العلاقة بين سلوك الإنسان وما بنفسه

من Jawdat Said

مراجعة ١٥:٣١، ١٤ يوليو ٢٠٠٧ بواسطة Ziwar (نقاش | مساهمات)

(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح, ابحث

من كتاب ((حتى يغيروا ما بأنفسهم))

العلاقة بين سلوك الإنسان وما بنفسه هنا نستطيع أن نقول إن سلوك الإنسان وأفعاله من عمل الله ، ومن خلق الله ، وهذا القول ليس دعماً لما يسبق إلى الفهم من قوله تعالى : « خلقكم وما تعلمون » الصافات – 96 - . وما يُذكر حوله من نقاش في علم الكلام ، فيما إذا كان الله يخلق أفعال العباد . ولكن الموضوع الذي نبحثه هو أن سلوك الإنسان أثر ونتيجة . وقد قررنا سابقاً أن نتائج الأسباب إنما يخلقها الله تعالى مباشراً لا دخل فيه لأحد : « يخلق ما يشاء ويختار ، ما كان لهم الخيرة » القصص – 68 - . إلا أن علينا هنا نأخذ بعين الاعتبار ما أثبته الله للبشر من قدرة على تغيير ما بالأنفس ، وهذا الذي بالأنفس والذي تنتُجُ عنه الأفعال ، هو ما يخضع لسلطان البشر . ومن الملاحظ أنه لا توجد ثمة علاقة بين السبب والنتيجة عقلاً ، وإنما المشاهدة هي التي تقر هذه العلاقة . فمثلاً رأينا أن (كذا) ترتب على (كذا) فآمنا به ، أما لم ترتب هذا على هذا أو على ذاك بالذات دون غيره ؟ فذلك لا طاقة لنا به . ولكن الذي لنا فيه طاقة هو – وذلك بعد أن نعلم أن عمل كذا ، أو حادثة كذا ترتب على كذا سبب من الأسباب – أن نتعامل مع هذه العلاقة بحيث نوجهها الوجهة التي تنفعنا ، ولا ندعها تأخذ الوجهة التي نتضرر منها . ومن الناسب هنا أن نعود إلى ما سبق أن ذكرناه ، من أمثلة خلق الإنسان ، ونبات الزرع … إن الإنسان يفعل سبباً معيناً ينتج منه خَلقٌ من الله ، كخلق الإنسان ، وثمرة الزرع . كذلك فإن الأفكار التي نضعها في الأنفس ، يخلق الله منها أفعالاً . فكما أن لنا قدرة على زرع الأرض زيتوناً ورماناً أو عنباً …. فكذلك لنا قدرة على وضع الأفكار في النفس ، والتي تُنتج كلٌ منها عملاً أو سلوكاً معيناً ، كما تثمر كل شجرة ثمراً معيناً . فنحن لنا قدرة زرع ما نشاء من الثمار ، ولكن ليس لنا القدرة على أن نجعل شجرة النخيل تثمر بطيخاً ، وكذلك الأفكار . مثال : إن الله تعالى خلق بعض الأجسام ناقلاً للكهرباء ، وبعضها عازلاً . وليس مجال البحث هنا لم جعل الله هذه المادة بعينها تنقل دون تلك التي لا تنقل ؟ وإنما البحث هو كيف نستفيد من هذه الصفة للتحكم في الكهرباء . وكذلك الأمر بالنسبة لأعمال الإنسان ليس السؤال المجدي : لم ترتب كذا عمل على كذا فكرة ؟ ولكن المجدي هو أن نسأل كيف نرفع كذا فكرة تُنتجُ كذا عملاً وكيف نضع كذا فكرة في الأنفس لتنتج كذا عملاً . وهذا الذي جعل الله لنا سلطاناً عليه . ولهذا صار الإنسان مسؤولاً عن أعماله . وبعد هذا نقول : إن سلوك الإنسان وتصرفاته نتيجة لأفكاره ، وبتعبير أدق لما بنفسه ، فإذا تغير ما بنفس الإنسان سواء كان بجهده ، أو بجهد غيره ، فإن سلوكه لا محالة يتغير . وهذا التغيير يمكن أن يصل إلى درجة النقيض ، كأن يتحول الإقدام إلى إحجام ، أو السرور إلى أحزان ، أو أن الإقدام يتحول إلى نوع من الفتور . فإذا رأينا نتائج أعمال المسلمين تعاكس مصالحهم ،فإن ما بأنفسهم عن الموضوع خاطئ ، وينبغي أن يتغير ما بأنفسهم حتى تتغير أعمالهم ، وإذا رأيناهم مترددين في موقفهم تجاه أمر ، فإن ذلك يرجع إلى ما بأنفسهم عن هذا لأمر من القناعة بعدم جدواه ، أو بعدم إمكان الوصول إليه … مثال أول : يحكى أن عملاقاً بلغ من القوة ما يدهش ويحير ، وطبقت شهرته الآفاق ، وترامت أنباؤه حتى وصلت إلى عملاق آخر في بلد قريب ، فأحب أن يتعرف على ذلك الذي يتحدث عنه الناس ، فأرسل إليه رسالة لطيفة يطلب وده ويعرض صداقته ، ولكن خاب ظنه حين جاءه الجواب القاسي ينهاه عن التطاول فوق مرتبته ….. فصمم على الانتقام لشرفه من هذا المغرور الذي أساء الأدب في رده . فخرج يسعى إليه حتى وصل إلى مشارف أرضه . ولما سمع المغرور وقع أقدام خصمه تهز الأرض خارت قواه وتغير لونه ، وأدركت امرأته حاله ، فأشارت عليه أن يندس في الفراش ، وألقت عليه دثاراً … ولما وصل الخصم الهائج سألها عن الوقح المغرور الذي لا يعرف قدر الناس ، حتى يعرفه نفسه ، ويعلمه كيف يكون جواب الناس .. فطلبت منه ألا يرفع صوته حتى لا يوقظ الطفل النائم ، وأشارت إلى قدميه وقد برزتا من تحت الدثار . فلما رآهما ، هذا الذي ما عرف قلبه الخوف ، صمت قليلاً كأنما ألقي عليه دلو من الماء البارد ، ثم قال في نفسه : طفل … ؟ ! فكيف يكون الأب إذاً … ؟ ! ثم أطلق ساقيه للريح عائداً من حيث أتى . حين نسمع هذه الأسطورة قد نعرف أنها أسطورة ، ولكن مع ذلك نتفاعل مع أحداثها لأن أحداثها خاضعة لسنن نفسية . هذه الأسطورة مخترعة ، ولكن هذا الاختراع يدل على المفاهيم التي في نفس مخترعها ، سواء كانت قيم هذه المفاهيم سامية أو وضيعة . فبدلاً من أن تُبرز القصة أو الأسطورة خنوع الإنسان للقوة ، كان يمكن أن تبرز استعلاء الإنسان بالحق ، كما في قصة السحرة مع فرعون كيف أنهم كانوا يقولون في أول النهار : « بعزة فرعون إنَّا لنحن الغالبون » الشعراء – 44 . حتى إذا أتى عليهم المساء رأيتهم يواجهون طاغية الدنيا بقولهم : « لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا ، فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا » طه – 72 . فالقصة التي ذكرناها تبين الدافع الخلقي لمل بالنفس عند المجتمع ، الذي من تراثه هذه القصة ، فتبرز روح الاستكبار في مواقف القوة ، وروح الخنوع عند الضعف إذ هما متلازمان . أن المستكبر حين يفقد القوة يذل ، والإنسان الحق لا يستكبر عندما يملك القوة ، ولا يذل عندما يفقدها . وإذا تذكرنا قصة النبي يوسف عليه السلام ، نجد فيها مغزى رائعاً حيث يمثل الإنسان الذي يملك القوة أمام سلطان الشهوة ، بينما الكتب القصصية في الحضارات الأخرى تدور حول الإنسان الذي تعصف غرائزه بإرادته . لندع هذا ولننظر إلى سلوك الإنسان في الأسطورة التي ذكرناها . إذ المهم في الموضوع : هو خضوع سلوك الإنسان لما بنفسه مهما كان هذا الذي بالنفس . إن الشجاعة والجبن ، والإقدام والهزيمة ، كل هذا يتعلق بما بالنفس ، فإذا تغير ما بالنفس يتغير حالاً سلوك الإنسان ، ولا يعود يملك سيطرة على قواه ، ويخضع خضوعاً مطلقاً لسلطان ما حل بنفسه . فمن يملك القدرة على تغيير ما بالنفس يملك أن يغير ما بالقوم . ففي الأسطورة غيرت المرأة بذكائها ما بنفس العملاق ، فتغير وضعه حالاً ، كأنما حدث كبس على زر ، فإذا المروحة دائرة ، وإذا الرَّجُلُ يرتجف وهكذا … ويمكن أن يشاهد مثل ذلك في سلوك العالم الإسلامي في كثير من تصرفاته … ولنذكر حادثة أخرى ولكنها واقعية إذ هي من السيرة النبوية الشريفة ، لتعطينا مثالاً حياً عن سلطان الإنسان الذي يملك القدرة على تغيير ما بالأنفس ، فإذا ما بالأقوام يتغير حالاً . مثال آخر : قال ابن قَيِّم الجوزيَّة في زاد المعاد ، في حديثه عن غزوة الخندق : « ثم إن الله عز وجل ، وله الحمد ، صنع أمراً من عنده خذل بع العدوَّ ، وهزم جموعهم وفلَّ حَدَّهُم . فكأن مما هيأ من ذلك ، أن رجلاً من غطفان يقال له نُعيمُ بن مسعود بن عامر رضي الله عنه ، جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله إني أسلمت فمرني بما شئت . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لإنما أنت رجل واحد فخذل عنَّا ما استطعت فإن الحرب خَدْعةٌ . فذهب من فوره إلى بني قريظة ، وكان عشيراً لهم في الجاهلية ، فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه فقال : يا بني قُريظة إنكم قد حاربتم محمداً ، وإن قريشاً إن أصابوا فرصة انتهزوها ، وإلا استمروا إلى بلادهم راجعين وتركوكم ومحمداً فانتقم منكم . قالوا : فما العمل يا نُعيم ؟ قال : لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن . قالوا : لقد أشرت بالرأي . ثم مضى على وجهه إلى قريش وقال لهم : تعلمون ودي لكم ونصحي لكم قالوا : نعم : إن اليهود قد ندموا على كان منهم ، من نقض عهد محمد وأصحابه ، وإنهم راسلوه ، أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ، ثم يوالونه عليكم فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم . ثم ذهب إلى غطفان فقال لهم مل ذلك . فلما كان ليلة السبت من شوال ، بعثوا إلى يهود : إنَّا لسنا بأرض مُقام ، وقد هلك الكُراع والخُفُّ فانهضوا بنا حتى نُنَاجزَ محمدا . فأرسل إليهم يهود : إن اليوم يوم سبت ، وقد علمتم ما أصاب من قبلنا حين أحدثوا فيه ، ومع هذا فإننا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن . فلما جاءتهم رسلهم بذلك ، قالت قريش : صدقكم والله نُعيم ، فتخاذل الفريقان » . « ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً » الأحزاب – 25 . هذا أسلوب في تغيير ما بأنفس القوم في موضوع معين ، ليتغير موقفهم . وكان هذا العمل بإشارة واضحة من الرسول صلى الله عليه وسلم . وكان المنفذ متقناً للعملية مستغلاً للظروف ، ولعلمه بالتاريخ الماضي والحاضر للمشكلة التي يعيشها ، ولاسيما مع صلاته الخاصة السابقة مع الفريقين ، كل ذلك مع تقدير جيد للموقف الذي عليه بنو قريظة وقريش ، مكنه أن يؤثر بما بأنفسهم التأثير المناسب الذي يقتضيه الموقف ، فكان نجاحه بارعاً . إن قصة نعيم بن مسعود نموذج واضح جداً على استغلال قدرة تغيير ما بالأنفس لتغيير المواقف . مثال ثالث : وفي هذا العصر ، أخذت العقول البشرية تهتم بهذا الموضوع للوصول إلى نتائج إيجابية بجهود قليلة ، لا تحتاج إلا إلى مهارات في معرفة نفسية الأقوام وتاريخهم ، وما يمكن لن يقبلوه بسهولة ، أو يرفضوه دون تردد ، وتوجيه ذلك كله لصالح المشرف على عملية التغيير . أجل إن الذين يتنازعون الإشراف على هذا العالم ، وتسييره وفق الجهة التي يريدونها ، أخذوا يولون هذا المجال ما يستحقه من اهتمام . جاء في كتاب مناهج السياسة الخارجية : « ولكن الدبلوماسية ، بما فيها دبلوماسية أمريكا ، لا تستطيع أن تفعل شيئاً أكثر من استغلال إرادة رجال الدول الأجانب للتوصل إلى الأهداف . ويجبل على أمريكا لخلق هذه الإرادة أن تستغل جميع وسائل السياسة الخارجية ، بما فيها الوسائل السياسية والعسكرية والاقتصادية والنفسية » . وجاء في هذا الكتاب أيضاً عن السياسة الخارجية الثقافية والأيديولوجية : « وتحاول أمريكا بلوغ أهدافها الخارجية بوسائل نفسية ، وتبدو هذه الوسائل أقل صلة بالسياسة من الوسائل الاقتصادية والعسكرية . ولكنها لا تختلف عنها في الغاية المتوخاة ، فتعمل بأساليب متنوعة بما فيها العلاقات الاجتماعية والثقافية والأيديولوجية لتوسيع منطقة التفاهم … ؟ والتأثير على مواقف الأصدقاء والخصوم ، أو المحايدين كل على مقتضى حاله ، وقلما تحقق هذه الأساليب الآمال المعقودة عليها ، لأنها أكثر ما تثير رد فعل عفوي معاكس ، ويكون فعلها أقل إذا استعملت بمعزل عن وسائل أخرى ، ولكن حرص الأمريكيين عليها يعبر عن رغبتهم في الاهتداء إلى بديل – للأساليب السياسية الصرفة – وتطلعهم لخرق الستائر الرسمية الكثيفة … واستعمال الوسائل النفسية لتكييف مواقف الأفراد والجماعات في البلاد الأجنبية ، هو إحدى وظائف الممثلين الدبلوماسيين الأمريكيين في الخارج ، والشخصيات المعنية بالسياسة الخارجية في الداخل ، وهو أهم وظيفة لوكالة الاستعلامات الأمريكية التي تشرف على صوت أمريكيا ، وبرامج انبائية وثقافية أخرى موجهة للشعوب الأجنبية . ولأهمية هذه الوسائل التي يطلق عليها مجتمعةً اسم « الحرب النفسية » ، أنشأ ترومان مجلساً أعلى للاستراتيجية النفسية مهمته أن يوصي ببرامج من هذا النوع وينسق العمل . وأدرك ايزنهاور أن الوسائل النفسية تكون أشد فعالية إذا نسقت مع السياسة العامة فحَّول مجلس الاستراتيجية النفسية لمجلس تنسيق العمليات » .