الهجرة إلى الإسلام ـ حوار من أجل الأفضل والأسمى
من Jawdat Said
حول العالم الفكري لجودت سعيد |
بقلم: عبد الواحد علواني |
|---|
- إن الآخر ليس بآخر إلا بالقدر الذي نتصور به أنه آخر!
- والخلاف ليس بخلاف إلا بالقدر الذي نتصوره خلافاً.
متى تنطلق الكلمات خارج مخاوف المعنى؟ وكيف للمعنى أن يلتصق بالحياة ليتآلف مع حركتها نحو الأفضل والأسمى، محددا اتجاه السبل نحو هذه الآفاق،لا محددا السبل أو الآفاق. ذات يوم تلقى الباحث إبراهيم محمود رسالة من المفكر جودت سعيد، دون سابق معرفة، يشيد الأخير في رسالته بمقال نشر للأول في دورية عربية تحت عنوان ((المثقف العربي والعنف))، ويثني على تحليله لمشكلة العنف، فكانت الرسالة فاتحة عهد من التواصل غير المنظم (بحسب الظروف المتاحة)، إلى أن كانت فكرة كتاب يجمعهما على طاولة حوار. ولقيت الفكرة استحساناً من كليهما. ولاشك أن كلاً من الباحث إبراهيم محمود والمفكر جودت سعيد يمتلك نظاماً معرفياً، واليّات للبحث والتحليل، وتجربة طويلة، ولكل منهما وجهة نظر ومنهج يخصانه، ويتيمز بهما عن الآخر، إلا إن كلاً منهما ينطلق من مفهوم الحوار كما هو، وكما يجب أن يكون، إضافة إلى أن الدائرة الثقافية التي تجمعهما لغة واصطلاحا (ونقصد دائرة الثقافة العربية والإسلامية)، تجعل من حوارهما أكثر وأيسر. فهما يقوضان – بداية – دوافع الجمود والانكفاء على الذات، في سبيل تواصل إنساني إبداعي مميز لأنهما يدركان تماما أن اختلاف المنهج لا يلغي لغة التواصل، بل يغني هذه اللغة. فما الجديد الذي يبشر به هذا الكتاب.
الكتاب ثمرة جهود كبيرة بذلها كل من الكاتبين والدار الناشرة، ويبدو أن كلا الكاتبين وهو يدخل في دائرة هذا الحوار، كان يضع نصب عينيه تحقيق أكبر قدر ممكن من التفاعل مع الآخر، وهذا ما يجعل فكرة إعداد الكتاب وطرحه أهم من الأفكار المطروحة في متنه (على أهميتها الكبيرة). فمشروع لقائهما في كتاب يعني الكثير، إذ أن لقاء من هذا النوع فيه مسؤولية قصوى في الكلمة والمنهج، وربما يكون فيه اختراق للفكرة الساندة عن الحوار، إذ إن الحوار السائد الذي يجدر به أن يقارب الرؤى والغايات، لا يتجاوز- إلا نادراً - حدود المجاملة السطحية أو الادعاء الفكري دون أن يجسد هذا الادعاء أي سلوك أو تطبيق. وقد دخل الفكر الإنساني مرحلة متقدمة من تشكيل البنى الرئيسة وخرج من إطار المثاليات التي طالما حددته ضمن وجود مثالي غير مكتمل الأبعاد في الواقع، بل إن الفكر الإنساني تجاوز أبعاد الفراغ الثلاثة إلى البعد الحيوي (الزمن ). لذلك فإن مصداقية التجربة باتت أهم من مصداقية المرجع، دون أن تشكل هذه الأهمية طعناً في أهمية المرجع ومصداقيته. ومن الواقع المستجد للاختلاف... كمنهجية نحو الأفضل والأسمى، كان هذا الحوار، وهذه الدراسة، وهذا التعقيب. فكما يدفع هاجس ((الأفضل والأسمى)) الإنسانية للنظر إلى الاختلاف على أنه خير وسيلة لمعرفة مكتملة ومتكاملة ! فإن الاختلاف يكمل الائتلاف... أي إن المناهج المختلفة تتكامل لتقديم صورة أقرب إلى ((الأفضل والأسمى)) لأنها مختلفة أساسا، فالأمر لا يتعلق بشرعية الاختلاف، بل بالحرص كل الحرص على وجود الآخر المختلف ضمن كل مثاله وطموحه ((الأفضل والأسمى)). وفي هذا الكتاب المتميز في طرحة، ثمة محاولة رصينة لتأسيس أرضية صلبة للحوار الفاعل، الحوار الذي ينتقل من شكل الصراع إلى دور التفاعل والتمازج، فالرؤى الإنسانية تستمد رسوخها من تمازج الرؤى - وتفاعلها. وكلا الكاتبين ينطلق من مسلمة هي أن الآخر ليس بآخر إلا بالقدر الذي نتصور انه آخر، والاختلاف ليس بخلاف إلا بالقدر الذي نتصوره خلافا. يبدأ الكتاب بتقديم استهلالي، وأسئلة إشكالية تدل على تجربة المتسائل العميقة، يطرحها الباحث إبراهيم محمود على المفكر جودت سعيد، فيجيب علبها الأخير بإسهاب وهدوء لافتين، فيطرح رؤاه على إجاباته بطريقة تثير الإعجاب، طريقة نتمنى لها أن تنتشر في الأوساط الثقافية والعامة، إذ لا يضع تحديدات ملزمة، ولا يتبع أساليب سجالية، إنما يطرح ما يطرحه وهو على ثقة بأن النافع من حديثه باق لا ريب في ذلك، والزبد يذهب جفاء دون أدنى شك ودون أي أسف عليه. بل إنه في إجاباته يحرض القارئ على تجاوز إجاباته لا الوقوف عندها أبداً.
ثم يقوم الباحث إبراهيم محمود بجولة في فكر جودت سعيد من خلال حواره معه إضافة إلى قراءة دقيقة لأعماله الأساسية سنن تغيير النفس والمجتمع. ويختتم هذه الجولة بخلاصات ونتائج توضح موقفه الفكري من المفكر ونتاجه وأفكاره، وهو في دراسته يطرح رؤاه المقابلة وتقييمه ومقاييسه، فيتفاعل مع الأفكار بقدر فيه الكثير من الوضوح والتصريح. ثم يعقب الأستاذ جودت سعيد على هذه الدراسة والقراءات تعقيباً مكثفاً لا ليفند رؤى الباحث،إنما ليتواصل معها، وليدعو إلى انتهاج الحوار سبيلاً للخروج من المآزق الثقافية السائدة في ساحة تعج بالتناحرات والمشاجرات الثقافية - والفكرية والأيديولوجية. وفي الملحق رسالتان تبادلهما الباحث والمفكر في أول تعارفهما، - إضافة إلى المقال الذي سبق نشره أو كان سببا لتعارفهما (كما أسلفنا)، وهذا الملحق يضيء علاقة الباحث بالمفكر، كما يوضح جانبا – لا باس به من التفاعل الذي تبع تعارفهما. - وقد حرصت الدار الناشرة على إبقاء الكتاب مستقلا عن رؤيتها الخاصة، وذلك بتقديمها الكتاب عاريا من التصورات المسبقة، تاركة - للقارئ مهمة البحث والتمحيص والتمعن والحكم، ويبدو أن حاجتنا لكتب من هذا النوع حاجة ماسة، فالكتب التي تثير الأسئلة المطلوبة والكاشفة عن عمق الأزمة الحضارية كفيلة أن تمتع القارئ بتجربة شخصية تبلور رؤاه وتنسق أفكاره وترفع مستوى وعيه وثقافته. - ولاشك أن هذا الكتاب الصادر حديثاً، إضافة جديدة ومهمة إلى المكتبة العربية والإسلامية، بما يثيره من أسئلة حقيقية وبما يقدمه من رؤى تتفاعل وتتمازج وتتقارب وتتباين ضمن إطار تكاملي، لا إطار تفاضلي يهمش الرؤى ويقزمها. ولعل قراءة متأملة في هذا الكتاب تظهر ليس الأفكار المهمة الواردة في فيه فحسب، بل وتظهر أهمية الحوار التطبيقي الفاعل.