الشيء ونقيضه في علاقة الذات والآخر

من Jawdat Said

اذهب إلى: تصفح, ابحث
مجلة الكلمة السواء
مقالات مميزة
المقدمة
تمهيد
مقالات جديدة
الأمريكي المنشق، الفردانية كقضية الضمير
الذات والآخر في ضوء الإسلام
الشيء ونقيضه في علاقة الذات والآخر
العدو من وراءنا والتحدي من أمامنا
العصيان المدني
العقائد والتعايش
بماذا يحلم الإيرانيون
جودت سعيد داعية العلم والسلم
جودت سعيد في كلمات
جودت سعيد في لقاء مع رزان زيتونة
عصر الرشد (التوافق)، بيان من أجل نظام عالمي جديد
مراجعة لفوكو والثورة الإيرانية
هل القتل هو الحل
...المزيد



الشيء ونقيضه في علاقة الذات والآخر

مقال بقلم: محمد عنبر



إن إلغاء الآخر بصورة مهذبة أو غير مهذبة وعلى غير ما يقتضيه الجدال بالتي هي أحسن مع جهل أو تجاهل ما هو عليه في ذاته أو ما هو قريب من ذاته، قد كان ولا يزال السبب في إقامة الحدود المصطنعة بيننا وبين الآخر.

وقفت مليا عند قول العلامة جودت سعيد من أن علينا البحث عن سر الشيء - أي شيء - في الشيء ذاته، من هنا فإن علينا أن نبحث مثلاً عن سر الصخرة في الصخرة ذاتها، ولا نبحث عن سرها في أي شيء آخر، وقد أمرنا الله عز وجل بهذا في – قوله ((قل انظروا ماذا في السماوات والأرض)) ( يونس / 110 ) وقوله ((أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض)) (الأعراف / 185)، ولما كان الله خالق كل شيء ((ذلكم الله ربكم خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل)) (الزمر/ 62)، وقد بلغ صنعه المثل الأعلى في الإتقان ((صنع الله الذي أتقن كل شيء))(النمل / 89)، لذلك علينا أن نبحث عن سر هذا الإتقان في ذاته، فإن بحثنا عن سر الشيء في غيره لا نهتدي إليه كما نهتدي إليه إذ نبحث عنه في ذاته. ولما وقفت على ما كتبه هذا العلامة كتبت إليه معقباً: إن الله سبحانه قد جعل الشيء يعرف بنقيضه، فكل من النور والظلام، والحر والبرد، والليل والنهار، والقرب والبعد... الخ يعرف بنقيضه، وأن الله سبحانه لما جعل سر الشيء قائماً فيه، فقد أرشدنا إلى أن نتعرف سره من خلال ذاته، ولهذا فإنه سبحانه خلق كل شيء من زوجين ((ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون)) (الذاريات / 49 )، وهذا واضح في أن الشيء - أي شيء - قائم من زوجين، ولما كان كل من الزوجين نقيض الأخر، فإن أي شيء مقدر له أن يقوم من زوجين نقيضين، وعلى هذا فقد جعل سبحانه معرفة الشيء قائمة في نقيضه، وعلى هذا فإن السبيل إلى معرفة الشيء الذي يقوم نقيضه في ذاته هو أن نبحث عن معرفته فيه، ولهذا وجدنا جودت سعيد يؤكد على قوله تعالى ((سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد))(فصلت /53) لنبحث عن سر آيات الآفاق في الآفاق نفسها، وسر آيات الأنفس في الأنفس نفسها، وكل منهما من خلقه الذي أتقنه كما أتقن صنع كل شيء أتقانا بلغ المثل الأعلى في الإتقان. ولو قفوت أثر ما كتبه هذا العلامة، لوجدته يضعنا في موقف البحث عن الشيء، فهو يؤمن أن التوافق بين ما أنزل الله من كتاب، ما خلق من خلق، توافق مقدور، لأن المنزل والخالق هو الله عز وجل، غير مقدور أننا قد نهتدي إلى هذا التوافق، وقد لا نهتدي، ولكنه توافق مقدور لا محالة، ولهذا وجدنا جودت سعيد يكبر من شأن (المشاهدية) ذلك الشأن الذي نظر إليه مالك بن نبي على أنه فتح جديد في مجال المعرفة. ولما كرم الله سبحانه الإنسان بقسط من الحرية فاق ما قدره لغيره من الخلق، فقد قدر سبحانه تغيير ما بقوم مقرونا‘ بتغيير ما بأنفسهم، وقد رفعهم عن مرتبة الأشياء المقهورة، وهذا تكريم للإنسان يفوق كل تصور، حيث جعل حرية الإنسان التي كرمه بها، والمتمثلة بتغيير ما في النفس مقرونة بتغييره سبحانه، غير إن غفلة القوم عن هذا الاقتران قد أبعدتهم عن فهم هذه الحرية بعد أن جعلهم يطلبون التغيير من غيرهم وهو في أيديهم. ولئن غرف جودت سعيد بأنه داعية ((اللاعنف)) وأنه أقام دعوته على قوله عز من قائل: ((لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين)) (المائدة/ 28). فإنه يعلم أن خوف الله هو الذي يمنع القتل، وأن العمل على التمكين لهذا الخوف في النفوس هو الخطوة الأولى لهذا المنع. فالله تعالى هدى الإنسان النجدين:نجد الخير، ونجد الشر، ولا يتوازن الإنسان بالعنف واللاعنف إلا إذا توازن كل منهما بالأخر، فاستقر كل منهما بنقيضه القائم في ذاته بحكم أنهما شيء واحد، وأن كلا منهما يوازن الأخر ويتوازن به. وعلى أساس هذا التوازن أقام الله الوجود التكويني، ودعا الإنسان ليتوازن مع كل من الخير والشر في نفسه توازنا يقوم على الحرية، كالتوازن بين الإسراف والتقتير كما قال تعالى: ((والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا، ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما)) (الفرقان / 67) فان تمادى الإسراف عولج بالتقتير حتى يتوازن، وإذا تمادى التقتير عولج بالإسراف ليتوازن، وهذا يعني أن العنف واللاعنف قائمان في النفس، وحين يتوازن كل منهما بالأخر يكون حد القوام، وهذا ما يعنيه جودت سعيد الذي لم يخطر بباله أن تتغير فطرة الله التي فطر الناس عليها إلى اللاعنف وحده، وإن كل ما أراده أن يتوازن أحدهما.

كما ينظر جودت سعيد إلى أن التكلف يخرج الإنسان من فطرته التي فطر عليها ليتعامل مع الأشياء على غير ما هي عليه ني ذاتها، لأنه حتى يغير ما بنفسه بالتكلف فإنه يرى الأشياء بعين هذا التكلف ومن ذلك قول الشاعر ني وصف هديل الحمام:

شجا قلب الخلي فقال غنى وبرح بالشجي فقال ناحا

وكذلك الذي يتكلف يستمر به التكلف حتى ينظر إلى الوجود من حوله وكأنه أصبح متكلفا على مثاله. وهذه الحال تبعد المتكلف عن التعامل مع الأشياء على ما هي عليه في ذاتها. وهذا موطن من مواطن الداء التي يعمل جودت سعيد على كشفه لنكون مع الوجود كما هو عليه في ذاته. كما إن جودت سعيد يحرص كل الحرص على رعاية الآخر لنكون معه ونحن عارفون ما هو عليه في ذاته أو ما هو قريب من ذلك لأن إلغاء الآخر بصورة مهذبة أو غير مهذبة وعلى غير ما يقتضيه الجدال بالتي هي أحسن مع جهل أو تجاهل ما هو عليه في ذاته أو ما هو قريب من ذلك قد كان ولا يزال السبب في إقامة هذه الحدود المصطنعة بيننا وبين الآخر، وأن الذي حمل الإنسان على صنعها تجاوزه على أخيه الإنسان، ولو فطنا إلى أولويات الجهاد لوجدنا القفز فوق أولوية إلى أخرى قد كان ومازال سببا من أسباب ما نحن فيه، وجودت سعيد لم ولن يكون ضد الجهاد، ولكنه ضد القفز فوق الأولويات كما قال الشاعر:

كمرضعة أطفال أخرى وضيعت بني بطنها هذا الضلال من القصد

والذي يواجهه هو أن الأخر قائم في ذاتنا، وأن البحث عنه في غير ذاتنا قفز فوق أولوية البحث عنه في ذاتنا أولاً، ولو أخذنا بهذه الأولوية لكان ما نقف عليه من هذا الأخر القائم في ذاتنا صورة نقيض لها، وبوصلة تهدينا إلى بحث الأخر في نحير ذاتنا على ضوئها، ولو قمنا بذلك لتوازن كل من العنف واللاعنف بالأخر، والذين ينظرون إلى الإنسانية من خلال أمسها ويومها القائم ينسون أو يتناسون أن الحاضر ليس إلا الأمس قائما في وجه الغد، وحين تتعامل الإنسانية من يومها على ضوء قيام أمسها في غدها فإن كلا من العنف، واللاعنف يتوازن بالأخر، كما أن الأخر في ذواتنا والآخر القائم في خارجها يتوازنان أيضاً. لقد نظر الشاعر إلى الآخر القائم في ذاتنا فقال:

شرست بل لنت بل قانيت ذاك بذا فأنت لاشك فيك السهل والجبل

فالشراسة (عنف)، واللين (لا عنف) والمقاناة بينهما كالمقاناة ني بيت امرئ القيس :

كبكر المقاناة البياض بصغرة غذاها غير الماء غير المحلل

فهي مقاناة وتمازج يشير إلى ائتلاف النقيض بنقيضه كالسهل الذي يمثل اللاعنف بسهولته، والجبل الذي يمثل العنف بصعوده، وكل منهما قائم في الآخر من النفس الواحدة سهولة وعنفا. وقد كتبت إلى العلامة جودت سعيد أن رمز (ص خ ر) الذي يتجه إلى معنى القسوة في قوله عز من قائل: ((ثم قست قلوبهم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة)) (البقرة / 74) هو عكس نقيضه ((ر خ ص)) القائم في صورة مقلوبة والمتجه إلى التلين المناقض لقسوة التصخر. كما ني بيت النابغة الذبياني يصف في بنان المتجردة:

بمخضب كأن بنانه عنم يكاد من الليونة يعقد

والسؤال هو: هل يمكن معرفة كل من التصخر من ((ص خ ر)) والرخص من ((رخ ص)) إلا هن خلال إضاءة كل منهما للآخر القائم في ذاته. ولو اتخذنا من الضابط الذي يحكم حال الحركة في سيرها من أشياء هذا الوجود لما بحثنا عن الآخر المستقل إلا بعد أن نبحث عنه في الشيء ذاته، فإننا في وجود قائم على التزاوج كما تقول الفيزياء الحديثة وهو وجود يحكمه القانون المتمثل في قوله عز من قائل: ((ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون)).

  • ـ محمد عنبر: باحث إسلامي سوري، اهتم بالدراسات الفلسفية ـ اللغوية، له كتاب (جدلية الحرف العربي)، وفيه مقاربات لسانية تبحث في دلالة اللفظ وبنيته. توفي عام 1998م.