المرتبة الرابعة: التعليم بالقلم

من Jawdat Said

مراجعة ١١:٢٤، ٨ يناير ٢٠٠٨ بواسطة Admin (نقاش | مساهمات)

(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

اقرأ وربك الأكرم


Change.gif
لتحميل الكتاب
مقدمة
مدخل
الفصول
الفصل الأول، مراتب الوجود
المرتبة الثالثة:الوجود اللفظي
المرتبة الرابعة: التعليم بالقلم
المرتبة الخامسة: الوجود السنني
الفصل الثاني، العلم
دليل العلم
الموقف العلمي
العلم والتوحيد
الفصل الثالث، الأجنة القرآنية
سيروا في الأرض فانظروا
سنريهم آياتنا في الآفاق
سخر لكم ما في السموات
إن الذين آمنوا والذين هادوا
خاتمة



معنى التعليم بالقلم

مرتبة التعليم بالقلم، وهي تأليف رقوم تدرك بحاسة البصر، وتدل على الفظ، وهي الكتابة، فالكتابة تبع للفظ، واللفظ تبع للعلم - الصورة الذهنية - والعلم تبع للمعلوم؟ أي أن الصورة الذهنية تبع للحقيقة الخارجية.

اعتبرنا اللغة أو القدرة على وضع الأسماء، المقام الذي رفع الله آدم - عليه السلام - إليه حين علّمه الأسماء كلها؛ وهذا ما جعل الملائكة يعترفون بنقصان علمهم عنه، ومن هنا تطرق الخلل إلى حكمهم على آدم بأنه لا يستأهل خلافة الأرض، فهو يفسد فيها ويسفك الدماء.

والقدرة التي نتحدث عنها هي اللغة؛ أي نقل الأفكار والتجارب بالألفاظ والحديث. فحين وضع آدم الرموز اللفظية - الأسماء - للأشياء والأحداث، اعترفت الملائكة بنقصان علمهم.

الكتابة قدرة حديثة

فاللغة موغلة في القدم مئات الآلاف من السنين، وربما الملايين، بينما قدرة وضع الرموز الدالة على الألفاظ - الكتابة - متأخرة وحديثة في حياة البشر، لا تتعدى بضعة آلاف من السنين، واعتبر المؤرخون ظهور هذه القدرة عند الإنسان بدءاً للتاريخ. ومهما حاولنا أن نظهر أهمية هذه القدرة، فإننا لن نوفيها حقها.. إنها قدرة القراءة، قدرة القدرات وآية التكريم، ومظهر كرم الله (اقرأ وربك الأكرم) (العلق / 3)، إنها التعليم بالقلم.. إنها (ن. والقلم).. إنها الرمز، الأداة.. الرمز الخالد الباقي.. الرمز الذي يقي الإنسان من أن يلدغ من جحر مرتين حين يحسن استخدامه، فالإنسان يحمي نفسه من الشر بالاعتبار ولا يتم الاعتبار إلا بالرمز الذي يحفظ المثلات. وأكاد أن أقول: إن الكتابة تمنح الإنسان القدرة على اجتناب الخطأ الذي وقع فيه السابقون حين نقلت الكتابة خبراتهم، وسجلت أخطاءهم.

اقرأ يا إنسان باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، فصار قابلاً أن يتعلم بالقلم. اقرأ ورب الأكرم.

إن القراءة ينبوع العطاء.. ينبوع كل المكاسب.. ينبوع التسخير إلى الأفضل دائماً.. بـ نون والقلم وما يسطرون: دخل الإنسان عهداً جديداً، وبهذا أضيفت إلى الإنسان خزائن معلومات … أضيفت ذاكرة جديدة غير قابلة للعطب والنفاذ. واكتسب كرم الله الخلود والاستمرار … اقرأ وربك الأكرم … اقرأ … فإن من أعطاك القراءة قد أعطاك سلطاناً واستخداماً وتسخيراً، فيما له من عطاء، لمن تأمل، وتفكر، وتدبر.

تأمل الإنسان، والقدرة على القراءة والكتابة كامنة فيه، وقد عاش آلاف السنين محروماً من أن تبرز هذه القدرة الكامنة فيه إلى الواقع.. فسترى بذلك تأخر ظهور سلطان الإنسان، وظهور مقام: (سخر لكم) (إبراهيم / 32). (في علم المنطق يضربون المثل بالقدرة على الكتابة وذلك للتمييز بين القدرة الكامنة والقدرة التي ظهرت إلى الوجود. فيقولون: الإنسان كاتب بالقوة وإن لم يكن كاتباً بالفعل، أي أن فيه قوة تمكنه من أن يتعلم الكتابة وإن لم يكن كاتباً الآن،وبعد أن يتعلم الكتابة نقول: إنه كاتب بالفعل).

وحين كان بعض المسلمين يقولون - وهم يستمطرون رحمة الله - بسر (كاف ها يا عين صاد) لم يكونوا يدركون إلى أي درجة أنَّ رمز الرمز هذا كامنة فيه رحمة الله وكرمه، وعطاؤه الذي لا ينقطع. إن الحروف المقطعة في فواتح سور القرآن الكريم، تناولها المفسرون بما تيسر لهم، ولا يزالون يتناولونها.. وكل واحد من هؤلاء المفسرين قد رأى في هذه الفواتح السرّ الذي يناسبه وينسجم مع فكره وفهمه، وإني أرى أن سر القدرة على استخدام الرمز على مخلوقات الله كلها، مرتبط بالقراءة (اقرأ باسم ربك الذي خلق) فالقراءة رمز على المخلوقات المادية والمعنوية. وإن إمكان وضع الرمز على المخلوق، جعل الإنسان سيد المخلوقات ومسخِّرها. بالرمز أمسك الإنسان زمام الخلق - المخلوقات - وبالرمز قنص الإنسان المادة والمعنى، وجعلها طوع أمره (سخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه) (الجاثية / 13). ثم انتقل الإنسان من وضع الرمز اللفظي، إلى وضع الرمز على الرمز، أي وضع الحرف الذي يدل على الأصوات المختلفة.

إن وضع رمز على مخرج حرف معين، وجعل القراءة على هذا الأساس، نهاية لعصر الرموز بالصور على المعاني.

وكأن اللغة الصينية واليابانية لا تزالان في مرحلة متخلفة عن جعل الكتابة بالرموز على المقاطع الصوتية، وكأن اللغة الهروغلوفية كان بدؤها كذلك.

إن علمنا ببداية تعلم الإنسان إطلاق الألفاظ والأصوات على المخلوقات المادية أو المعنوية - أي نشوء اللغة - علم قليل قابل للزيادة، ولكن علمنا بوضع الصور الكتابية على الصور الذهنية - أي الكتابة - أكثر، سواء كان الرمز صوراً للألفاظ أو صوراً للمخلوقات - الحقائق الخارجية - ويستخدم هذا النوع من الرمز الآن في إشارات المرور وإشارات الفنادق والمطاعم لتأخذ معنى العالمية.

العلم والرمز

إنني أطيل البحث في شيء لا يبدو متصلاً بتعريف العلم، أو بمعنى العلم كما يظهر لأول وهلة، ولكن إدراكي لمعنى العلم، يجعلني مضطراً لبحث هذا الرمز؛ لأن الرمز، وقدرة الإنسان على حبس المعنى في الرمز، وإبراز هذه القدرة إلى الواقع، أعطى الخلود للعلم. لقد كانت التجارب تضيع ويعاني الإنسان دفع الأثمان الغالية، بإعادة التجارب التي كانت تموت مع من قام بها، إذ لم يكن في الإمكان توريثها للخلف بشكل دقيق. وإن تغلب الوثنيات على الأديان السابقة للإسلام وانحراف هذه الأديان عن مبدأ الوحدانية، راجع في الدرجة الأولى إلى أن تعاليم تلك الأديان لم تسجل في حينها، وإن قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر / 9)، والتنفيذ العملي من الرسول الأمي  في الأمر بتسجيل الآيات فور نزولها، وما يعرف في السيرة النبوية وتاريخ القرآن بكتّاب الوحي، دليل على تسجيل الأحداث بالرموز، التي تعطي معنى الخلود: (وإنا له لحافظون)؛ موضوع التوثيق والوثائقية. فمن هنا كانت ميزة ومكانة القرآن في تاريخ الأديان.

إن الرمز بالقلم، جعل العلم خالداً، وحصَّنه من التحريف، والضياع والنسيان، لهذا وصف القرآن السابقين بأنهم: (فنسوا حظاً مما ذكروا به) (المائدة / 14)، حيث لم يكن التسجيل فور نزول الأحداث، وكان ها سبباً لإغراء العداوات والبغضاء بينهم، بسبب قلة البيان. إن البيان يحدث برد اليقين الذي يزيل الأحقاد، فبالعلم تزال الأحقاد وأسباب النزاع في العالم.

قصر عهد الكتابة

إن آثار الإنسان قبل الكتابة موغلة في القدم آلاف آلافٍ من السنن، ولكن عهد الكتابة قصير في تاريخ الإنسان يرجع إلى بضعة آلاف فقط، وإن هذا العهد القصير حافل بتقدم الإنسان، بتقدم العلم، بتقدم التسخير، بتراكم المعلومات، بتراكم الرموز على الخلق. (اقرأ باسم ربك الذي خلق).

إن التاريخ من آدم إلى النبوات الكتابية تاريخ غامض، لأنه تاريخ قبل عهد الكتابة، ولكن النور المسلط على نبوات عهد الكتابة أكبر مع قصر المدة، إن صحف إبراهيم وموسى - عليهما السلام - لا ترجع إلى أكثر من خمسة آلاف عام وإن المدة من آدم إلى إبراهيم - عليهما السلام - آلاف آلاف من السنين، بينما الفترة الزمنية من إبراهيم - عليه السلام - إلى الآن وجيزة بالنسبة للتاريخ وبالنسبة لأيام الله. وإن إقبالاً حين قال: (الزمن حال الإنسان، وليس دورة الفلك) ربما كان يقصد أن حال الإنسان من السلطان والتسخير خلال هذه الفترة القصيرة جعل لها القيمة الكبيرة، بينما دورات للفلك بالملايين غابت في الظلمات (وكأنَّ قوله تعالى « هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً » تلميح لهذا العهد)، وإذا كان عمر السكين ستة آلاف سنة فقط - حسب الآثار المتوفرة - فإن العهد من السكين إلى القمر الصناعي عهد ضئيل بالنسبة لدورات الفلك والأرقام الفلكية.

إنني حين أذكر هذه الأشياء، كأنني أبحث أساس العلم، وتاريخه ومعايشته، ومعاصرته، وكيف كسب العلم الخلود. إن الله حين يقول لنا: (سيروا في الأرض فانظروا بدأ الخلق) (العنكبوت / 20)، يضعنا على طريق العلم الحقيقي. إن معرفة جزء ضئيل من تاريخ العلم كمعرفة جزء ضئيل من تاريخ إنسان معين، لا تعطي معلومات كافية عنه. إن العلم الذي يغفل عن التطلع إلى كيف بدأ خلق المخلوقات المادية والمعنوية، لا يخلو من الأوهام والأهواء، فيكون مشتبهاً بالخرافات. وكم أشكو في العالم الإسلامي والعالم المعاصر عامة من اختلاط العلم بالأوهام والأهواء، أي الظنون والرغبات. إن العلم لا يتحرر من الأوهام والأهواء، إلا إذا حُصن بإدراك كيف بدأ الخلق: مادة ومعنى، طبيعة واجتماعاً، آفاقاً وأنفساً. وبدخول قدرة القراءة إلى عالم الإنسان، اكتسب الإنسان سلطاناً جديداً، واستأهل الخلافة، وملك قدرة وأداة للقضاء على الفساد والسفك. إن تذوق وإدراك أهمية القراءة في حياة البشر، وإدراك ما أعطي الإنسان من خير وبركة وسلطان ينفذ به من آفاقه المحدودة، إن هذا التذوق والإدراك التاريخي - أي كيف دخلت هذه القوة إلى حياة الإنسان الذي كان خالياً منها - يحمل على التأمل ويفتح آفاقاً جديدة أمام الإنسان وقدراته على حل المشكلات، وإمساك زمام سلطان التسخير لما خلق له.

أمية النبي رمز لأهمية القراءة

إن أهمية القراءة تبدو في معجزة النبي الأمي، فكون خاتم النبيين أمياً إشارة إلى أن أحداً من الناس بعد خاتم النبيين لن يكون مصلحاً وهادياً في الناس بدون قراءة، وبخاتم النبيين النبي الأمي محمد ، خُتم عهد الأمية، وفُتح عهد القراءة في الحياة البشرية.

بالقراءة يمكن اختزال التاريخ، بالقراءة يمكن أن يختزل الإنسان عصور المعرفة والتجارب. إن الفرق بين الإنسان الذي يولد في مجتمع القراءة والكتابة، وبين من ولد قبل ذلك العهد، أن إنسان عهد القراءة قادر على حيازة تجارب آلاف السنين لآلاف البشر. فبالقراءة يمتلك الإنسان طاقة مختزلة مركزة مليئة بالعلم، مختزلة في حجم إنسان اختزل حجم آلاف السنين في عمر إنسان واحد.

إن المسلم يحترم ويقدس الكتابة، ومازلنا نشاهد بقايا نوع من الناس يرفعون القصاصات عن قارعة الطريق، ولا يعون جيداً القدسية المعنية الموجودة في الكتابة، والحرف، والخط والقلم، والرقّ المنشور. إن هذا الجلل وهذه القدسية، وهذه الكرامة، وهذا العطاء غير الممنون للإنسان، يمكن أن يفهمه بشكل واضح جداً كل من أدرك وظيفة القراءة، وما يمكن أن تعطيه للإنسان لبلوغ منزلة أحسن تقويم.

لقد اختُزل العلم باستخدام الرمز - الخط بالقلم - (ن. والقلم وما يسطرون) (القلم / 2). وإن وضع المعاجم والموسوعات ودوائر المعارف.. قد رفع من معنى قدرة الرمز وأعطاه فاعلية وكفاءة وسرعة، وبذلك تمكن الإنسان من مراجعة ما يريده بسهولة ويسر، سواء في معرفة الأسماء، أو التاريخ، أو شتى الحقائق.. ومثل ذلك الآلات الحاسبة وبنوك المعلومات، فهي في حقيقتها استمرار لاختزال المعلومات وتقديمها بسرعة، وهذه إحدى نعم الله الكبرى التي ارتبطت بالقلم والكتابة (ن. والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون) (القلم / 2-3) وإن الذين يتعاملون مع آيات الآفاق والأنفس، ويستغلون الرموز التي تتحول بسرعة إلى حقائق ومعطيات علمية.. هم الذين يتسخر لهم ما في السماوات والأرض.

مشكلة الأمية

إن مشكلة الأمية، وما يخسره الإنسان بفقدانه القراءة والكتابة، شيء لا يعوض، وإن البلدان التي تعاني من الأمية تعاني من نقص في فاعلية الإنسان. إن الإنسان الأمي منزوع منه الشريان الذي يمده بالسلطان، لأنه مفصول عن تجارب البشر، بل يمكن القول: إنه غير قابل أن يبلغ الرشد.

إن الصلة بالكتاب تغير من سحنة الإنسان، ومن توتر عضلاته، وسمات وجهه، والذين يفقدون الصلة بالكتاب يفقدون السلطان (كأنهم خشب مسندة) (المنافقون / 4) ذلك أن بلوغ مرحلة التقويم الحسن للإنسان التي تفضَّل الله بها، لا يتم إلا عن طريق الصلة بالكتاب. فيا أيها الإنسان أن ربك الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك.. إن ربك الكريم رفع من قدرك، ومن خلقك ومن تسويتك، وتعديلك، غير من شأنك بالقلم والكتاب (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (الزمر / 9).

تسخير قدرة القراءة

إن حل مشكلات الإنسانية، ونفي تهمة الملائكة لبني آدم، وإخراج الإنسان من الفساد والسفك … لا يتم إلا بالتسخير الحق لقدرة القراءة.

إن التسخير الحق لقدرة القراءة، يجعل الإنسان يطير بجناح القراءة، ويتغلب على المشكلات. لا يغرنك شيوع الفساد والسفك في العالم. إن إنساناً أدرك كيف بدأ خلقه وكيف وصل إلى ما وصل إليه، وتجاوز ما تجاوز، سيعلم كيف سيصل إلى ما لم يصل إليه بعد، وكيف يتجاوز العقبات التي أمامه، كما تجاوز العقبات التي خلفها.

إن الكاتب، والقارئ، والطابع والكتاب.. إن كم وكيف كلٍ من هذه الأمور هي التي تعطي للمجتمع صورته التاريخية ومركزه بين معاصريه.. إن هذا الكم والكيف مؤشر صادق لعدالة الصورة والخلق المسواة، والرصيد من الحق.

إن الاستخلاف في الأرض هو لمن يقوم بهذا النسك أفضل قيام، إن من يقوم بهذا النسك على أحسن وجه يكون حظه أوفر من موجبات استخلاف آدم في الأرض.

تحول النعمة إلى نقمة

كيف تتحول النعمة إلى نقمة؟

إن من يراقب الطفل كيف ينمو ليتمكن من القعود، ثم الوقوف ثم المشي، يجد سنة الله في التدرج، ويجد أن الطفل الذي يمشي، يتعثر أول الأمر ويسقط.. حتى تقوى عضلاته. إن وقوعه أمر متوقع، ولكن غير المتوقع أن يظل يسقط دون أن يتحسن في نموه.

إن عثرة الطفل السليم غير عثرة المشلول. وإذا كان هذا الأمر واضحاً في مستوى الطفل ونموه. فإن الأمور تشتبه كثيراً في نمو المجتمعات وتطورها.. وخاصة حين لا يبحث الإنسان في الأسباب التي تؤدي إلى تكرار تعثره وسقوطه وعدم سيره سوياً على صراط مستقيم، وهذه أمور يدركها من يعلم مسارات التاريخ، ويبصر بعمق وإدراك عثرات المسافرين.

إن نعمة القراءة من أجلِّ النعم، ولكن يمكن أن تتحول عند قوم معينين أو في عصر معين، إلى ما يشبه النقمة، فإن كان من شأن القراءة أن تسارع في النمو، فقط تكون عند قوم وفي عصر مُعين، إبطاء للنمو لسوء التعامل معها، كما يمكن أن يكون الربيع سبباً للهلاك بالتخمة عند مخلوق معين، كما ورد في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حذر المسلمين من أن تفتح عليهم الدنيا فيتنافسوها كما تنافسها من قبلهم، فتهلكهم كما أهلكت من قبلهم. سأله سائل يا رسول الله: وهل يأتي الخير بالشر؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أما إنه لا يأتي الخير بالشر، ولكن إنّ مما يُنبتُ الربيعُ ما يقتلُ حَبَطاً أو يُلم » (البخاري كتاب الجهاد). إن الربيع خير، ولكن يكون شراً لبعض الحيوانات، وهكذا كل نعمة يمكن في ظروف معينة، أن تؤدي إلى نقمة أو عثرة.

إن القراءة والكتابة، نعمة مستمرة دائمة متواصلة، بها لا بغيرها تزهو الحياة، وتنمو الكفاءات، والقدرات، ولكن قد تستخدم هذه النعمة أحياناً، استخداماً سيئاً يؤدي للعطالة وخمود الحياة، مثل استخدام المسلمين سرَّ (كاف، ها، يا، عين، صاد). فبدل أن يستخدم ليكون وسيلة لمعرفة التجارب البشرية، وكيف بدأ الله الخلق، صار سرّ (كهيعص) تميمة لدعوة ملوك الجان الأحمر والأزرق، لفك السحر، أو تركيبه. كما أن تقديسهم لـ (ن والقلم) تحول إلى جمع قصاصات الأوراق من الطرقات، بدل الاطلاع بسرّ (نون والقلم) على تجارب المجتمعات والحضارات، ومعرفة كيف بدأ الخلق لرؤية سنن الله التي لا تتغير ولا تتبدل، ولرؤية قردة الإنسان على تقرير مصيره (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد / 11) والإمام الغزالي حين قال: (من طلب المعاني من الألفاظ ضاع وهلك وكان كمن استدبر الغرب وهو يطلبه)، كان يستشعر بوضوح وظيفة اللفظ ومكانة الرمز، ولم يكن من قصده أن القراءة والألفاظ الدالة على المعاني لا تؤدي وظيفة ولكن كان يقصد أن من فقد الصلة بالوجود الخارجي - بالآفاق والأنفس، أي بالموضوع الذي وُضع عليه الرمز - فإن الرمز لا يفيده شيئاً، ويكون جديراً بأن يوصف بأنه ضاع وهلك، وكان كمن استدبر المغرب وهو يطلبه.

وأذكر بعض التجارب التي عايشتها حين كنت طالباً ثم مجنداً، تتصل بهذا الموضوع. لقد كانت بعض أساتذتي المخلصين الطيبين بعبارات كتب الفقه وشروح الحديث، صلة الوقوف عند الألفاظ، والتهيب الشديد لرؤية القداسة في كلام الشراح، ثم رأيت وأنا مجند الموقف نفسه حين يختلف المدربون في شرح وظيفة سلاح ما، فقد كانوا ينظرون إلى الكراس المترجم بنفس القداسة. إن هذين الموقفين متشابهان إذ لم يكن التعامل الواقعي هو الذي يحدد ما ينبغي أن يقال في الموضوع، وإنما كان تقديس الأشخاص، وآرائهم المكتوبة هي التي تحدد الموقف.

عالم الأشخاص

إن تقديس الأشخاص وآرائهم المكتوبة، كان يحول لا شعورياً، دون التعامل مع الوقائع الخارجية، للتحقق من صحة هذه الآراء. فالذين يقدسون أرسطو - مثلاً - تجمدوا على رأيه في سقوط الأجسام، ولم يخطر لهم أن يتثبتوا من صحة أقواله، بينما كان جاليلو يميل إلى إمتاع نفسه، بتدبير مواقف تُبدي زملاءه في مظهر الحمقى، إذ كان الأساتذة يقررون أن الذي زنته عشرة أرطال، أسرع في السقوط من الذي زنته رطل واحد بعشر مرات، فأخذ جرمين مختلفي الوزن وقعد على برج بيزا على طريق الأساتذة وعند مرورهم أسقطهما فوصلا معاً تقريباً.

لقد ظل رأي أرسطو سائداً في سقوط الأجسام مدة ألفي سنة دون أن يتحمل أحد مشقة التثبت من صحته. فكان التفكير في التثبت أمراً جديداً أو تطاولاً وتكذيباً للثقات وعملاً مرذولاً، فحين كان جاليلو يمتحن قول أرسطو في سقوط الأجسام الأثقل وزناً من نوع واحد بسرعة أكثر وحين قال جاليلو: يسقط مسمار كبير وآخر صغير فيصلان معاً بسرعة واحدة، كان الأساتذة يسخرون منه لأنه يحاول إظهار خطأ أرسطو (يا للوقاحة والكبرياء) (أنظر كتاب النظرة العلمية، راسل، ص 13).

ومن هذا القبيل ما يذكره ول ديورانت في قصة الحضارة: (في سنة 1541م. اشتراك فيساليوس مع آخرين في نشر طبعة جديدة من النص اليوناني لجالينوس، وقد أدهشته أخطاء ندَّت عن جالينوس وكانت خليقة بأن يدحضها أبسط تشريح لجسم الإنسان، كقوله مثلاً: « إن الفك السفلي قسمان.. » وهذا يدل على أن جالينوس لم يشرح قط آدميين بل حيوانات، وشعر أنه قد حان الوقت لمراجعة علم تشريح الإنسان بتشريح الآدميين.

وقال دوبوا: « إن جالينوس لم يخطئ، ولكن جسم الإنسان عراه تغيير من عهد جالينوس.. » ثم قال ول ديورانت بعد ذلك: «لم يكن لشهادة الحواس كبير وزن أمام كلمة جالينوس وابن سينا، لا بل إن فيساليوس نفسه قال عندما ناقض تشريحه رأي جالينوس: «لم أكد أصدق عيني»، وكانت طبعات وترجمات جالينوس تثبط القيام بالتجارب الجديدة). (أنظر كتاب قصة الحضارة، الجزء السادس من المجلد السادس أو الجزء 27 ص 154، 157).

والخلاصة، أن القراءة والكتابة نعمة، وهي الطريق الأساسية للنمو والتقدم للإنسانية، ولكنها تؤدي إلى الجمود والركود، وتقف عائقاً في سبيل التقدم، حين تستخدم استخداماً سيئاً.

الكتاب صورة ذهنية

إن جميع المؤلفات ما هي إلا صورة لمؤلفيها، لأن الكتاب إنما يدور حول موضوع معين له وجود خارجي سواء كان عن الطبيعة أو الإنسان. ولذلك فإن المتعامل مع الحقائق الخارجية يصحح ويزيد من إدراكه لها. وعلى هذا الأساس يجب أن يتم النظر إلى الكتاب والتعامل معه ليزول ما يمكن أن يؤدي إليه من دعم الخطأ والاستمرار عليه. ومن أدرك هذا جيداً فإنه لا يتعامل مع الكتب على أساس القدسية لها، بل تصير الكتب إشارات وعلامات تدل على مقدار ما توصل إليه تصور إنسان يوماً، وبذلك تحمل الكتب المعنى الإيجابي ولا تقوم بدور التعطيل للبحث في الوجود الخارجي.

والإنسان بتوسعه في القراءة يكتسب موقفاً إيجابياً فيضع الكتاب في مكانه المناسب ويعترف بالجانب المقدس منه لأن الكتاب جعل الإنسانية كائناً واحداً خالداً، واختزل التاريخ، وقدم للبشر التجارب التي عانى منها الإنسان آلاف السنين في لحظات موجزة … فكأن الخلف - بهذا - يعيش مع السلف. فالذي يدرس جيداً تاريخ الفراعنة - مثلاً - ويتخصص فيه، ربما يدرك من أمر هذه الحضارة ما لم يدركه من عاصرها وعاش فيها. كما أن عمر الفرد صار بالكتاب طويلاً لا ينتهي بوفاته، بل ويمتد في الماضي إلى العمق السحيق، وصارت كل التجارب الماضية ملك يديه …

وحين ينظر إلى الكتاب على هذا الأساس، يخرج الإنسان من عالم الأشخاص إلى عالم الأفكار، أي من الصور الذهنية إلى الحقائق الخارجية.

إن ما يسمى مرحلة توقف الاجتهاد أو عصور التقليد في العالم الإسلامي هو الانتقال من عالم الأفكار إلى عالم الأشخاص، من عالم الحقائق الخارجية إلى الصور الذهنية، هو الانتقال من المعنى الإيجابي للكتاب إلى المعنى السلبي له.

إجراء التصحيح

وليؤدي الكتاب دوره، لابد أن تزول عنه الصور الذهنية الخاطئة، فالكلام الطويل الذي لا يمكن تحقيقه في الوقائع الخارجية تضييع للأوقات وإبعاد للأهداف، فلابد من القيام بعمليات اختزال واختصار وتبسيط.. وهي مهمة كبيرة على العالم جميعاً التنافس فيها لحماية الأجيال.. فمعرفة تاريخ علوم الكيمياء والفلك والكب وسواها … يُكتفى فيها بالإشارة إلى نماذج فقط، لنعرف كيف بدأ خلقها ونموها لنصل بها إلى درجة التسخير … بحيث يكون فهم الماضي سبباً لفهم الحاضر والتنبؤ بالمستقبل.

إن الجراثيم - مثلاً - كانت تفتك بأجسام البشر وهي في حصن مظلم لا تطاله أعين البشر ولا أيديهم لتؤثر عليها، ولكن بعد أن كشفت أسباب العدوى والتعقيم والتطعيم … توقفت الأوبئة عند حدِّها.

كذلك اليوم نرى الأمراض الاجتماعية التي تفتك بالبشر فيسفك بعضهم دماء بعض … فحين نكشف أسباب هذا الدمار الذي يقوم به الناس ضد بعضهم ونكشف هذه الجراثيم أو المفاهيم التي تحمل الناس على أن يذيق بعضهم بأس بعض كما كانت الجراثيم تفتك بهم، فإننا نقي المجتمع من الدمار والهلاك. فعلم الثقافة وعلم السلوك البشري شبيه بعلم الجراثيم قبل كشف الوسائل التي أظهرت للعيان الجراثيم وأثرها.

فكما تمكن الإنسان من معرفة تاريخ الأوبئة والجراثيم، وكيف كانت تفتك في صحة البشر.. فيمكننا اليوم نقل هذه المعرفة التاريخية إلى معرفة أسباب سلوك البشر التي تفتك بالناس وتُغري بينهم العداوة والبغضاء. إن كشف أسباب أحقادنا وعداوتنا وجهلنا بوسائل التغيير، وجهلنا بالماضي وعدم استفادتنا وقدرتنا على القياس والاعتبار، إن كشف كل ذلك، يشير إلى بداية تذوقنا كنه العلم وشم نكهة الفهم والإحساس ببرد اليقين.. وهذا ما أشار إليه الإمام الغزالي بقوله: « لو أصغى المعتقد إلى المشكك لوجد لنقيض معتقده مجالاً في نفسه، والعالم لا يجد ذلك أصلاً وإن أصغى إلى الشبه المشككة.. وبعد هذا التقسيم يكاد يكون العلم مرتسماً في النفس بمعناه وحقيقته من غير تكلف تحديد ».

وهذه الحصانة التي عند العالم نتيجة لإجرائه التصحيح بتعامله مع الحقائق الخارجية، لا بمجرد وقوفه عند حرفية النص.

وهذا التذوق والإحساس لكُنه العلم هو الذي جعل جورج. أ. لندبرغ يقول عن العلم: (إن مجرد توفر المعرفة العلمية وعادات التفكير العلمي.. يبعث في نفوسنا الراحة في عالم مليء بالمخاوف والانفعالات وغير ذلك من المشاعر التي تبدد الطاقة وتهدر الجهد، فالمعرفة العلمية تشكل ضرباً من الصحة العقلية) (أنظر كتاب هل ينقذنا العلم، ص 10). فما يقول عنه الغزالي: (الشبه المشككة) هو ما يقول عنه لندبرغ: (المخاوف والانفعالات).

وما يقول عنه الغزالي (والعالم لا يجد ذلك أصلاً) هو ما يقول عنه لندبرغ: (التفكير العلمي يبعث في نفوسنا الراحة وهو ضرب من الصحة العقلية).

إن عدم القدرة على الانتقال من معرفة ما حدث في تاريخ الصحة الجسدية من كشوف وحماية أرواح، إلى ما يمكن أن يحدث في تاريخ الصحة النفسية والعقلية والمعرفية من كشوف وحماية أرواح من النزاعات البشرية الجاهلية. إن عدم القدرة هذا العقبة التي تحول دون تعميم معنى العلم في العالم شماله وجنوبه وغربه وشرقه، فهم يرون أن هناك أموراً لا تخضع للعلم بل ولا يمكن أن تدخل في مجال العلم. وفرق كبير بين من يفهم أمراً - مثل الروح - ليس مجال العلم، وبين من يفهم أنه مجال للعلم، ولكن ما يزال العلم فيه قليلاً، والعلم قابل للزيادة، (ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي ومنا أوتيتم من العلم إلا قليلاً) (الإسراء / 85).

وقد عقد لندبرغ في كتابه (هل ينقذنا العلم) فصلاً مهماً في هذا الموضوع وقال: (إن المنهج العلمي في التفكير لم يحرز بعد تقدماً يذكر، إذ لا نكاد نجد أحداً يواجه المشكلات الاجتماعية اليوم بروح علمية مجردة، أما القول بأن هذه المشكلات قد تُحل إذا كان لها أن تحل بواسطة أجهزة دقيقة لا ينتابها الخوف أو الغضب أو حتى الحب، فهو أمر يبدو أنه لم يخطر ببال أحد حتى الكثيرين من الذين يعتبرون علماء غي العلوم الاجتماعية) (أنظر كتاب هل ينقذنا العلم، ص 36).

السلوك البشري ودائرة العلم

ومن أسباب جعل السلوك البشري خارج العلم وخارج السيطرة عليه وخارج التسخير وخارج السنن أمران:

أولاً: فهم العقيدة الدينية فهماً خاطئاً

وهو أن الله يفعل ما يشاء (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) (الإنسان / 30). إن تاريخ النزاع طويل بين الذين يرون الجبرية في سلوك البشر وبين من يرون الإنسان مخيراً في سلوكه، بين من يرى الإنسان مجبراً رغم أنفه على ما قضاه الله وقدره ولا قدرة له على الخروج منه، وبين من يرى أن الله يغير ما به إن هو غبّر ما بنفسه. بل إن البعض يقول: إننا لا نعرف قضاء الله وقدره، إذاً لا دخل لنا في مصائر الناس وسلوكهم الذي يرجع إلى الإرادة الطليقة لله رب العالمين، إلى ما هنالك من أقوال تدل على الغموض والاشتباه وظلام الرؤية. إن مشيئة الله لا تسلب البشر قدرتهم على التغيير وضع مصائرهم، بل مشيئة الله: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد / 11)، وإن مصائرهم بيدهم (تفصيل هذا في كتاب حتى يغيروا ما بأنفسهم) وليس هنا مكان تفصيل ذلك ولكن أردنا التنبيه إلى أن هذا لاعتقاد والنظر الذي يسلب الإنسان الاختيار والقدرة على تقرير المصير، يجعل الإنسان ومصيره غير خاضع للعلم والتسخير والتنبؤ.

ثانياً: التاريخ المظلم والإلف الطويل

والسبب الثاني الذي جعل السلوك البشري خارج نطاق العلم والتنبؤ والتسخير، يرجع إلى التاريخ المظلم والإلف الطويل الذي عاشه الناس، وهم لا يرون بصيصاً من الأمل في السيطرة على سلوك الإنسان وإدراك السنن فيه. وهنا - مرة أخرى - يفيدنا تاريخ العلوم الطبيعية في توضيح كيف عاش الناس طويلاً في الظلمات وألفوها، وهم لا علم عندهم ولا سيطرة ولا تنبؤ.. فهذا التاريخ الطويل في الظلام جعل الناس أيضاً ينكرون يوماً ما ولا يصدقون دخول العلم مجال الفلك والكيمياء والطب، ولكن تعلم الإنسان شيئاً فشيئاً حتى أصبح يرى هذه الأمور حقائق لا يناقش بصحتها. وهذا الشيء نفسه يطبق على علم السلوك البشري.. وسيأتي وقت يصبح فيه علم الاجتماع والعمران - أو السلوك البشري - علماً خاضعاً للسنن وقابلاً للتسخير ومجالاً في تخفيف الآصار والأغلال التي حملها الإنسان لأنه كان ظلوماً جهولاً. وهنا لابد من إعادة التنبيه إلى أن الجهل البسيط غير الجهل المركب، فقديماً كانوا يقولون: الجاهل الذي يعلم أنه جاهل هو جاهل بسيط، ولكن الجاهل الذي لا يعلم أنه جاهل فهو جاهل مركب.

معرفة بدء الخلق

وكذلك يمكن القول: إن جهل الموقف العلمي، وجهل المعرفة بتاريخ بدء الخلق، يجعل الإنسان في موقف الجاهل المركب، حيث يزعم أن العلم لن يزداد، وأن الإنسان لن يقدر أن يبسط سلطانه وتسخيره إلا على ما وصل إليه، وهذا الموقف يدل على عدم تذوق العلم أو إدراك تاريخه الطويل الذي قطع الإنسان فيه مراحل حين خرج من حياة الصيد إلى الرعي ثم الزراعة. إن تقسيم تاريخ البشر إلى عصور حجرية قديمة وحديثة وعصر البرونز والحديد.. كل ذلك يدل على، كيف بدأ خلق العلم، وخلق السيطرة والتسخير. ففي القرآن الكريم: (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض) (الجاثية / 13)، وفي التوراة: (أخضعوها وتسلطوا) (سفر التكوين إصحاح أول فقرة 28).

إن معرفة تاريخ العلم ضرورية (كيف بدأ الخلق) ليقف الإنسان الموقف العلمي حتى من الذي يجهله. ليس المشكل أن نجهل شيئاً ما، وغنما المشكل أن لا نقف من الجهل موقفاً علمياً بل موقف الجاهل جهلاً مركباً.

وقد تآزر الفهم الخاطئ للعقيدة الدينية والفهم الخاطئ للموقف العلمي؛ في اعتبار علم الاجتماع والعمران خارجاً عن العلم وأنه غير قابل للدخول إلى مجال العلم.

إن الاهتمام الخاص الذي يوليه القرآن لعلم السلوك البشري يجعله في مركز الصدارة للعلم، فكما يلح القرآن على النظر إلى الشمس والقمر والنجوم والكواكب والجبال والأنهار والنبات والدواب، يلح أكثر على النظر إلى سلوك الأمم وسنن الذين خلوا من قبل والاعتبار والاستفادة من كشف الأسباب والنتائج في التاريخ لتجنب الخطأ والإمساك بالصواب.

المرتبة الخامسة: الوجود السنني

اُنقر الرابط التالي لقراءة الصفحة الكاملة لمرتبة الوجود الخامسة

ذكرت أن الإمام الغزالي وشيخ الإسلام ابن تيمية قسما مراتب الوجود إلى أربع، وذكرت تفصيل كل مرتبة، إلا أنه يبدو لي أن هناك مرتبة خامسة للوجود هي الوجود السنني.

يقال - أحياناً - إن هذا الذي نسميه جمال الطبيعة، من ضياء الشمس وزرقة السماء وحمرة الشفق وخضرة النبات، لا وجود لها في الخارج، وإنما الموجود في الخارج موجات ضوئية فقط، والإنسان هو الذي يفسرها. فدماغ الإنسان لا يفسر مظاهر الطبيعة كأرقام فقط - كأن يقول: إن يفسرها بشكل آخر بأن يضفي عليها جمالاً، فيفهم الرقم كصورة، وهو نوع من التحويل والترميز. لهذا يقولون في المنطق: إن اللون عَرَض وليس جوهراً، ولكن يمكن أن يقال عن الجوهر أيضاً - طول الموجة في مثالنا السابق - مثلاً - إنه عَرَضٌ للسنة؛ أي للقانون الذي يخضع له الموجود.