العقائد والتعايش

من Jawdat Said

اذهب إلى: تصفح, ابحث
مجلة الكلمة السواء
مقالات مميزة
المقدمة
تمهيد
مقالات جديدة
الأمريكي المنشق، الفردانية كقضية الضمير
الذات والآخر في ضوء الإسلام
الشيء ونقيضه في علاقة الذات والآخر
العدو من وراءنا والتحدي من أمامنا
العصيان المدني
العقائد والتعايش
بماذا يحلم الإيرانيون
جودت سعيد داعية العلم والسلم
جودت سعيد في كلمات
جودت سعيد في لقاء مع رزان زيتونة
عصر الرشد (التوافق)، بيان من أجل نظام عالمي جديد
مراجعة لفوكو والثورة الإيرانية
هل القتل هو الحل
...المزيد



محاضرة ألقيت في دير مار موسى الحبشي

مقـال د. محمد العمار

يتفق المؤرخون وعلماء الاجتماع أن الفكرة الدينية رافقت الحضارة الإنسانية منذ انطلاقتها الأولى، بل يمكن القول أنها كانت سببا في انطلاقتها، وقد توالى المصلحون والرسل عبر التاريخ الإنساني لإنارة الطريق وتوجيه الركب، وترسيخ المبادئ التي تؤسس لحياة إنسانية تقوم على تكريم الإنسان، وتنمو باستباق الخيرات، ويتمايز الناس فيها بالتقوى كمفهوم إنساني ينطوي على معرفة بالسنن تؤسس لحياة منضبطة بهذه المعرفة، ومع تسليمنا بما تقدم ينبغي أن نعترف بكل المرارة والأسى أن الأمم نكصت عن المبادئ والمثل التي دعت إليها الأديان، فالدعوات إلى السلم اعقبها قرع طبول الحرب المقدسة، وانبياء الرحمة المؤسسين ورثهم ملائكة العذاب من الأتباع، و دعوات التحرير تطورت إلى نوع من الأصفاد لا يجوز الانعتاق منها تحت طائلة المقامرة بالأعناق، لكن هذا التاريخ المؤلم أفرز حقائق كبيرة يمكن أن تؤسس لقراءة جديدة للنبوات والأديان وبالتالي فهي تبشر بمستقبل إنساني يقوم على أسس جديدة.

أولا ًـ الحقائق المؤسسة

1 ـ حقيقة البيولوجيا:

لا زال الاختلاف سبب النزاع الأول ، والمختلف في – الغالب - إنسانا أدنى لا تحصنه القيم ولا تحميه القوانين، وقد أعاق هذا الموقف نمو البشر، و أضحى كارثيا بتحول العالم إلى قرية صغيرة، حيث الآخر حاضرا بكثافة، وأضحى المستقبل الإنساني رهن هذا الموقف، ويبدو أن قبول المختلف هو المخرج الوحيد، فقد فشلت كل محاولات الإلغاء عبر القرون. وقد اتضح الآن أن الاختلاف بين البشر تؤسس له البيولوجيا، ثم تنميه وتعززه السيسيولوجيا، ومن ثم فإنه من حقائق الوجود الإنساني التي لا يمكن إلغاؤها، ولابد من التعايش معها، هذه الحقيقة يمكن قراءتها في القرآن من خلال اعتباره الاختلاف حدثا انطولوجيا، ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ(99) يونس، ومن ثم فإن إلغاؤه غير ممكن ولا مطلوب، بل هو من لوازم الوجود وسنن الخلق، والقرآن بين الاختلاف والنزاع ( سوء التكيف مع الاختلاف)، فيزكي الأول ويعتبره ضرورة وجودية، ويدين الثاني ويعتبره سرطان العمران( وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ (46)).الأنفال

2 - حقيقة الكون:

إن الكون إرث مشترك، لا يجوز المضي في تبديد موارده، ونحن مدعوون لاتباع سياسات تربح الجميع، وتحفظ نصيب الأجيال القادمة، إننا بحاجة إلى نظام قيم يقدس البيئة، مثلما يقدس الحياة الإنسانية، وينظر لانتهاك كرامة الإنسان كأكل لحوم البشر، ويعتبر استباحة أية حياة إنسانية تهديدا للجس كله.

إن الاتحاد الاوروبي نموذج لعالم جديد يقوم على العدالة والمساواة، نتطلع أن ينمو متجاوزا الأعراق والأديان فقد سببت المعايير المزدوجة الكثير من المعاناة الآلام، وعرقلت تطر البشر.

3 - حقيقة الحرب والقوة:

ويمكن أن نذكر هناعدة نقاط، عززتها التطورات الأخيرة في المنطقة والعالم:

  1. - إن الحرب لم تعد خيارا معقولا لحل المشكلات، فهذا الطقس لم تعد ممارسته ممكنة بين الكبار، كما أن حروب الصغار التي يعتبرها الكبار مصدرا للدخل، ومحركا للصناعة، وحلا لمشكلة البطالة، هي استنزاف لموارد الكون، يجب أن يتعلم الكبار استثمارا لا يتطلب سفك الدم البشري.
  1. - إن القتل أصبح أكثر سهولة، وأكثر تبادلية بحيث لم يعد ممكنا أن يبقى في جهة واحدة، وإن الحل لا يكمن في مزيد من القوة، لأن القوة تستدعي القوة (فالقبضة الحديدية تحول كل ما تمسه إلى حديد على حد قول المؤرخ توينبي)،هذ ما تنطق به الحروب الأخيرة(أمريكا و اسرائيل)، إن الحل يكمن في الدعوة إلى كلمة سواء، فالعدل يخلق الأمن ويحرر من الخوف الذي يجر إلى تبديد قوت الشعوب وموارد الأمم على مذبح الصنم النووي.
  1. - إن العالم يحتاج لإرادة جماعية تقدس العدل، فالقانون الذي لا يطبق على الجميع ، لن يكون محل احترام ، وفي عالم لا يحترم فيه القانون، لا يأمن أحد أبدا، وهذه صورة العالم بعد حرب أمريكا على (الإرهاب) لقد آن لنا أن نعترف أن نزعة القوة مدمرة، وأن أول ضحايا القوة هم عُبّادها، و(أن الحراب لا تصلح أن نجلس عليها على حد تعبير المؤرخ توينبي).
  1. – إن القوة الآن عاجزة في إسرائيل مثلما عجزت في جنوب إفريقيا، لكن مع فرق جوهري فلن تعمر إسرائيل أربعة قرون، فقد دخلت النفق المسدود قبل مرور نصف القرن الأول على تأسيسها، وهي تعاني قلق المصير الذي يدفعها لبناء الجدار رغم الترسانة النووية. والقوة عاجزة الآن في العراق والأفغان، وما حدث في فيتنام يتكرر فيهما الآن، وستتكرر نتائجه، لكن بعد تدمير العراق، وتقويض السلم العالمي، وتقديم مئات الآلاف من القرابين البشرية، كثمن لسياسات تجاوزها منطق التاريخ.

ثانيا – إمكان الحياة على أسس جديدة

1- رصيد التاريخ وأنا أرصد تاريخا خاصا ولا يعني هذا إنكار اللحظات الإنسانية في تواريخ الأمم الأخرى

أ - تجربة المدينة: (يعتقد الغربيون أن أثينا بريكليس كانت أول نموذج ديمقراطي، لكن نظرة تتحرر من المركزية سوف تفسح المجال للتجربة النبوية كمثال ديمقراطي أكثر تميزا ونضجا) حيث تنقل لنا المصادر أن الدولة التي أنشأها الرسول في المدينة، لم تكن دولة دينية بالمفهوم الغربي، بل كانت دولة مدنية تؤمن بالتعددية الفكرية والثقافية والدينية بلغة اليوم، بل يمكن أن نقول إنها دولة علمانية إذا نزعنا العلمانية من سياقها المعادي للدين وأخذنا بتعريف البروفيسور محمد أركون الذي يعرف العلمانية بأنها: (الدولة المحايدة بين الأديان) وإدراك هذه الحقيقة هو الذي سوغ للمستشرق لوي ماسنيون أن يصف دولة المدينة بأنها(دولة العلمانيين الدينيين) لكن أعراب الجزيرة لم يتمكنوا من رؤية آفاق في الحكم والإدارة أعلى مما عند الفرس والرومان، فنكصوا سريعا إلى النموذج الإمبراطوري السائد، ويمكن التدليل على ما قدمنا من خلال:
1 - آلية صناعة القرار : حيث كان الناس شركاء في صناعة القرارت رغم وجود النبي وتنزل الوحي، وكانت اقتراحات الجمهور تأخذ سبيلها إلى التنفيذ ولو خالفت رؤية أورغبة النبي، عندما تلقى القبول العام، حدث ذلك في بشكل متكرر لدرجة توحي أنه كان قاعدة التعامل الأولى.
2 – وضع المختلف داخل الدولة: حيث كتب النبي دستورا نظم العلاقة مع الجوار اليهودي جاء فيه[1] ( إن اليهود أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه، وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الاثم) وهو كما نرى جهد مبكر متقدم لتدشين حياة إنسانية تقوم على التقوى وتحترم معنى الإنسان، فنحن أمام دستور لدولة تعددية، تصرح أن المعنى الإنساني( التقوى) أساس التمايز بين البشر (ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير)(13/الحجرات ).
ب - تجربة الحضارة الإسلامية:
1- الدولة: لقد جسدت الدولة الإسلامية صورة مشرقة للتعايش، وكانت وفية لروح القرآن إلى حدود بعيدة، ورغم أننا لا نتحدث عن دولة خلت من كل أشكال الاضطهاد، لكننا نتحدث عن دولة لم يحدث فيها مثل ذلك العمل القمعي المؤسسي المنظم الذي تجلى في محاكم التفتيش في أوروبا، فقد أنقذ القرآن ضمير المسلم باعتبار كرامة الإنسان قيمة أولية أساسية (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ) (70/الإسراء) واعتبار الإكراه وسيلة محرمة في الدين (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (256/البقرة).
2- حركة الجيش الإسلامي: رغم أنها لم تكن منزهة عن الطمع، وفية لمبادئ القرآن بصورة تامة، لكنها لم تكن مدمرة للطبيعة والإنسان كالاستعمار الأوروبي، فالهند البلد الذي استعمره الغربيون والمسلمون، غادره المسلمون وهو من أغنى بقاع الدنيا، وقد غادره الأوروبيون قاعا صفصفا(ول ديورانت – قصة الحضارة ) وأسبانيا المستعمرة الإسلامية لثمانية قرون دليل دامغ على اتفاق المعنى والمبنى في كلمة مستعمر، وحرب البوسنة شاهد على ما يفعله القرآن في ضمير المسلم، إذ لم تسجل جرائم حرب في سجل المسلمين، والقائد الوحيد الذي تم اتهامه(حارس سيلاجيتس) برأته محكمة جرائم الحرب.
3- المجتمع: رغم انسحاب الدين من الحياة العامة، فإن أثر القرآن في ضمائر الناس، أعطى المجتمع صبغة خاصة ذكرها كثير من المراقبين الأجانب، وأحسها غير المسلمين الذين عايشوا مجتمعات مختلفة، يقول المفكر اليساري المسيحي إدوارد سعيد في حوار مع دافيد بارسميان( ما من أحد منا قد شعر في يوم من الأيام بأدنى تمييز ضدنا من قبل الأغلبية المسلمة، لا أقول أن الأقليات هي دائما في حالة يسر رائع في العالم العربي وأنها لم تتعرض للاضطهاد فقد اضطهدت، ولكنها طريقة عيش عامة كانت أكثر صحة ويسر وطبيعية من طريقة العيش المثقلة بالقلق والكبح بين الأقلية والأغلبية في الغرب ).

2 – القرآن كتاب واعد للمستقبل:

إن العالم الجديد الذي تلوح تباشيره في الأفق يحتاج لقواعد جديدة للتعامل الإنساني، وبحسب تصوري فإن القرآن يستطيع أن يمثل الأرضية القانونية والأخلاقية لنظام قيم جديد، يسهل الجوار الإنساني في هذا العالم الذي يصغر باطراد.

  1. فالقرآن يؤسس لنظام قيم تعددي يصون حرية المعتقد والضمير ، ويسمح بتعددية خلاقة مبدعة، تحول نقمة الاختلاف إلى نعمة، وتدفع العالم باتجاه آفاق إنسانية جديدة تضئ الجزء المظلم من اللوحة الإنسانية، وتجعل المختلف دليلا على إمكان العيش بطريقة أخرى، وهو يجسد هذه الرؤية عندما يؤسس لعالم إنساني قانونه استباق الخيرات، ولحمته التعدد، وغايته ما هو خير وأبقى يقول تعالى (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ، لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً، وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم،ْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ، إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(48/المائدة) فالقرآن لا يعطي نفسه حق إلالغاء، بل يأخذ دور الشاهد ( المصدق والمهيمن ) أنه نوع من المرجعية النزيهة، التي ستزكيها اممارسة العملية باستباق الخيرات، وكون القرآن يوصي النبي بعدم اتباع الآخرين في أهوائهم يوحي بإمكان الاستفادة من المختلف إذا قدم ما ينفع كما يوحي السياق القرآني الذي يقيم معارضة دائمة بين العلم والهوى.
  2. والقرآن يلغي كل وصاية على الضمائر ويدين كل محاولة لسبرها و يعلن أن عالم العقائد والأفكار لا سلطان لبشر عليه، وأن الفصل بين الأديان قضية إلهية، أخروية، تشترط معرفة كلية، لا تتيسر لبشر يقول تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(17/الحج) والآية تذكر كل العقائد المعروفة في الفضاء الثقافي للجزيرة العربية القرن السابع الميلادي، فالتعداد للمثال وليس للحصر، وعليه فإن الحروب لا يمكن تبريرها لا عتبارات دينية ولا وجود لحرب مقدسة! والقرآن يعتبر كل محاولة للشق عن الصدور، والتحري عما تكنه الضمائر محاولة دنيوية تخفي ورائها مطامع أرضية سفلية يقول تعالى : (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (94/النساء).
  3. وإلقرآن ينكر احتكار الحقيقة، ويعتبر كل محاولة من هذا النوع محاولة غير مشروعة تنطوي على جهل مثلث، فهي تجهل طبيعة الإنسان، التي لا تمكنه من إدراك الحقائق إلا بصورة نسبية، وتجهل طبيعة العمران، الذي لا يمكن أن يتقدم إلا بوجود الاختلاف الوظيفي الضروري، وتجهل طبيعة الأديان، التي أنزلت بما يناسب الطبيعية البشرية، في محاولة لوصلها بالحقيقة الكلية مع أخذ الشروط البشرية الموضوعية بعين الاعتبار (وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ(113/البقرة).
  4. والقرآن يعطي النسك مشروعية متساوية، ويعلن أنها لا تنطوي على أية قيمة تفضيلية خاصة، وأن الذي يعطيها قيمتها ومعناها ما تتركه من آثار إيجابية في الحياة العملية اليومية لممارسيها وما يمكن أن يقدموه من نفع للكل الإنساني، وإن تقديم نموذج أكثر كفاءة في الحياة اليومية هو السبيل الحقيقي للتفاضل بين الناس، وليس المماحكة العقائدية، و الجدل النظري ، ولذلك يدعوا القرآن لتجنب الدخول في أية خصومة غايتها إثبات أفضلية نسك على نسك، وعندما يصبح مثل هذا التفاضل أمرا لا سبيل إلى تجنبه يأمر القرآن أن نحيل المجادلين إلى الحياة العملية اليومية لممارسي النسك يقول تعالى(لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون)(67/الحج).
  5. والقرآن يعظم الحياة الإنسانية ، ويعتبر الاعتداء على أي إنسان اعتداء على كل إنسان (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)(32/المائدة)، وهو لا يجيز استباحة الحياة الإنسانية لأية مبرر، فقد ضيق القرآن الحالات التي يجوز فيها ازهاق الحياة البشرية بل إن كل العقوبات القرآن، وإن كانت تستلزم الحياة الإنسانية لكنها تركت مفتوحة على العفو بحيث يمكننا القول أنه لا توجد في القرآن حالة قانونية، تستدعي ازهاق الحياة الإنسانية بشكل نهائي، وكأن التشريع القرآني يتطلع لوضع إنساني يصبح في إصلاح الخلل الإخلاقي االإنساني ممكنا ولذلك لا يعود هناك ما يبرر إعطابه.
  6. والقرآن يعتبرأساس العلاقة مع الآخر العدل والإحسان واحترام اختلافه العرقي والعقائدي، وأن الحرب أو القتال حالة استثنائية خاصة أملتها الضرورات البشرية في مرحلة من مراحل النمو الإنساني، يقول سبحانه وتعالى : (لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(8 /الممتحنة). أي أن الحرب عمل محظور إلا في حالتين:
  • من أجل إنهاء الحروب العقائدية (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة).
  • من أجل منع تهجير الناس من ديارهم.

ومن لم يمارس هذين الأمرين فله حق المعاملة بالعدل والإحسان، مهما كان دينه، وكل من يقبل أن يحل المشكلات بالسلم لا نسأل عن دينه ولا عن عقيدته، (فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا(90 /النساء).

  1. والقرآن يصرح أن الأنبياء رسالاتهم واحدة يقول تعالى : (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ (36/النحل). فجوهر الأديان هو تحرير الناس من الخضوع للقوة وتنمية نفخة الله في الإنسان، وهي عقله الذي به صار خلقا آخر.إن إشعال هذه النار المقدسة، هو هدف رسالات السماء، والقرآن يأمر المؤمنين به أن يصدقوا كل الرسل وأن يساووا بينهم جميعا، وهو يؤسس للوحدة الإنسانية عندما يفتح الباب على مصراعيه لجميع ثقافات وأديان ومصلحي الأمم عندما يقول أن هناك رسلاً لم يقصهم علينا، و يمكن أن نتعرف على النبي عندما نقرأ سيرته من خلال ما قصه القرآن.
  2. والقرآن ورغم أنه نص إلا أنه ينادي برفع سيادة اللغة، ويدعو إلى تحييد النصوص وعدم اعتبارها مصدر معرفة إلا بشهادة آيات الآفاق والأنفس، وهو بهذا يحول دليل العلم والمعرفة والحق والباطل من الكتاب إلى آيات الآفاق والأنفس.يقول تعالى ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53/فص).