الفعل والانفعال

من Jawdat Said

مراجعة ١٥:٣٥، ١٤ يوليو ٢٠٠٧ بواسطة Ziwar (نقاش | مساهمات)

(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح, ابحث

سبق أن ألمحنا إلى أن كثيراً من أعضاء الجسم تعملُ آلياً دون تدخل الإرادة ، وقلنا كذلك إن الأفكار التي بالنفس تتفاوت في درجة العمق والتغلغل . وهذه المفاهيم التي تعمقت ، تقوم في كثير من الأحيان بأعمال آلية دون تدخل الفكر الواعي عند الإنسان . بل يفقد الإنسان صوابه وإرادته عند الغضب والانفعال ، أو تضعف إرادته بدرجات متفاوتة . وفي هذه الحالة يتصرف الإنسان على أساس دوافعه المتغلغلة ، ويقل تدخل القدرة الواعية أو يكف بالمرة . فلهذا يُوصي القاضي أن لا يحكم أثناء غضبه . إن أصول ها الموضوع ثابتة لا تنكر ، ولكن فروعه وتطبيقاته متشعبة في نواحي الحياة تشعباً كبيراً . فمثلاً قد نرى في الطرقات أشخاصاً يطاردون الأطفال ، لأن الأطفال كشفوا فيهم بعض نواحي الضعف ، كأن ينادونهم بألقاب معينة تثيرهم . إن الأطفال هنا كشفوا ضعفاً في إرادة هذا الإنسان ، فيخرجونه من طوره الواعي بسهولة ، إذ اهتدوا إلى النقطة التي تثيره ، أو إلى الزر الذي إن ضغط عليه حدث لدى هؤلاء استجابات معينة . حقاً إن هؤلاء جديرون بالرثاء ، لأن الأطفال يتحكمون بانفعالاتهم . ولكن يا ترى هل يمكننا أن نرى أننا نحمل في أنفسنا مثل هذه الأزرار ؟ إن كشف أحدٌ كيف يضغط عليها يُثيرنا أيضاً ؟ وإن لم يكن في مستوى مطاردة الأطفال في الطريق ، ونخرج أيضاً عن طورنا . إن هذه الأزرار موجودة عند كل الناس ولكن لا يستطيع كل واحد أن يضغط ، ولا كل من ضغط يمكن أن يحدث نفس الانفعال . فقد يذهب بعضُ الناس إلى إنسانٍ يريدون إثارتهُ فيذمُونَ له رأيا ، أو يستخفون من شيء يقدسه حتى تغلي مراجل قلبه ، فيخرجون من التباحث إلى التَّهاتُر والتشاتم ، وقد ينتقلون من استخدام اللسان إلى استخدام الأيدي . ولكن لنفرض أن هذا الذي أراد الآخرون إثارته ، جاءه من يخبره بقصدهم ، فلا شك أنه سيرجعهم مخفقين ، بتماسكه أمام لُعبته حين أصبح عل وهيٍ من قصدهم . وهذه المرتبة من التماسك والنضج ، يمكن أن يصل إليها الإنسان بجهده حين تزداد معرفته وتتسع خبرته بالناس والحياة ، فلا يترك لأحد سلطاناً على أعصابه وانفعالاته . وقد يكون الذين ذهبوا إليه لا يقصدون إثارته ، ومع ذلك يتهاتر الطرفان لأن الأزرار المكشوفة تحدث الانفعالات بالضغط عليها ، ولو بغير قصد الإثارة . فكثير من اللقاءات تجب لمثل هذه الحوادث المؤسفة . فإذا خرجنا من هذه الأمثلة التي يقوم بها الأطفال في الشارع ، ومن الأمثلة التي يقوم بها بعض الأذكياء الخبثاء في مستوى إثارة شخص معين ، يمكن أن ننتقل إلى مستوى المجتمعات التي تحمل مواريث معينة في فهم الحياة والكون . إن هذه المجتمعات تنطبق عليها نفس الفكرة في إمكانية الإثارة . فإن كان يمكن رؤية بعض البسطاء ، فإنه يمكن رؤية زمرة من الناس دربهم الكبار على التلاعب بالمجتمعات وإثارتها ، ليؤدوا دورهم ، في الوقت المحدد ، في مجتمعات ما تزالُ بسطةً لتبلغ مرحلة النُضجِ والرُشد . فإذا جاء هذا الوقت ألقى الأخصائيون (فتيشة)(1) تنفجر تحت أقدام المجتمع فتخرجه عن طوره أمام العالم مسخرةً لا يملك إرادة ، وإنما هو في صورة وحش ، ينبغي أن تُقيد حدودُ إمكانياته . ويكون هذا سبباً في تبرير ما يقومون به من إجراءات للحد من حرية حركته أو الحجز عليه كالسفهاء . إن العرف يقر الحجر على السفيه ، ولكن العرف لم ينتبه بعد إلى إمكانية إبقاء السفيه سفيها ، بل وزيادة سفهه . فإذا تنبه المجتمع إلى ذلك ، قام بعمل يزولُ معه خُبثُ الأذكياء المُدربين للتلاعب بالشعوب . وكان لورانس مثلاً ممتازاً في الإنسان المدرب على إثارة عواطف مجتمع في الاتجاه الذي يريده ، لتسخيره . ولعله من المناسب أن نستأنس هنا بما قاله جمال الدين الأفغاني في خاطراته ، بمناسبة أحداث السودان يومذاك : « من أن بريطانيا أخرجت من جرابها ألعوبة (حصار كوردون) ، فأصدرت أوامرها إلى المصانع ، ليباشروا مد سكة حديد من سواكن إلى بربر .. وتزعم أن لا باعث لها على ذلك إلا الرغبة في تخليص كوردون إن كان في خطر . إذا فرضنا هلاكه - كما هو الغالب - أو خلاصه . فهل تهدم دولة إنكلترا طريق الحديد أو تتبرع بها لمصر سخاءً . كلا والله . لا هذا ولا ذاك ، ولكن طريق للاستيلاء على السودان . قال المخزومي : أتيت يوماً لجمال الدين وكاشفته بقولي : « هذه المقالة نقلتها إلى (الخاطرات) حسب إشارتك ، ولكن توقفت عن نقل ما تبقى . لأنني ما رأيت جدوى في نقل حوادث جرت وانقضى أمرها وكاد الناس أن ينسوها ، ولا فائدة من إعادة ذكرها . سمع لي جمال الدين بإصغاء ، ولما انتهيت قال : يا شيخ بني مخزوم ، وعزة الحق : إن ما تراه اليوم من الفضول بذكر حوادث مضت ، وأعمال أتى بها الإنكليز في مصر والهند إن مضت أعيانها ، فستأتي أشكالها وأمثالها . فبريطانيا لا تفتر تحدث فتوقاً في البلاد فتدخل من أضيقها فتوسعه ، وترقب أصغر حدث فتجسمه ، وتعمل على عشق عصا القوم ، وتقسمهم أحزاباً وتكون نصير المتباغضين . سُنةٌَ جرت عليها دولة بريطانيا ورجالها فلا يحيدون »(1) . لم يكن هم الأفغاني ذكر الأحداث ، ولكن التنبه إلى السنة التي تتبعها بريطانيا مع الشعوب . ويظهر تألم الأفغاني من عدم فطنة المخزومي إلى هذا القصد . ويعرف الأفغاني أنها إن مضت أعينها فستأتي أشكالها وأمثالها . وحقاً إن إنكلترا أخرجت من جرابها بعد عشرين عاماً من هذا الحدث ، حاوياً آخر في الوقت المناسب ، كما قال مالك بن نبي : « عرف الأوروبي كيف يختار السياسة التي تناسب تلك الساعة ، هو الذي يتمتع بالمقدرة الانتهازية الجبلية الفطرية ، فعرف لورانس مثلاً - في الساعة التي هدد فيها (فون أرمين) قناة السويس 1915م - كيف يثير الثورة العربية المشهورة ، حين دلل ضعف الشيخوخة لدى عجوز ، هو الشريف حسن ، وتملق حفنة من الزعماء الشباب المخمورين بفكرة المملكة العربية »(2) . إن كتاب (أعمدة الحكمة السبعة) فيه تفاصيل دقيقة ، كيف قام لورانس بالمهمة على أحسن وجه ، وكيف استغل عدا ما أشار إليه مالك ، بدو الصحراء الذين لا نعرف لهم قيمة ، واختار منهم حرسه الخاص ، مئة من الشبان الأشداء ، كلهم ماتوا في سبيل حماية لورانس ما عدا بضعة نفر منهم .. وقد خاض نيفاً وثلاثين معركة في سبيل بريطانيا ، ولكن دون أن تراق قطرة دم بريطاني . ولا فائدة من ذكر هذه الأحداث إن لم تُحصنا من الوقوع في أمثالها . ولن يحصننا إلا تفهم السنن المسخرة للإنسان ، وإلا سنظل مسخرين لمن يعرفونها . ولن نصل إلى السنن ، إلا إذا كابدنا دراسة واسعة للأحداث ضمن هدف محدد ، غير مجرد الاطلاع . والشيء الذي يجب أن نستفيد منه في هذا الموضوع هو ، أن ترك المجتمع دون رفع مستواه يعرضه لأن يبقى في مستوى المعتوهين . قد يكون عَتهُ بعض الأفراد طبيعياً ، مع إمكان تقليل عددهم إلى حد أدنى . ولكن عَتَهَ المجتمع ليس طبيعياً ، وإنما هو عَتَهٌ من صنع أيديهم : « وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون » النحل - 33 - . إن إدخال سنن هذه القضايا في وعي الإنسان ، وإدخال هذه الآليات النفسية إلى مستوى الوعي ، واستبدال هذه الآليات بآليات أخرى ، أمر يستحق انتباهنا . لأن في الإمكان غرس الأفكار في مستويات معينة في درجة العمق والآلية . إن تغيير الشعور واللاشعور صار ممكناً الآن . وقد يعجز الفرد أن يغير شعوره ، أو أن قدرته على ذلك ليست مطلقة ، ولكن المجتمع له القدرة على تغيير ما بنفس أفراده ، مهما كان بالنفس سطحياً أو عميقاً ، لأن هذا علم . وهذا العلم هو موضوع آية البحث في هذا الكتاب . مثلاً حين يقول أحد زعماء الصين : « إن الذي علينا أن نقوم به من توعية للشعب إلى خطر الذي يحيط به ، لم نقم نحن به ، وإنما قام العدو بهذه التوعية حين صارت قنابله تسقط على الشعب ، وربما إلى الآن الذين لم تصلهم القنابل لم يتوعوا بعد إلى الخطر » . هذا الزعيم يشعر بأنه كان في الإمكان نقل هذا الخطر إلى ضمير كل فرد قبل سقوط القنابل ، ولكن لم يقوموا به ، فيشعر بالتقصير إزاء ذلك . لما نشأ مثل هذا الفهم عندهم ، استطاعوا أن ينقذوا شعبهم من أن يكون قصعته ، يتداعى إليها اليابان والروس والأمريكان ، الذين صاروا الآن يفكرون كيف يخطبون وده رغبةً ورهبة . إن تلقين ضمير الجماهير إزاء الأخطار ، علم يقوم به الاختصاصيون في عالم يعي كيف تسير الأمور . إن لا مبالاة الفلاح بالنظافة ، وما يجلب ذلك من أوبئة ، مشكلة ينبغي أن تعالج ، وأن يعلم من يعالج ، علم تلقين الضمير ، علم تغيير ما بأعماق النفس . إن كنا نضرب المثل بالنظافة فهذا مثل ، ولكن المشكلة أن يظل الإنسان في عالم اللامبالاة في مصيره في هذا العالم ومصيره في الآخرة . وحين يصبح التلاعب بأفكار المجتمعات وتوجيهها إلى حيث يراد ، علماً منسقاً له دوائره وعلماؤه ، ومؤسساته ، وحين يؤلف كتاب في مثل هذا الموضوع عنوانه : « اغتصاب ضمير الجماهير » حين يتم كل ذلك ، لا بد أن يصير عند هذه المجتمعات علم آخر تتحصن به ضد هذه التوجيهات وذلك الاغتصاب . إن مرحلة عطالة عقل الإنسان ، وعدم رؤية سنة الله في الكون والبشر ، هي المرحلة الخطيرة . وهذه المشكلة هي التي تُبرز لنا يومياً مواليد وذريات من المصائب ، نعتبرها أنها أخطر مرحلة . إننا دخلنا أخطر مرحلة ، حين أقفلنا العقول منذ زمان بعيد ، هناك كنا نقيم ببطء حول أعناقنا الطوق الحجري الذي سيرهق حياتنا في المستقبل . إن علم تغيير ما بالنفس وما ينبغي أن نغيره ، والزمن الذي يحتاج إليه إذا استخدمت الإمكانيات بكفاءة ، هذا العلم هو الذي يخرجنا من الحيرة التي نعيش فيها . فإن لم يتيسر لنا أن نفهم هذا ، ولم يتيسر لنا من يقدم لنا الحجج الكافية للإقناع في هذا الموضوع ، فسنظل نعيش في عالم لا نشعر أنه يخضع لسنن ، وسنصاب بالعطالة التي تشل نشاطنا .