيه مع صاحبه زياد بن لبيد.

(ذكر ابن كثير في تفسير سورة المائدة الآية 63 وصححه عن الإمام أحمد قال: ذكر النبي شيئاً فقال: وذاك عند ذهاب العلم، قلنا يا رسول الله: كيف يذهب العلم؟ ونحن قرأنا القرآن، ونقرئه أبناءنا. وأبناؤنا يقرئون أبناءهم. فقال: ثكلتك أمك يا ابن لبيد إنْ كنت لأراك من أفقه رجل في المدينة. أوليس هذه اليهود والنصارى بأيديهم التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء؟).

هنا يلجأ رسول الله ص إلى آيات الآفاق والأنفس ليحسم النزاع والجدال في آيات الكتاب، وإن آيات الكتاب قد تكف عن أدائها دور العلم في ظروف معينة، والرسول  هنا يستشهد بحدث تاريخي واقع أمام العالم جميعاً لا يمكن أن ينكره أحد. وهذه القوة لآيات الآفاق والأنفس أشرنا إليها قريباً حين قلنا إن دلالتها عالمية، وفوق العقائد الموروثة (الإيديولوجيات) ولم يحاول هنا رسول الله  أن يقول أنا رسول الله، ولا أنطق عن الهوى وعليك أن تسلم بما أقول ولا تجادل فيه. إن هذه الحادثة والحوار العجيب الذي دار في مطلع الحياة الإسلامية لعميق الدلالة، وسوف لا يكف عن عطاء ما يحتويه من منهج لا يزال يتألق على مر العصور في أهمية الوقائع في الآفاق والأنفس. وهذا ما أردنا أن نضعه أمام الشباب المسلم ليتأملوا فيه، ليس كحادث جزئي وإنما كمنهج، إلا أن محاولة الاستفادة من هذا المنهج يقتضي معرفة للأحداث وإحصاء لوقائع التاريخ وغربلة، وتدقيقاً لربط الأسباب بالنتائج، وليس مجرد رقية إذا تلوناها شفينا من أدوائنا الفكرية والجسدية كما يخيل إليهم.

الإسلام والعقل الاستدلالي

9 - قال إقبال في كتابه تجديد التفكير الديني في الإسلام: (إن نبي الإسلام يبدو أنه يقوم بين العالم القديم والعالم الحديث، فهو من العالم القديم باعتبار مصدر رسالته، وهو من العالم الحديث باعتبار الروح التي انطوت عليها. فللحياة في نظرة مصادر أخرى للمعرفة تلائم اتجاهها الجديد. ومولد الإسلام - كما أرجو أن أتمكن من إثباته لكم بعد قليل إثباتاً تطمئنون إليه - هو مولد العقل الاستدلالي. وإن النبوة في الإسلام لتبلغ كمالها الأخير في إدراك الحاجة إلى ختم النبوة نفسها. وهو أمر ينطوي على إدراكها العميق لاستحالة بقاء الوجود معتمداً إلى الأبد على مقود يقاد منه، وإن الإنسان لكي يحصل كمال معرفته لنفسه، ينبغي أن يترك ليعتمد في النهاية على وسائله هو.

إن أبطال الإسلام للرهبنة، ووراثة الملك، ومناشدة القرآن للعقل وللتجربة على الدوام، وإصراره على النظر في الكون، والوقوف على أخبار الأولين من مصادر المعرفة الإنسانية. كل ذلك صور مختلفة لفكرة ختم النبوة..

والحق أن القرآن يعد الأنفس والآفاق مصادر للمعرفة، فالذات الإلهية ترينا آياتها في أنفسنا وفي العالم الخارجي على السواء. ولهذا وجب على الإنسان أن يحكم على كفاية كل ناحية من نواحي التجربة في إفادة العلم. وعلى هذا ففكرة ختم النبوة ينبغي ألا يفهم منها أنها تفترض أن مصير الحياة في النهاية هو إحلال العقل محل الشعور إحلالاً كاملاً. فمثل هذا ليس ممكناً ولا مرغوباً، إنما قيمة هذه الفكرة من الناحية العقلية، هي في اتجاهها إلى خلق نزعة حرة في تمحيص الرياضة الصوفية، إذ تجعل الإنسان يعتقد أن كل سلطانٍ شخصٌ يزعم أن له أصلاً خارقاً للطبيعة، قد فات أوانه في تاريخ البشر. ومثل هذا الاعتقاد قوة سيكولوجية تحول دون نمو مثل هذا السلطان. وعمل هذه الفكرة هو أنه تفتح سبلاً جديدة للمعرفة في ميدان الرياضة الروحية عند الإنسان. والقول بأن الآيات الدالة على الذات الإلهية تتجلى في الأنفس، قد خلق روح النقد التقليدي لعلم الإنسان بالعالم الخارجي، ووطد أركانها بأن جرَّد قوى الطبيعة من الصبغة الإلهية التي أضفتها عليها الثقافات الأولى) (1).

ويمكن النظر إلى فكرة ختم النبوة من جانب آخر على أنها فكرة تعلن انتهاء الدورات الحضارية. فالحضارات كانت تسير وفق الدورات. أي تولد ضعيفة ثم تقوى وتشتد ثم تضعف وتزول، ولكن الحضارة ليست كالإنسان الفرد، يتعرض لتحلل حياته العضوية، ولكن الحضارة تحللها فكري نفسي، وهذا قابل للعلاج والزيادة والنمو، إذا عرف الإنسان سننه. ومثل ذلك الأرض الزراعية كانت تتكون سابقاً تلقائياً ثم تقد صلاحيتها، ولكن تدخل جهد الإنسان التسخيري الواعي، حوّل الأراضي غير الصالحة إلى صالحة، وجعل الصالحة تستمر في الصلاح، فهذا فرق بين ما يحدث تلقائياً، وبين ما يحدث تسخيرياً، وقال مالك بن نبي في هذا: « والأشياء تسير فعلاً كذلك إن تركت لشأنها أي تلقائياً». والعالم الإسلامي إنما خرج عن خط سيره لهذا السبب. ولكن بانتهاء النبوة وختمها فقد انتهت الدورات وأمسك الإنسان بسنن الحضارة، ليجعلها مستمرة، وهذا الموضوع تناوله توينبي بكثير من التردد، وقال قال عن هذا الموضوع، موضوع الدورة الحضارية «إن كل قانون يفرض على العقل نوعاً من الحتمية، تقيد تصرفه في حدود القانون.. » ثم يقرر « وبذلك تتغير وجهة النظر في سير التاريخ إذ أن المراحل التي تتقبل أو لا تتقبل التغيير حسب طبيعتها، تصبح مراحل قابلة كلها للتغيير لأن الحتمية المرتبطة بها، أصبحت اختياراً يتقرر في أعماق النفوس (1).

فمعنى ختم النبوة ختم الدورة الحضارية.

والميزة الأخرى لمحمد أنه للناس كافة، وهذه فيها فكرة عالمية الحضارة، وانتهاء زمن تعدد الحضارات، وإن كنا لا نزال نعيش دورة الحضارة وتعددها، إلا أن إرهاصات زوالها بدأت تبرز لمن تأمل. هذه حقائق تشير إليها آيات الآفاق والأنفس. ولكن لا ننتبه إليها بالقدر الكافي من الاهتمام، فالعالم بسير بخطىً حثيثة إلى العالمية يوماً بعد يوم، مدفوعاً غير مختار، والزبد يذهب جفاء، وما ينفع الناس سيبقى، وسيفهم الناس في المستقبل هذه الأمور تحت أشعة أضواء معينة وإن كانت الآن تحت غبار الأنقاض. هذه مؤشرات آيات الآفاق والأنفس.