الدين والقانون، ما الدين وما القانون؟

من Jawdat Said

مراجعة ٠١:٣٣، ٢٧ أغسطس ٢٠١٠ بواسطة Admin (نقاش | مساهمات)

(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

الدين والقانون


Aldeenwalkanon.gif
تحميل الكتاب
المقدمة
أسس الدين والقانون من رؤية قرآنية
الإنسان في الدين والقرآن
وحدة النبوات
الرسل الذين لم يقصصهم الله علينا
العلماء ورثة الأنبياء
ختم النبوة
الخروج من الخوارق إلى السننية
ارتباط آيات الآفاق والأنفس بآيات الكتاب
كلمة السواء
لا إكراه في الدين
قانون النسخ
السلطة للجهاز العصبي
قصة آدم وزوجه
قصة ابني آدم
ما الدين وما القانون؟
السلام العالمي
شروط القتال في الإسلام
عصر الفتن


ماذا سنكتب في ( مجلة الدين والقانون ) في أمريكا ؟ ابن الله الوحيد والمخلص الذي يجلس في المتكأ الأول في العالم ، إننا لا يمكن أن نفهم الدين ولا القانون إلا إذا فهمنا طبيعة الإنسان .لا بد من أن نؤمن بأن الإنسان يمكن أن يعرف الخير والشر والنافع والضار . ومن لم يصدق فليقف تحت الحمام البارد والدافئ ليميز الخير من الشر ، ويوقن أن هناك شيء اسمه الحق المبين . يقول القرآن :

( وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ) ] فاطر : 35/19- 22 [ .

( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) ] فصلت : 41/34 [ .

الإنسان وعاء نضع فيه الثقافة والدين والقانون والخير والشر ، وما لم نعترف بهذا لا يمكن الخروج من الفساد وسفك الدماء ، ولا يمكن أن نعترف بالمسؤولية عن الخطأ الذي نرتكبه كما اعترف آدم ، بل سنبقى على ملة الشيطان ، ونقول لرب العالمين أنت الذي فعلت الشر ، هل سنبقى في ملة الشيطان ؟ الناموس والأسماء وألو العلم يقولون :

( قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ) ] الأعراف : 7/89 [ .

كل البشر يخرجون من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئاً ، ولا يحملون لا لغة ولا ثقافة ، كل شيء يدخل إليهم من مصنوعاتنا ، يقول القرآن :

( أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ش النحل : 16/78 [ .

ما هو الدين ؟ وما هو القانون ؟ بحسب الدين كما أفهم ، الخلاص في الدنيا والخلاص في الآخرة لمن يؤمن به بحسب ما بعث الله من رسل ، وأنزل من كتب ، وخلق من وجود ، حسب ما أفهم ، الخلاص - في هذا كله أن لا نكون أداة للشر ، أن أقبل الخير وأرفض الشر ، أن أتعاون على الخير وأن لا أتعاون مع الشر :

( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) ] المائدة : 5/2 [ .

وفي الإنجيل : « الحق والحق أقول لكم : إن كل من يعمل الخطيئة هو عبد للخطيئة » يوحنا ( 8 : 34 ) .

يوصينا الناموس والأسماء ، أن لا نتعاون مع الشر وأن لا نكون عبيداً للشر ، أن لا نكون عبيداً للخطيئة . الخلاص في أن لا نتعاون مع الشر ، وأن لا نكون أداة عبيداً للشر، لا أن نقتل الشرير ، لأن قتل الشرير مثل كسر الكأس بدل غسله وإعادة تنظيفه ، معذرة لتبسيط الأمور ، هل نقطع اليد إذا تلوثت أن ننظفها ونغسلها ؟ وهل نقطع الرأس إذا طرأ عليه التلوث ؟ إذا كان أسلوب طبيبنا في العلاج هو قتل المريض بدلاً من علاجه ، وإذا كان أسلوب مثقفنا في العلاج ، هو تزيين قتل الجاهلين بدل تعليمهم وترشيدهم ، إذا كنتَ لا تضيء وإذا كنتُ لا أُضيء ، فكيف سيأتي الضياء ؟ وإذا كان النور الذي فيك ظلاماً فالظلام كم يكون ؟ يصف عيسى عليه السلام مثقفي عصره بأوصاف كثيرة ، منها :

« أنهم يُحبون المتكأ الأول في الولائم .. وأن يدعوهم الناس ، سيدي سيدي ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تغلقون ملكوت السموات قدام الناس فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون .. ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تطوفون البحر والبر لتكسبوا دخيلاً واحداً ، ومتى حصل تصنعونه ابناً لجهنم أكثر منكم مضاعفاً » متى ( 23 : 6-15 ) .

المشكلة ليست في السياسي ، بل فالمثقف ، ملح الأرض ، صانع الثقافة التي تصنع الأمة بكل مؤسساتها ، ينبغي أن لا نخطئ في الفهم ، وعلينا أن نتحمل المسؤولية . السياسي أداة المثقف وليس العكس ، إن لم نكشف هذا نكون كالشيطان نبرّئ أنفسنا ونتهم الآخر ، الفهم وظيفة المثقف ، الفهم والتفهيم ، مسؤولية المثقف ، فإذا عجزنا عن الفهم والتفهيم ، فمن نلوم ؟ علينا ألّ نلوم أحداً إلا أنفسنا . يقول النبي محمد (ص) : « من وَجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجَدَ غير ذلكَ فلا يلومَنَّ إلا نفسَه » .

( مَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً ) ] النساء : 4/79 [ .

حين نفهم هذا نصل إلى حالة من الراحة النفسية والسعادة التي لا يمكن أن نجدها من يدين الآخرين ويبرئ نفسه ، وقد يكون وصل إلى ما يسمى ( النرفانا ) في الفلسفة الهندية ، وبلغة القرآن الوصول إلى ( القلب السليم ) ، وأن لا يبقى في القلب كراهية لأحد . ( يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ ولا بَنُونَ . إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) ] الشعراء : 26/88-89 [ .

المشكلة في سلامة القلب ، في سلامة المفهوم الذي في القلب ؛ السلام يبدأ من المفهوم السليم من المعرفة الصحيحة . « تعرفون الحق والحق يحرركم » يوحنا ( 8 : 32 ) .

بالمعرفة الصحيحة تحصل الطمأنينة في القلب . ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) ] الرعد : 13/28 [ .

حينما تحصل المعرفة في القلب ، يحل السلام في القلب ، ويظهر ذلك في اللسان فيسلم اللسان عن ذكر السيئات ، ويكف اليد عن الأذى ، وتصير كيد ابن آدم :

( لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) ] المائدة : 5/28 [ .

فكأنه يقول : إنني دخلت إلى مرحلةٍ يمكن فيها أن أفهم بالكلام ، وأن أقوم بعملية التفهيم ، وبذلك خرجت من العنف إلى السلام ، ومن عالم الحيوان إلى عالم الإنسان ، فإن لم أتمكن من الفهم والتفهيم ، فلن ألوم أحداً ولن أحاول قتل أحد ، وإنما سألوم نفسي ، وسأبذل الجهد لأصل إلى تحصيل المعرفة ، ونقل المعرفة بالأسلوب المتطور ، وسأدرب نفسي على التزام هذا من جانب واحد ، وقد قال لي ربي أن ألتزم هذا :

( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ) ] الفتح : 48/26 [ .

هذا هو الدين بكل الإيجاز . فما هو القانون ؟ هو الذي يبين المحرمات والواجبات ، القانون يتولد تلقائياً حين يلتقي الناس ، فإذا حدث أن دخل إنسان كهفاً وليس فيه أحد ، يباح له أن يجلس في أي مكان شاء ، ولكن إذا كان فيه أحد من البشر ، لا يمكن أن يجلس في المكان الذي يجلس فيه الآخر ، فيحرم عليه هذا المكان الذي يجلس فيه الآخر ، فيكون تولد الحرام تلقائياً ، الأطفال وهم يلعبون يضعون قانوناً للعبة يلتزم به الطرفان ، وحين يحدث خرق للقانون ويريد البعض أن يجلسوا على ظهور الآخرين ، هنا ينبغي أن يتدخل الوعي الإنساني الاجتماعي لوضع حد لانتهاك المحرم ، وعندئذٍ تبرز مشكلة القانون في أعمق مستوياته ، لأن القانون يفترض التزام الأطراف لحماية الأفراد الذين يقع عليه العدوان . والقانون بمجرد التفكير فيه ، يتولد منه تلقائياً ، إلغاء العنف ، وإعلان الخروج من العنف ، وحل المشكلات من دون لجوء إلى العنف ، فمن لا يقبل ترك العنف ، لا يمكن أن يدخل في عالم القانون .

والدخول إلى القانون طوعي ، لا يكون القانون قانوناً ، إن لم يطبق على كل الذين يدخلون فيه ، المشكلة ليست في قسوة القانون أو لينه ، المشكلة أن لا يخرج أحد على القانون وأن لا يُنْقَضَ الميثاق ، لأن قسوة القانون ولينه يمكن التدخل فيها باتفاق الداخلين فيه ، والأنفس تطبيقه على بعض وعدم تطبيقه على آخر فهذا الظلم الذي على أساسه هلاك المجتمعات .

( وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ) ] القصص : 28/59 [ .

معنى القانون حماية الأفراد الذين يدخلون فيه ، لقد تنازلوا للقانون ، كي يحميهم وتنازلوا عن أن يلجؤوا هم لحماية أنفسهم ، هذا هو معنى أن يعيش الإنسان في مجتمع ، أن يحمي المجتمع الأفراد الذين ينتمون إليه ، ويفصل بينهم بالعدل ، وإذا تخلى المجتمع عن حماية أفراده يكون المجتمع رجع إلى شريعة الغاب . ولن يوجد قانون في مكان يعتمد فيه الناس على قوتهم ، وليس على قوة القانون والمجتمع . إذن القانون هو إيقاف العنف ليكون الحل بالسلم ، ولن تحل الديمقراطية في مكان يعتمد فيه الناس على قوتهم الخاصة ، أو يوجد فيه أناس يؤمنون بأن القوة التي عندهم هي التي ستحميهم ، وليست قوة القانون وقوة الفهم . والخلاصة : حيث تسيطر القوة الجسدية فلا شريعة ولا قانون ، وحيث يسيطر العلم والفهم تكون الشريعة والقانون ، ولا سلطان للجسد . إذن هل السلطة للمعرفة ، للجهاز العصبي أم للجهاز العضلي ؟ هذا هو الفيصل بين مجتمع العنف واللاعنف ، بين اللاشرعية والشرعية .

القانون والعنف ينفي أحدهما الآخر ، لا قانون حيث يوجد العنف ، ولا عنف حيث يوجد القانون . قد يكون فهم هذا صعباً ، ولكن فهم الديمقراطية يقرب من فهم هذا الموضوع الغائم والمضيء في آن واحد حسب مستوى المُتَناول لهذا الموضوع . إن الديمقراطية هي حل المشكلات من دون عنف ، وخاصة المشكلات السياسية ؛ لأنه حيث تحل المشكلات بالعنف فلا ديمقراطية ، وحيث توجد الديمقراطية لا تحل المشكلات بالعنف . إذا وجد القانون يغيب العنف ، وإذا وجد العنف يغيب القانون . علينا أن نجتهد كثيراً حتى يصير هذا الشيء - الذي هو واضح وخفي في آن واحد - واضحاً ويزول عنه الخفاء الذي يغفله ، بحيث يتحول إلى واضح وبدهي ، وعلينا أن نتذكر لنتمكن من فهم الوضوح والخفاء موضوع الشمس ، كم كان فهم حركة الشمس خفياً على الناس جميعاً ؟ إن أوضح شيء في الوجود كان أبعد شيء عن الإدراك ، فكما تخفى علينا في لحظات ضياع المقياس ، أي القطارين هو الذي يتحرك في المحطة ، كذلك يخفى علينا منشأ الحركة بين العنف والقانون ، بين العضلات والجهاز العصبي ، لقد ضرب القرآن مثلاً في حركة الظل على خفاء مفهوم الحركة ، وكذلك ذكر القرآن كيف ينخدع الإنسان بصوره الذهنية ( أهوائه ) ويتخذها إلهاً ، وكأن صورته الذهنية هي الحقيقة الحقيقية ، ويشبههم القرآن بالأنعام بل أضل سبيلاً ، لأن الأنعام تسير حسب غرائزها لا حسب معرفة الخير والشر ، فالإنسان الذي صار عارفاً الخير من الشر إذا تخلى عن ذلك يفسد أكثر من الأنعام ، ثم يضرب مثلاً بحركة الظل ، وكيف لنا أيضاً على أن صورنا الذهنية تخطئ في فهم أوضح شيء وهو الشمس ، إلا أن خطأنا في الفهم لن يغير نظام الفلك ، ونحن الذين سنتغير . وكذلك لن تتغير علاقة القانون والعنف ، حين نتوهم أننا لن نستطيع أن نعيش دون عنف .

إن الذي يجهل تاريخ تطور المعرفة ، هو الذي يمكن أن يتخذ إلهه هواه ( صورة الذهنية ) . ولكن التاريخ وعواقبه هو الذي يكشف خطأ صورنا الذهنية ، إن تاريخ المعرفة هو الشفاء من أن يتخذ الإنسان فهمه إلهاً . حين أعلنوا في الغرب عن موت الله على يد الإنسان ، ثم مات الإنسان بعد ذلك ، يمكن القول بأن الله والأنبياء اللذين كانا في أذهانهم ماتا فعلاً ، ووصلوا إلى العدمية مرة أخرى ، وسبب موت الله والأنبياء هو غياب التاريخ ، إن التاريخ سيبعث الله وسيبعث الإنسان .

إلى الآن الفريسيون والصدوقيون ، الذين يؤمنون بالله والآخرة على أساس صورتهم الذهنية ، والذين لا يؤمنون ، لا يستطيعون أن يفسروا يقظة الحياة الدينية في الشعوب . إن الإنسان لا يمكن أن يعيش على علف العلمانيين والمتدينيين المزيفين . إن سلوك البشر وصورهم الذهنية القاصرة والجهل بتاريخ المعرفة ، يمكن أن يخفي قدسية الجهاز العصبي الذي عبئ بالعنف والباطل ، يمكن أن ينخدع الناسُ بعض الوقت في أن العالم والأنبياء بالطلٌ ، ولكن التاريخ الدائم سيتغلب على الفساد الطارئ المؤقت ، إن العالم لن يفسد إذا تصورناه فاسداً :

( وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ ) ] المؤمنون : 23/71 [ .

( أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً . أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً . أَلَمْ تَرَى إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ) ] الفرقان : 25/43-45 [ .

إن الدين والقانون ينبغي أن لا يتأسسا على أهواء الناس ، أي صورهم الذهنية عن الدين والأنبياء بل ينبغي أن توزن هذه الصور والأهواء بميزان تاريخ المعرفة الذي يحكمه قانون :

( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ) ] الرعد : 13/17 [ .

بالتاريخ صار الإنسان عارفاً الخير والشر ، النافع والضار ، الحق والباطل ، وهذه المعرفة ستزداد على مر الزمن ، إن ديننا وثقافتنا لم يُبنيا على أسس متينة . إن المؤسسات الدينية والأمم المتحدة أعلى مؤسسة سياسية عالمية يسمونها شرعية دولية مبنية على إلغاء الدين ، وإلغاء القانون وعلى عبادة القوة ، عبادة العجل الذهني والمثال على ذلك . إن حق ( الفيتو ) عارٌ على المثقفين الصامتين إنها ثمرة غرس المثقفين في العالم شاؤوا أم أبوا ، هذا ما قدمته أيدهم ، من هنا نعلم إلى أي درجةٍ فسادُ التُرْبَة ، وفساد الغرسة التي غرسها المثقفُ حيث كانت ثمرتها : ( المؤسسة المعاقة ) ثمرة غراس ثقافة القرن العشرين .

إذا كان المسيح عليه السلام يقول واضعاً لنا ميزاناً لمعرفة الخير من الشر ، ولتمييز الأنبياء الصادقين عن الذئاب الخاطفة « من ثمارهم تعرفونهم » هل يمكن أن نعرف من هذه الثمرة ضعف الشجرة التي أثمرت هذه الثمرة الفجة التي تُعَقِّدُ المشكلات ولا تحلها ؟ إن الحق ( الفيتو ) هو دين فرعون وقانونه حيث يقول : ( أنا رَبُّكُم الأعَلى ) ] النازعات : 79/24 [ .

ويقول : ( لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ ) ش الشعراء : 26/29 [ .

ويقول أيضاً : ( فَلأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ) ] طه : 20/71 [ .

إن ( الفيتو ) إلغاء لكلمة السواء ، ولكلمة العدل وللقانون ولحقوق الإنسان وللديمقراطية ، وهو الفساد الأكبر في العالم المُحبَطِ المعاق ، والذي يبقي الفساد في الأرض ويحول دون تحول الأمم المتحدة إلى ديمقراطية .

في المنطقة التي قضيت فيها طفولتي كان آباؤنا إذا تخلف حيوان عن القطيع في المساء يعقدون تعويذة ليربطوا أفواه الذئاب بالتعويذة حتى لا تتمكن من أن تفترس الذئابُ الحيوان الضال المتخلف عن القطيع . لا أعلم أثر التعويذة في ربط أفواه الذئاب ولكن أعلم جيداً أن تعويذة مثقفي القرن العشرين ربطت أفواه الناس بتعاويذهم ، بحيث لم يتمكن أحد منهم أن يبذل جهداً مزعجاً لسدنة مؤسسة ( الفيتو ) ؛ إن مثقفينا ليس فيهم إبراهيم ولا موسى ولا عيسى ، إن المسيح صدق موسى والتوراة ولكن كذب أتباع موسى المعاصرين للمسيح ، ومحمد (ص) صدق موسى والتوراة وعيسى والإنجيل ولكن كذب اليهود والنصارى ، ولو كان يمكن أن يأتي نبيٌ ، لصدق موسى والتوراة ، والمسيح والإنجيل ، ومحمد والقرآن وكذب كل أتباعهم ، نحن في فترة من غياب المثقفين الشهداء بالحق . إن أتباع الأديان ينتظرون عودة ( المخلص ) ولسنا في حاجة أن يعودوا ، ولن يرجع ( ألعازر ) وعلى الذين يعلَمون تاريخ المعرفة ، أن يُحْيُوا مرة أخرى دعوة الأنبياء . وإلى الآن لا يوجد كمٌ من المثقفين - لا أبحث الكيف - لهم وزنهم ويمكنهم أن يميزوا المسيح عن الكنسية ولا القرآن عن تفاسير المسلمين ، إن مثقفينا لا يزاولون يصرون على أن يرموا بالطفل مع ماء الغسيل كما وصفهم بحق صاحب كتاب : ( معالم تاريخ الإنسانية ) . ويقال إن غاندي دعي إلى لقاءٍ لبحث حقوق الإنسان ، فقال لهم : إذا التقيتم لبحث واجبات الإنسان سأحضر .