المرتبة الثالثة:الوجود اللفظي

من Jawdat Said

مراجعة ١١:٣٧، ٨ يناير ٢٠٠٨ بواسطة Admin (نقاش | مساهمات)

(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

اقرأ وربك الأكرم


Change.gif
لتحميل الكتاب
مقدمة
مدخل
الفصول
الفصل الأول، مراتب الوجود
المرتبة الثالثة:الوجود اللفظي
المرتبة الرابعة: التعليم بالقلم
المرتبة الخامسة: الوجود السنني
الفصل الثاني، العلم
دليل العلم
الموقف العلمي
العلم والتوحيد
الفصل الثالث، الأجنة القرآنية
سيروا في الأرض فانظروا
سنريهم آياتنا في الآفاق
سخر لكم ما في السموات
إن الذين آمنوا والذين هادوا
خاتمة



المرتبة الثالثة هي التي شرحها الغزالي بقوله: (تأليف صوت بحروف تدل عليه، وهو العبارة الدالة على المثال الذي في الذهن). هذه المرتبة هي مرتبة إطلاق الأسماء على الموجودات الفيزيائية، كالأرض، والسماء، والذرة، والمجرة، والاجتماعية، كالحب، والبغض، والصداقة، والعداوة، والبر، والعقوق، والحياء، والوقاحة، والصدق، والكذب، والأمانة، والخيانة.

من قصة استخلاف الإنسان

فالمرتبة الثالثة من مراتب الوجود هي الوجود الاسمي اللغوي، مرتبة (علم آدم الأسماء كلها) وهي إطلاق أصوات معينة على موجودات فيزيائية - آفاقية - ومجودات اجتماعية – أنفسية، إشارة إلى قوله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) سورة فصلت آية (53)، وهذه هي الوسيلة الفذة التي يمتاز بها الإنسان وامتاز بها آدم عن الملائكة حين أعلنوا أنهم لا علم لهم إلا ما علمهم الله وذلك في قصة استخلاف آدم في الأرض. (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة. قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون. وعلم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقل لكم: إني أعلم غيب السماوات والأرض، وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) (البقرة آية 30 - 33).

في هذا الحوار - الدائر بين الله عز وجل وملائكته - إشارة إلى أهمية (وعلم آدم الأسماء كلها)، إذاً (علَّم الأسماء) سيحقق آدم وذريته ما علم الله فيهم وغاب عن الملائكة، وبـ (علم آدم الأسماء) سيتمكن آدم وذريته من نفي تهمة الملائكة له ولذريته بالفساد في الأرض، وسفك الدماء، وهي تهمة كبيرة لا تزال ملتصقة بالإنسان، ولكن هذا الإنسان يملك وسيلة الخلاص وهي العلم.

مرحلة التسمية

إن وضع الاسم يأتي بعد إدراك موضوعه. فالبشر في الأصل لا يضعون اسماً لما لا يعلمون أو لما لم يصل إلى إدراكهم، فكل ما لم يصل إلى إدراكهم له اسم واحد وهو المجهول، وأما إذا وصل الإنسان إلى إدراك الوجود الفيزيائي - المادي الأفقي - أو الوجود الاجتماعي الإنساني - الأنفس - فإنه يضع الاسم له بعد التصور الأول، ولا يزال الإنسان يتعامل مع هذا الوجود وذاك حتى يصحح نظره ويحذف الخطأ من إدراكه ويثبت الصواب. (فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) (الرعد / 17) (يزيد في الخلق ما يشاء) (فاطر آية - 1 -). (وقل رب زدني علماً) (طه / 114) فبعد الفهم والتصور يضع الإنسان الاسم، أي أنه بعد دخول الشيء إلى عالم الوعي يثبته الإنسان بوضع اسم له، عنوان ولادته ووجوده في ذهن الإنسان: فالشيء كان موجوداً ولكن لم يكن له اسم، لأنه لم يكن دخل بعد في وعي الإنسان وإدراكه، فلما دخل وعي الإنسان وإدراكه وضع له الاسم، فعلَّم الإنسان هذا الشيء الذي أدركه بأن وضع له علامة تميزه. إذ وَضْعُ الأسماء، أو قدرة الإنسان على التعامل بالرمز اللفظي (الاسم): هي القدرة الجديدة المهمة التي تؤهل الإنسان لأن يكون مستخلفاً في الأرض. والواقع، إن القدرة اللفظية أو قدرة وضع الأسماء أو تعليم آدم عليه السلام - الأسماء - هي القدرة الأولى في هذا الخلق الآخر (ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) (المؤمنون / 14) إن قدرة تعلم الأسماء وأهميتها هي التي جعلت الأقدمين يعرفون الإنسان بأنه حيوان ناطق، وإن كان المناطقة فسروا النطق بالتفكير إلا أن التفكير لا ينتقل من صاحبه إلى الآخرين إلا بالنطق والكلام، أو الكتابة التي هي ترميز للنطق والكلام، فلا حرج أن نقول: إن النطق والبيان أهم صفات الإنسان (الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان) (الرحمن / 1-4).

قدرة الكلام والخلق الآخر

إن قدرة الكلام جعلت في الإمكان إدخال عامل تربوي زيادة على الوراثة العضوية، إذ صارت الخبرات البشرية ممكنة الانتقال مشافهة. وإن ما يعرفه العلم عن بداية ظهور اللغة، والنطق والكلام عند الإنسان ضحل محدود، مع أن إنسانية الإنسان قد بدأت مع الكلمة واللغة: فبالكلمة ارتفع الإنسان إلى مرتبة الإنسان، كما بدأ تاريخ الإنسان يُسجَّل ويُعرف، وتنتقل خبرات السابق إلى اللاحق مع اختراع الكتابة والقراءة التي أضاءت مسيرة الإنسان. وبقدرة تعلم الأسماء صار آدم وذريته خلقاً آخر، وهذه القدرة الجديدة جعلت خطاب الله تعالى لآدم - عليه السلام - من نوع آخر، فإن وحيه - جل جلاله - إلى البشر، لم يكن كوحيه إلى النحل. وبذلك أيضاً صار آدم مستأهلاً الخلافة في الأرض، لأن تعلم الأسماء فتح مواهبه وقدراته الكامنة. فقد تعلم الأسماء، وسيتعلم بعد ذلك أن يقرأ، وسيقرأ باسم ربه الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. وسيصل هذا الإنسان إلى ما علم الله فيه وجهلته الملائكة من التغلب على الفساد وسفك الدماء، وبهذا العلم أقرت الملائكة بقصور علمهم عن الإنسان حين حكموا عليه بما حكموا.

إن اللغة والبيان وظائف لكيان الإنسان: فهي آيات على الفكر والسلطان وقدرة الإنسان على التسخير. وإن اللغة والبيان لأجل الحقيقة والصدق، لا للوهم والكذب، فالاسم الذي ليس علامة على واقع اعتبره الله تعالى زيفاً وبهتاناً. فينبغي أن يُصان الاسم واللغة والبيان عن الكذب والزيف، لهذا قال عن الأصنام، اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان) (النجم / 23)، فالكلام ليس لمجرد الكلام ولا للخداع والدجل، وإنما لنقل الحق والواقع، لتثبيت الصدق والعدل (وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) (الحديد / 25) فالكلام الذي لا يعبر عن واقع وصدق عملة مزورة، وصك لا رصيد له « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت » (البخاري كتاب الأدب) وفي تراث الصالحين حديث طويل عن قدسية الكلام وصونه عن أن يخرج عما خلق له من بيان الحق (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً) (الأحزاب / 71) (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) (الصف / 3) فمن هنا تأتى قدسية الكلمة التي ترفع صاحبها إلى مراتب الصديقين، أو تهوي به في نار الجحيم، ومن هنا كان قول أصدق الناطقين محمد صلى الله عليه وسلم وهو يجيب من قال: (وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟) فقال: « ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم » (مسند الإمام أحمد، جـ 5، ص 231) فهذا من يستخدم آلة الصدق للغش.

الكلمات أمارات على المعاني

يبدأ عمل اللغة بعد تشكل الصور الذهنية عن الوجود الخارجي، فالبيان واللغة يفيدان على قدر وضوح الأفكار والصور الذهنية عن مخلوقات الله.

فكلما وضحت الأفكار، تشققت فنون البيان، واتسعت اللغة، وتمكنت من الأداء، وجعلت للكلمات رشاقة ورصانة كأنها البنيان يشد بعضه بعضاً، وهذا ما عناه الناقد الكلاسيكي. بوالو: (إن ما نجيد فهمه، نجيد التعبير عنه).

بينما الأفكارُ التي تفتقد الوضوح، تفتقد الألفاظ التي تعبر عنها؛ فضحالة الأفكار تجعل الإنسان عيياً لا يقدر أن يحير جواباً، وضحل الأفكار وإن تشدق وأطلق العنان لصف من الألفاظ، فكلامه مثل كلام النائم، أو كلام ذي غيبوبة لا صلة بين أجزائه. وهذا ما يحدث للغة في عصور التخلف حيث تصبح الأفكار ضحلة فتفتقد اللغة دورها الإيجابي، وتصبح قوالب بلاغية محنطة فارغة. فهذا معنى قول الإمام الغزالي: (من طلب المعاني من الألفاظ، ضاع وهلك، وكان كمن استدبر الغرب وهو يطلبه).

ويبين توينبي أيضاً، أن هناك بعض الثقافات تجعل الكلمة مصدر المعاني بدل أن تكون الكلمات إمارات على المعاني.

فالثقافة التي تجعل الكلمات أمارات على المعاني، لا تعطي القدسية للكلمات إلا بمقدار دلالتها الواضحة على المحتوى الخارج، بينما الثقافة التي تجعل القدسية للكلمات تحاول أن تفسر الحقائق الخارجية العصية لتوافق الكلمات، وهذا عكس القضية وانتكاس للوظائف.

وهذا الانتكاس يحدث حينما يحل التخلف بالحضارة، وذلك بأن يقل العلم، ويذهب حملته، فيخلف من بعدهم خلف يضيعون الوظائف والحقائق، ويتبعون الأوهام، وهذا ما كان يحدث للتاريخ والدول سابقاً، وعلى هذا بنى ابن خلدون نظريته في تحديد أعمار الدول بأربعة أجيال: الجيل الخشن المتحمل، ثم الجيل الذي يتمتع بالثمار، وإن لم تعد له قدرة التحمل، ثم الجيل المخضرم الذي فقد الأسباب، وبقوة الدفع السابق يبقى مستمراً على سمعة الأجيال، ثم الجيل الرابع الذي تأكل دابة الأرض منسأته، فيخر صريعاً لليدين وللجنب؛ وهو الذي ضيع الوظائف والحقائق، واتبع الأوهام.

وبهذا القلب المعكوس، كانت ولا تزال تحتفظ البيوتات بالشرف الذي كان موجوداً يوماً ما للآباء، وإن لم يعد هناك وجود حقيقي للشرف والأعمال التي أكسبتهم الشرف. ولهذا جاء الشرع بأن من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه، (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (الحجرات / 13) (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) (المؤمنون / 101).

ومثل هذا الانعكاس يحدث أيضاً في الشرع والقوانين. ففي الإنجيل يرى عيسى - عليه السلام - غلو اليهود في تعظيم السبت، فيقول لهم القاعدة التي تعيد الأمور إلى نصابها: (الإنسان هو رب السبت أيضاً (متى إصحاح - 12 لوقا - 6) أي أن الإنسان ليس من أجل السبت، وإنما السبت من أجل الإنسان. ويحدث مثل هذا الانتكاس أيضاً للقانون الذي يوضع في الأصل من أجل البشر، ولكن البعض الذي تغيب عنه هذه الحقيقة، يجعل البشر من أجل القانون، فيعقد الأمور ويضيع مصالح البشر التي وضع القانون من أجل توفيرها وتسهيلها، وهكذا.. وهكذا.

والذين عارضوا كوبرنيكوس في نظريته الفلكية كانوا يستشهدون على خطأ كشف بالوقوف عند حرفية ما ورد في التوراة من أمر يوشع للشمس أن تقف عن المغيب، ولو كانت الأرض هي التي تتحرك لكان قال للأرض: قفي، ولم يقل للشمس: قفي. وهكذا دواليك.

لهذا كان الأنبياء يصدق بعضهم بعضاً، ولكن كانوا يكذبون شكل التدين الزائف الذي خرّفه الاتباع، فتحولت الدعوات التي كرمت الإنسان وأخرجته من عبوديته الإنسان للإنسان إلى أغلال، وتحول الأنبياء والمصلحون إلى أوثان، على أن النبي كان يأتي ليضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، وكان محمد صلى الله عليه وسلم يحذر أمته من أن تحذو حذو الأمم السابقة: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وراعاً بذراع» (البخاري كتاب الاعتصام). هذا التحذير ليس إثباتاً للجبر، وليس نفياً لجهد البشر في القدرة على التغيير، وإنما لإرشاد الناس إلى أنهم حين يفقدون الإمساك بزمام الأمور وتسخيرها، فإن للأمور سنناً طبيعية تأخذ مجراها على أساس المسخرات وليس على أساس المسخرين، وأن الإنسان إن لم يقم بدور التسخير كإنسان فسيدخل إلى عالم المسخرات كسائر الكائنات التي رفضت حمل الأمانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً إن تخلى عن حمل الأمانة، وجهولاً إن لم يجتهد في تزكية نفسه، ولم يتعلم علم التسخير وتقرير المصير..

فهكذا نقع في الخطأ، حين نطلب المعاني من الألفاظ، ونهتدي حين نقرر المعاني ونتبع المعاني الألفاظ، كما قرر الإمام الغزالي.