الدين والقانون، لاإكراه في الدين

من Jawdat Said

اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

الدين والقانون


Aldeenwalkanon.gif
تحميل الكتاب
المقدمة
أسس الدين والقانون من رؤية قرآنية
الإنسان في الدين والقرآن
وحدة النبوات
الرسل الذين لم يقصصهم الله علينا
العلماء ورثة الأنبياء
ختم النبوة
الخروج من الخوارق إلى السننية
ارتباط آيات الآفاق والأنفس بآيات الكتاب
كلمة السواء
لا إكراه في الدين
قانون النسخ
السلطة للجهاز العصبي
قصة آدم وزوجه
قصة ابني آدم
ما الدين وما القانون؟
السلام العالمي
شروط القتال في الإسلام
عصر الفتن


والآن نريد أن نوضح أن كلمة لا إكراه في الدين هي الرشد ، وأن الإكراه في الدين هو الغي ، فالجملة الثانية شرح وبيان للجملة الأولى ، فجملة ( لا إكراه في الدين ) بها تبين الرشد من الغي ، فالإكراه هو الغي ، واللاإكراه هو الرشد ، وكذلك الجملة الثالثة تفسير وبيان للجملتين السابقتين . ( فَمَنْ يكفُرْ بالطّاغوتِ ) الذي هو الإكراه ، ومن يفرض دينه بالإكراه ، ومن يؤمن بالله الذي يقرر أنه لا إكراه في دينه وفي الدين كلياً ، فمن التزم هذا فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها .

وهنا نكون قد وصلنا إلى فكرة كبيرة جوهرية ، هي أن الدين لا يجوز نشره بالقوة والإكراه والدين هو تفسير الكون ، أي الوجود كله بما فيه الإنسان . وعلاقة الإنسان بالوجود وبالناس الآخرين هي المبدأ والمنتهى ، وعند هذه النقطة يمكن بحث الدين ، أو فكرة الإنسان عن الوجود ، والفكرة التي يريدها القرآن من الناس في فهم العالم والتي نرجو أن نتمكن من توضيحها من ناحية النصوص ، ومن الناحية البيولوجية التاريخية .

فالإيمان أو الفكرة التي يريدها القرآن من الناس من ناحية الإيمان (بالله) هي أنَّ الله لا يمكن تصوره فهو كما يقرره القرآن :

( لم يَكُن لهُ كفواً أحد ) ] الإخلاص : 112/4 [ .

( ليس كَمِثْلِهِ شيءٌ ) ] الشورى : 42/11 [ .

( لا تُدرِكُهُ الأبصارُ ) ] الأنعام : 6/103 [ .

وهو مغزى الوجود ، ومعنى الكون ، وبدونه يفقد الوجود معناه ، والإيمان بالله هو سِّرُ الوجود ، فإذا كانت الكائنات الحية تُخرج سلوكها من بطون أمهاتها ماعدا الإنسان فإن الإنسان يتعلم سلوكه بعد أن يخرج من بطن أمه . إن الإيمان بالله مما يخرجه الإنسان من بطن أمه وليس مما يكسبه بعد ذلك ، فإن جينات الإنسان التي تصنع جهازه العصبي هي التي تفرض أن يجعل للكون غاية لأن الإيمان بالله هو أن لا ترى الوجود باطلاً ، فهذا النوع من التفسير الواسع يتسع لرؤى متعددة فسيحة .

تناول القرآن هذا الموضوع كما يلي :

( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً ) ] آل عمران : 3/190-191 [ .

تكفي هذه الفكرة ليكون الإنسان مؤمناً بالله أن لا يرى الكون عبثاً يقول القرآن :

( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ . فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ) ] المؤمنون : 23/115-116 [ .

إنَّ مغزى الوجود لا يمكن الإمساك به ، وإنّما يمكن فهمه فقط ؛ كون العالم له هدف يمكن فهمه من الذرة إلى المجرة ، ومن أولى الكائنات الحية إلى الإنسان ، يدل أن الكون يتقدم إلى غاية ، وليس عبثاً وباطلاً ، وليس هو قبض الريح ولا باطل الأباطيل . ومع ذلك فإن الإنسان حين يرى أن الكون لا هدف له ، فإن ذلك ينشأ من الرؤية المجزأة التي لا ترى تسلسل الوجود خلال الزمن . بل إن الإنكار لا يتوجه إلى الوجود ، ولكن يتوجه إلى الذين يفرضون صورهم الذهنية القاصرة على الآخرين والذين يسميهم القرآن :

( الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ) ] يونس : 10/60 [ .

( يَصُدَّونَ عن سَبِيلِ الله ) ] التوبة : 9/34 [ .

إن كثيراً من صور الناس الذهنية عبث جدير بالرفض ، وحين يختلط هذا العبث بالجلال والجمال الوجودي تغلب النظرة القاصرة المنقطعة ، وحتى حين ينكرون بألسنتهم أن يكون للوجود هدف ، فإنهم يُكذِّبون بسلوكهم دعواهم .

لقد زارني شخص من هؤلاء فلما أفاد أن الوجود عبث قلت له : لو كان ما تقول حقاً وأنت مقتنع به لما زرتني ، ولما بحثت معي ، ولكن سعيك هذا ينبئ عن شيء هو إيمانك بِحَقٍ تبحث عنه ، إن وجود أسماء مبجلة تحمل مثل هذه الأفكار يجعل كثيراً من الناس يفقدون الهدف من الحياة ، والأمل في العثور على معنى الوجود ، بينما هذا السعي موجود في جينات الإنسان ، لأن جهازه العصبي الذي تصنعه الجينات لا يفقد هذا الهدف ، والكائنات البشرية تتدفق من الأرحام وهي تحمل حب الاستطلاع بكل تحد لكل عبث .

ويعبر القرآن عن أن الإيمان يولد مع الإنسان وليس مما يكتسبه بعد الولادة ، إذْ الإيمان بمعنى الوجود فطرة ، يقول القرآن في هذا :

( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ) ] الأعراف : 7/172 [ .

إن العدل وكلمة السواء ليست عدمية ، لأن العدل للإنسان ليس عبثاً ولا عدمياً ولا باطلاً بل محاولة إخفاء ذلك أو عدم رؤيته من خلال التاريخ هو العبث ، نعم يمكن أن ييئس الناس من طول الحياة العابثة التي يعيشونها ولكن الحياة لا تضيع هدفها .

« ولِكَثرةِ الإثْم تبرُد المحبةُ » متى ( 23 : 12 ) .

ولكن لا تموت المحبة والشوق إلى المعرفة التي ينشأ منها الحب .