المرتبة الخامسة: الوجود السنني

من Jawdat Said

مراجعة ١٠:١٨، ٢٢ مايو ٢٠٠٨ بواسطة Admin (نقاش | مساهمات)

(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

اقرأ وربك الأكرم


Change.gif
لتحميل الكتاب
مقدمة
مدخل
الفصول
الفصل الأول، مراتب الوجود
المرتبة الثالثة:الوجود اللفظي
المرتبة الرابعة: التعليم بالقلم
المرتبة الخامسة: الوجود السنني
الفصل الثاني، العلم
دليل العلم
الموقف العلمي
العلم والتوحيد
الفصل الثالث، الأجنة القرآنية
سيروا في الأرض فانظروا
سنريهم آياتنا في الآفاق
سخر لكم ما في السموات
إن الذين آمنوا والذين هادوا
خاتمة



ذكرت أن الإمام الغزالي وشيخ الإسلام ابن تيمية قسما مراتب الوجود إلى أربع، وذكرت تفصيل كل مرتبة، إلا أنه يبدو لي أن هناك مرتبة خامسة للوجود هي الوجود السنني.

معنى الوجود السنني

يقال - أحياناً - إن هذا الذي نسميه جمال الطبيعة، من ضياء الشمس وزرقة السماء وحمرة الشفق وخضرة النبات، لا وجود لها في الخارج، وإنما الموجود في الخارج موجات ضوئية فقط، والإنسان هو الذي يفسرها. فدماغ الإنسان لا يفسر مظاهر الطبيعة كأرقام فقط - كأن يقول: ((**يوجد نقص هنا***))إن يفسرها بشكل آخر بأن يضفي عليها جمالاً، فيفهم الرقم كصورة، وهو نوع من التحويل والترميز. لهذا يقولون في المنطق: إن اللون عَرَض وليس جوهراً، ولكن يمكن أن يقال عن الجوهر أيضاً - طول الموجة في مثالنا السابق - مثلاً - إنه عَرَضٌ للسنة؛ أي للقانون الذي يخضع له الموجود.

فالقضاء والقدر في مفهوم الإيمان هو أن الله تعالى قدر الأشياء قبل أن يخلقها، فعلم الله وقدره سابق على الخلق، وهذا العلم والقدر هو القانون الذي قام الوجود على أساسه. وإن الوجود الخارجي الذي اعتبرناه أساس مراتب الوجود راجع إلى هذا الوجود السنني - القانون - (ذلك تقدير العزيز العليم) (يس / 38).

ويمكن القول عن الوجود السنني إنه: (كلمة الله) فهو سابق للوجود الخارجي حسب عقل الإنسان (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) (يس / 82).

فرمز الماء الكيمياوي يمكن أن يقال: إنه رمز السنة - رمز قانون الماء - فهو ليس له وجود خارجي إلا في مظهر الماء، ولكن له وجود سنني ونضع له رمزاً. فمظاهر الكون كلها تابعة للسنن، ولكن هناك سنناً لم تنتقل بعد إلى الوجود الخارجي، وأكثر ما يمكن أن يكون هذا واضحاً في عالم الكيمياء.. فعناصر الوجود المادي الأولى تتألف أصلاً من زوجين اثنين - بروتون وإلكترون - المتمثل في ذرة الهيدروجين، وإلى اختلاف عدد هذه البروتونات والإلكترونات وتربيتها يرجع تنوع العناصر المكونة للوجود. واتحاد عنصرين مع بعضهما أو أكثر يؤدي إلى تشكل مركب جديد له مواصفات جديدة أيضاً لم يكن موجوداً.. وقد رتب مندلييف جدوله بحسب تزايد الكتلة الذرة، فكشف التسلسل الرقمي السنني للعناصر قبل التعرّف على الوجود الخارجي لبعضها.. كما تنبأ بوجود عناصر أولية غير معروفة، وترك مكانها شاغراً في جدوله، وقدّر لها مواصفاتها، ثم جاء اكتشاف هذه العناصر بعد ذلك مؤكداً صحة ما قدره. وهذا يقرب لنا معنى الوجود السنني للشيء قبل اكتشاف وجوده.

وأكثر ما يتضح هذا الأمر اليوم في عالم الكيمياء، حيث تظهر مركبات جديدة ذات صفات جديدة لم تكن قد تحققت فيما مضى من الزمان كوجود خارجي - مثل الأدوية - ولكنها كانت موجودة وجوداً سننياً لأن جميع عناصرها متوفرة.

هذا الوجود السنني هو نوع آخر من مراتب الوجود، وربما يكون مدخلاً لتصوير وجود الروح، والله تعالى له الخلق والأمر. والروح من أمر الله (قل الروح من أمر ربي) (الإسراء / 85). وأمر الله، وكلمة الله، وسنة الله، ألفاظ قد تكون متقاربة في مدلولها، ولكن سنة الله توصف بأنها لا تتبدل ولا تتحول.

1 ـ السنن

وفي موضوع السنن أمران مهمان.

الأول: أن السنن ثابتة لا تتبدل.

والثاني: أن السنن التي يعنيها القرآن الكريم هي سنن المجتمع والأنفس، وليست سنن الآفاق، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة: (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) (الأحزاب / 62).

وهذان الأمران يلتبس فهمهما على المسلم، فلابد من تصحيح هذا الفهم. فالمسلم أولاً: لا يرى للعلم ثباتاً، وإما يرى تغييراً مستمراً (فما يثبته العلم اليوم ينفيه غداً). والذي يوقع المسلم في هذا أن هناك فرضيات شاعت بين الناس على أنها حقائق ثم اكتشف خطؤها، فيظن أن ذلك نفي للعلم أو تغيير للسنة وهو ليس كذلك. كما أن هناك حقائق اكتشفت جزء منها، ثم اكتُشفت - بعد حين - ما يتمم هذه الحقيقة.. فالعلم هنا لم ينتف، ولكنه تكامل، وهذا ليس تبديلاً للسنة وإنما انتقال من سنة إلى سنة ومن قدر إلى قدر.. والمسلم ثانياً لا يرى - أيضاً - أن العلم يدخل في الأمور الاجتماعية مثلما يدخل في الأمور الطبيعية. وهاتان العقبتان الكبيرتان تقفان أمام تذوق المسلم لمعنى العلم.

معنى العلم

إن معنى العلم بإيجاز شديد: أن تدخُلَ السنة في العقل، وبما أن السنة لا تتبدل ولا تتحول فكذلك العلم لا يتبدل ولا يتحول. فسنة تكون الماء لها ثبات وعدم تبدل وتحول، وكذلك حين تصير سُنة تكوّن الماء علماً بدخولها في الأذهان، يبقى هذا العلم حاملاً صفة الثبات وعدم التحول والتبدل.

وهكذا في الأمور الاجتماعية، فالمجتمع الذي يفقد العدل يفقد الاستقرار «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا يقيمون الحد على الوضيع ويتركون الشريف، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة فعلت ذلك لقطعت يدها» (البخاري كتاب الحدود).

والله تعالى حين يذكر السنة في القرآن الكريم، يذكرها متصلة بالمجتمع وبالأنفس، لا بالطبيعة والآفاق. والناس لا يعرفون السنة إلا في الطبيعة، ولا يعترفون بها في الأنفس، ويعتبرون عالم الأنفس خارج الثبات أو خارج السنة، وهذا مناقض لمنهج القرآن، بل ولمناهج المسلمين السابقين، ولقد جاء - إلى العالم الإسلامي - قصر معنى العلم على الآفاق من المفهوم الغربي للعلم.

إن مثل هذه التصحيحات ضرورية، ولا بد من التنبيه إليها لأن أمراً بمثل هذا الوضوح في القرآن لا ينبغي أن يكون غامضاً في الأذهان إلى هذا الحد، فلابد من التغلب على هذه العقبات وإزالتها.

وإني حين تخطر في بالي الأفكار عن العلم وثباته وعمومه، أجد في هذه الآيات دعماً كبيراً وضوءاً هادياً وجرأة على تبني الفكرة وإبرازها وتوضيحها ومحاولة تعميمها.

إن السنة ثابتة. هذه حقيقة أولية، بل ويمكن أن نقول: إنها فطرية. إذ لا معنى للعلم إن لم يكن مستمراً وثابتاً ودائماً، والإنسان لا يتحرك ولا يقضي من أمره شيئاً، ولا يخطو خطوة واحدة إلا على أساس ثبات السنن. فمثلاً لو أن إنساناً وضع على عينيه منظاراً مقرباً أو مبعداً ثم أراد أن يمشي في الأرض أو يصعد جبلاً لتعثر في مشيته ولما أمكنه أن يتحرك. فلولا ثقة الإنسان بثبات سنة الرؤية لما خطا خطوة واحدة. فالإنسان مصطحب لمعنى ثبات السنة والنظام والقانون في الحياة، وعلى أساسه يتحرك، ولكن ينبغي أن يوضح للإنسان ها الثبات حتى يكون تعامله مع الأشياء على بينة. ولهذا عرّف شيخ الإسلام ابن تيمية السنة تعريفاً حسناً حين قال: (السنة: أن يُفْعل في الثاني ما فُعل في الأول). أي إذا تكررت الشروط نفسها أعطت النتائج نفسها في الآفاق والأنفس، في الطبيعة والمجتمع. فيكون الأمر علماً إذا أمكن إعادته عند توفر شروطه، فما حدث مرة قابل أن يحدث مراراً إذا توفرت الشروط؛ إذ تحتفظ السنة بمكانها وشروطها.

ويعيد برتراند راسل كلمات ابن تيمية بأسلوب عصري فيقول: (الطريقة العلمية في جوهرها في غاية البساطة وهي: ملاحظة وكشف قانون يسري على حقائق من النوع نفسه. والملاحظة واستخلاص القانون قابلان للتهذيب إلى غير حد. وأول من قال: النار تحرق، استخدمها، ومع ذلك ليس لديه المنهج العلمي.. والطريقة العلمية لم تكتسب إلا بمشقة وقليل من استخدمها، وفي قليل من المسائل) (أنظر كتاب النظرة العلمية، راسل، ص 6).

2 ـ السنة والمعجزة

إن الإسلام - كما يقول إقبال - وإن كان نبت في بيئة غير علمية، إلا أنه انتقل بالإنسان إلى الحياة العلمية. هذا النظر نظر فاحص للتاريخ، ورؤية جيدة للأحداث. فالقرآن وصف معجزات السابقين من عصا موسى، وخلق عيسى للطير من الطين وناقة صالح إلى سواها … وبينّ أن هذه المعجزات كانت تؤدي دورها في عصر معين تسيطر فيه عقلية معينة كانت تطالب برؤية معجزات خارقة للسنن. ولكن القرآن وإن قص مثل هذه القصص إلا أنه لم يعد يتعامل مع الناس على هذا الأساس. وهذا فيه ارتقاء في نوع الدليل، وفي هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما من الأنبياء نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله عز وجل إليّ، وأرجوا أن أكون أكثرهم تبعاً يوم القيامة » مسند الإمام أحمد، جـ 2، ص 341 رواه مسلم).

في هذا الحديث تحديد لبرهان الرسول صلى الله عليه وسلم على نبوته واتباع الناس له. إنه القرآن الذي يمكن أن يشاهده كل أحد، والقرآن ليس مثل عصا موسى التي كانت برهاناً لمشاهديها فقط. وما ورد في هذا الحديث من قصر برهان الرسول صلى الله عليه وسلم على القرآن، ورد أيضاً في القرآن ما يؤكد ذلك بأسلوب آخر، حينما طلب أهل مكة من محمد رسول الله براهين مثل براهين الأنبياء (وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) (العنكبوت / 51) فهذا ما أشار إليه إقبال من أن الإسلام نبت في عصر ما قبل العلم، ولكنه انتقل بالإنسان إلى عصر العلم وإلى آية العلم. وهذا الموضوع مهم في ترقي الآيات والبراهين. والإمام الغزالي في كتابه (المنقذ من الضلال) حين بحث علم اليقين الثابت الذي لا يتغير قال: (لو قال لي أحد: إن دليلي على صدق أن الواحد أكثر من الثلاثة إني سأقلب هذه العصا حية. ولو قلب العصا حية لما تغير يقيني من أن الواحد أقل من الثلاثة، ولكني سأتعجب كيف قلب العصا حية).

لو حللنا قول الإمام الغزالي، لأدى بنا إلى أن مثل عقلية الغزالي لم تعد ترى الآية على صدق النبوة قلب العصا حية، لأن دعوة النبوة إذا نظر إليها بالأسلوب العلمي فينبغي أن يكون برهاناً في الموضوع نفسه الذي جاء به النبي. فما جاء به النبي نوع من العلم والعمل يسعد الناس في الدنيا والآخرة إذا سلكوا طريقه. فالبرهان على صدق ما جاء به تُشاهد نتائجه عند التطبيق في واقع المجتمع وليس في أن يقلب العصا حية.

والمهندس دليل علمه أن يخطط وينفذ عملاً هندسياً كبناء جسر أو نفق أو سد أو صاروخ … وليس أن يفعل شيئاً خارقاً يصدق دعواه.. فمثل هذا التحول في تحديد نوع الآية انتقال إلى النظر العلمي …

القرآن والنظر العلمي

كان المعاصرون للنبي محمد صلى الله عليه وسلم يطالبونه بآيات مثل ما أرسل الأولون، والرسول والتوجيه القرآني يردهم بأساليب متعددة إلى النظر العلمي: فعن ابن عباس قال أتت قريش اليهود فقالوا: بم جاءكم موسى من الآيات؟ قالوا عصاه ويده بيضاء للناظرين، وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى؟ قالوا: كان يبرئ الأكمة والأبرص ويحي الموتى. فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهباً فدعا ربه فنزلت الآية: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب(190)الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا) فليتفكروا فيها.

ويقول (ص) أيضاً: (ما بهذا بعثت، وإنما بهذا الدين. فإن أخذتم به فهذا حظكم في الدنيا والآخرة، وإن أبيتم أصبر). (أنظر تفسير ابن كثير للآيات: (لن نؤمن لك حتى تفجر لنا الأرض ينبوعاً) (الإسراء / 90)). إنه موقف علمي صارم بعيد النظر ثابت ثبات السنة، لحمل الناس على النظر التاريخي في سلوك المجتمعات. وإن كان هذا الأسلوب ليس سريع النتائج في حمل الناس على الإيمان، إلا أنه على المدى البعيد هو الذي سيجعل الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء تابعاً..

والمسلمون - إلى الآن - إلا من رحم ربك يعيشون عصر ما قبل العلم وما قبل الإسلام، فهم وإن لم يطالبوا بمعجزات كمعجزات الأنبياء السابقين إلا أنهم في احتفالاتهم بمناسبات تتعلق بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم يلحون في الحديث عن معجزات مماثلة، ويرددونها كإكثار الطعام والماء ونطق الحجر.. ويغفلون عن العصر العلمي الآفاقي النفسي الذي أطلعه القرآن على العالم.

«يروي مسلم في صحيحه في فضائل الصحابة عن أنس قال: قال أبو بكر - رضي الله عنه - بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم -- لعمر بن الخطاب: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها فلما انتهيا إليها بكت، فقالا لها ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها».

إن هذا الحديث كبير، وفيه توجيه وجيه لمعنى عميق، ومع ذلك يمكن أن يرى الناظر: وإن كان باب السماء أُغلق من جانب، إلا أن باباً آخر قد فتحه القرآن ليكون الرسول أكثر تابعاً، وهذا الباب هو باب الآفاق والأنفس، إنه باب سنعرف منه صدق القرآن على مر الزمن، وبه نصحح أفهامنا للقرآن (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق. أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) (فصلت / 53).

النقلة العلمية

إننا معشر المسلمين لم ندخل بعد هذا العصر الذي أشار إليه إقبال، ولم نقم بالنقلة العلمية بعد، ولم نرتفع إلى مستوى القرآن وآياته ليكون الرسول أكثر تابعاً. ولم نرتفع إلى ابن تيمية - كما نقلت عنه في كتابي العمل - يبين أن لله آيات أفقية وآيات نفسية. وهذا ما عبر عنه إقبال بأسلوب آخر في كتابه (تجديد التفكير الديني) حين ذكر معنى ختم النبوة، وبين أن القرآن الكريم الخاتم للكتب السماوية له خاصية التجدد؛ فكل عصر يرى فيه آيته المناسبة. ونحن على مشارف عصر آيات الآفاق والأنفس، علمه من عَلِمَهُ وجهله من جهله، استقبله بتلهف وشوق من استقبله، وأعرض عنه بحذر وخوف من أعرض عنه. ودخول عصر آيات الآفاق والأنفس لستم ببالغيه إلا بشق الأنفس. إن من لا يعيش أحداث العالم وعلمه ولا يحدق في ملكوت الله في الآفاق والأنفس، لا يمكن أن يشرق له مثل صبح هذا العالم الجديد الذي اطلعه القرآن. (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم، وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً. فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل، ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً) (النساء / 175).

وطوبى لممسك عنان فرسه، كلما سمع هيعة طار إليها، وطوبى لمن كرّس نفسه ليجعل تذوق آيات الآفاق والأنفس مساغاً ورحمة. فهل لك أن تضع لنفسك أيها الناشئ مثل هذا الهدف، وتظل مستنفراً ممسكاً بعنان فرسك كلما سمعت هيعة طرت وجئت بالخبر اليقين لتنشر الأمن والطمأنينة. هذا أملي في الجيل المسلم الذي أرى نفسي في مرآته وأشعر بالغنى من حصاده.

زان بستاني عشب ما ظهر وجنيت الورد في جوف الشجر.

الأسلوب العلمي في القرآن

من أمثلة الأسلوب العلمي المتطور الأسلوبُ الذي يعرض به القرآن آية البعث (وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه) (يس / 78) قوله: (ونسي خلقه) إنها الآية الأفقية، إنها الكلمة الصارمة، الكلمة القاطعة، الكلمة التي تحتوي المعادلة الدقيقة الموجزة في حرفين: (ونسي خلقه)، وأحياناً يوجزها في كلمات أكثر، ومع الاحتفاظ بالإيجاز (بل هم في لَبْس من خلق جديد) (ق / 15)، (ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون) (الواقعة / 62).

ثلاث قصص عن البعث

من شأن الناس قديماً وحديثاً أن يتساءلوا عن البعث (كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها. قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها! فأماته الله مائة عام ثم بعثه) (البقرة / 259) (وإذ قال إبراهيم: رب أرني كيف تحي الموتى؟ قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي. قال: فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً) (البقرة / 260)، (أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين، وضرب لنا مثلا ونسي خلقه، قال: من يحي العظام وهي رميم؟ قل: يحييها الذي أنشأها أول مرة..) (يس / 77-79).

شرح القصص الثلاث والفرق بينها

ففي قصة الذي مر على قرية أراه الآية من نفسه بإجراء التجربة عليه، وفي قصة إبراهيم - عليه السلام - أراه الآية في مثل خارج عن نفسه، وفي قصة أبيّ بن خلف، رد الناس إلى تذكر بالعلم والسنة وعدم نسيانها. والسنة كما قال ابن تيمية: أن يفعل في الثاني ما فُعل في الأول. والقرآن يرد إلى الأول ليستنبط الإنسان أن ما فُعل في الأول يُفعل في الثاني (ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا… أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يكن شيئاً) (مريم / 66-67).