الدين والقانون، عصر الفتن

من Jawdat Said

مراجعة ١٠:٥٤، ١٨ أغسطس ٢٠٠٩ بواسطة Admin (نقاش | مساهمات)

(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

الدين والقانون


Aldeenwalkanon.gif
تحميل الكتاب
المقدمة
أسس الدين والقانون من رؤية قرآنية
الإنسان في الدين والقرآن
وحدة النبوات
الرسل الذين لم يقصصهم الله علينا
العلماء ورثة الأنبياء
ختم النبوة
الخروج من الخوارق إلى السننية
ارتباط آيات الآفاق والأنفس بآيات الكتاب
كلمة السواء
لا إكراه في الدين
قانون النسخ
السلطة للجهاز العصبي
قصة آدم وزوجه
قصة ابني آدم
ما الدين وما القانون؟
السلام العالمي
شروط القتال في الإسلام
عصر الفتن


الأحاديث الواردة تحت هذا العنوان مأخوذة من مختصر سنن أبي داوود للحافظ المنذري ، طبعة السنة المحمدية ( 1369هـ 1949م ، صفحة 142 ج6 بأرقام 4090 - 4091 - 4093 - 4095 ) على التوالي :

1- عن مسلم بن أبي بكر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :

« قال رسول الله (ص) إنها ستكونُ فتنةٌ يكونُ المضطجعُ فيها خيراً من الجالس والجالسُ خيراً من القائمِ والقائمُ خيراً من الماشي والماشي خيراً من الساعي .

قال : يا رسول الله ما تأمُرُني ؟

قال : من كانت له إبلٌ فليلحق بإبله ، ومن كانت له غَنمٌ فليلحق بغَنَمٍه ، ومن كانت له أرضٌ فليلحقْ بأرضه .

قال : إن لم يكن له شيء من ذلك ؟

قال : ليعمد إلى سيفهِ فليضرب بحدهِ على حرّهٍ ثم لينجُ ما استطاع النَّجاء » .

أخرجه مسلم وأخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي المسيب وأبي سلمة بنحوه .

2- وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي (ص) في هذا الحديث .

قال يا رسول الله أرأيت إن دخل علي بيتي وبسط يده ليقتلني ! فقال رسول الله (ص) : « كن كابن آدم وتلا يزيد - يعني ابن خالد الرملي - ( لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ) ] المائدة : 5/28 [ .

3- وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله (ص) :

« إن بين يَديَ الساعةِ فِتَناً كقطعِ الليلِ المظلم يصبحُ الرجل فيها مُؤمناً ويُمسي كافراً ويُمسي مؤمناً ويُصبح كافراً ، القاعدُ فيها خيرٌ من القائمِ والماشي فيها خيرٌ من الساعي فاكسِروا قِسِيَّكُم واقطعوا أوتاركُم واضربوا سُيوفكم بالحجارةِ فإن دُخِلَ - يعني على أحد منكم - فليكُن كخيْرِ ابْنَيْ آدم » .

4- وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله (ص) : « يا أبا ذر قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك - وذكر الحديث - وقال فيه :

كيف أنت إذا أصابَ النَّاس موتٌ يكون البيتُ فيه بالوصيف ؟ » قلت : الله ورسوله أعلم أو قال ما خَار اللهُ لي ورسوله ، قال : « عليك بالصَّبرِ » - أو قال تصبر - ثم قال « يا أبا ذر » قلت : لبيك وسعديك قال ما خارَ اللهُ لي ورسولهُ ، قال : « عليك بمن أنتَ منه » قلت يا رسول الله أفلا آخذ سيفي فأضُعهُ على عاتقي ؟ قال : شاركتَ القوم إذن » قلت : فما تأمرني ؟ قال : « تَلزَمُ بيتكَ » قلت : فإن دخَلَ عليّ بيتي ؟ قال فإن خَشيتَ أن يبهركَ شعاعُ السيف فألقِ ثوبكَ على وجهك يَبُؤ بإثمك وإثمه » أخرجه ابن ماجة .

قلت سابقاً إن الثقافة الإسلامية كلها كتبت ماعدا القرآن ، بعد أن فقد المسلمون الرشد ، أي الحكم الراشد ، وفقدوا قبلها المجتمع الراشد أو الأمة الراشدة . وقد سجل القرآن هذا قبل وفاة الرسول ، حين بدأ المجتمع الإسلامي يتوسع ، فدخل الناس فيه ليس إيماناً به وفهماً له وغنما استغلالاً له . فهذه الثقافة الإسلامية المتكيفة مع الغي والطاغوت ، ألغيت شروط حمل السلاح ودخلت إلى مجتمع الطاغوت . ولهذا فهذه الثقافة الإسلامية مع غناها وسعتها ، لم أجد بحسب اطلاعي ، مسلماً واحداً كتب مبيناً الحالة التي يجب فيها على المسلم أن يكسر سلاحه ويتخلص منه ، كما لم أعثر على كتاب واحد أو كاتب واحد استشهد بحديث ( كن كابن آدم أو اكسر سفك أو اكسر قوسك واقطع وتره ) . وكل الباحثين المستشرقين والمتخصصين في الإسلاميات لا يستطيعون أن يفهموا شيئاً خارج هذه الثقافة المتكيفة مع الطاغوت ، ولا يستطيعون أن يكشفوا المنهج الذي جاء به الأنبياء وسجلته الكتب المقدسة .

وقد خف عجبي أيضاً حين رأيت عجز الثقافة الغربية في التكيف مع دعوة المسيح ، وفهمت عند ذلك قول النبي محمد (ص) . من أن الناس إذا فقدوا العلم وقراءة أحداث التاريخ ، فلا ينتفعون بشيء مما في الكتب ، فيضيع معنى الرموز الكتابية حين نعجز عن قراءة الأحداث التاريخية ، وتتبخر كل دعاوى الديمقراطية وحقوق الإنسان وحق تقرير المصير للشعوب ، حين نتوهم أننا نستطيع أن نحتفظ بمكانتنا في العالم ، بالرعب وليس بالمعرفة ، بالقهر وليس بالرحمة .

قول الرسول في القصاص : « إن قَتَلهُ فهو مثلُه »

قال صحابي : إني لقاعد مع النبي (ص) إذ جاء رجل يقود آخر بِنَسْعةٍ فقال : يا رسول الله هذا قَتَلَ أخي ، فقال رسول (ص) : « أَقَتَلْتَهُ » ؟ فقال إنه لو لم يعترف أقمتُ عليه البَيِّنة . قال : نعم قَتَلْتُه ، قال : « كيف قَتَلْتَهُ » ، قال كنت أنا وهو نَخْتِبِطُ من شجرةٍ فَسَبَّني فأغضبني فضربتهُ بالفأسِ على قَرْنِه فقتلتُهُ ، فقال له النبي (ص) « هل لك من شيء تُؤدِّه عن نفسك » ؟ قال : مالي مالٌ إلا كسائي وفأسي ، قال : « فترى قومكَ يشترونكَ » . قال أنا أهَوَنُ على قومي من ذاك فرمى إليه بِنَسْعتِه ، وقال : « دونَك صاحبك » ، فانطلقَ به الرجلُ فلما ولى ، قال رسول الله (ص) : « إن قَتَلَهُ فهو مثلُه » ، فرجعَ فقال : يا رسول الله ، إنه بلغني أنك قلت : عن قَتَلَهُ فهو مِثْله ، وأخذتُه بأمركَ فقال رسول الله (ص) « أما تريدُ أن يبوءَ بإثمكَ ولإثمِ صاحبكَ » ؟ قال : يا بنيَّ الله ، لعله قال : بلى قان ذاكَ كذاكَ ، قال فرمى بِنَسْعتِه وخلَّى سبيلهُ ، رواه مسلم في كتاب القسامة والقصاص والدِّيّاتِ .

وكذلك حديث « ما زاد اللهُ عبداً بعفوٍ إلا عزاً » مسلم في كتاب البِّرِ والصِّلة .

فهذا الحديث يجعل القصاص أيضاً مرحلياً ؛ إذا ارتفع وعي الناس ينسخ القصاص تلقائياً . والذي أريد أن أنبه إليه الآن في هذه المقالة ، ليس أن أدافع عن ثقافة معينة وغنما أن نتلمس مشكلة الإنسان ، ومشكلة تحصيل المعرفة ، والخروج من العنف ، والخروج من وهم أن العنف يمكن أن يحل المشكلات ، لقد وصلنا إلى الطريق المسدود ، رجعنا إلى لحظة ابني آدم القاتل والمقتول ؛ إلى لحظة بزوغ الإنسان في الوجود ، إلى ارتفاع مكان الدماغ على العضلات ووظيفة الدماغ على وظيفة العضلات ، وحتى لا تقوم العضلات بإسكات الدماغ وحتى يتحرر الدماغ من هيمنة العضلات . ولن يتحرر الدماغ ، إن لم يكتسب ويكتشف معرفة تاريخية ، يفهم منها كيف بدأ وكيف تعمقت المعرفة الإنسانية ، وكيف يمكن أن تتعمق أكثر ..

( فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ) ] الطارق : 86/5 [ .

( سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ ) ] العنكبوت : 29/20 [ .

فإذا عرفنا كيف بدأ سنعرف صيرورته وما سينتهي إليه .

منظمة الصحة العالمية أصدرت كتاباً صغيراً بعنوان ( حقائق عن الحياة ) شارك في وضعه منظمات واختصاصيون عديدون . موضوع الكتاب ، كل أسبوع يموت ربع مليون طفل في العالم ، وهؤلاء الاختصاصيون لما حللوا المشكلة ، وجدوا أن أسباب الوفاة يمكن حصرها في عشرة أمراض ، صارت معروفة وكلفة المعالجة ليست غير محتملة . ولكن المشكلة التي واجهها الاختصاصيون هي كيفية إيصال المعلومات إلى الأمهات اللاتي يشرفن على الأطفال ، وهن يجهلن هذه المعلومات . وقالوا في مقدمة الكتاب : إن حل هذه المشكلة يتوقف كما في سائر مشكلات التوعية ، على وصول هذه المعلومات بطرق مبسطة ، ومن مصادر متعددة ومكررة ، فكأن المشكلة مشكلة غرس القناعة عند الناس ليتغير سلوكهم ، متى سيضع الاختصاصيون كتاباً من هذا النوع ، في تحديد عدد الأمراض التي تؤدي إلى سفك الدماء ، وتهجير الناس بالملايين في العالم ؟ ومتى وكيف يمكن إيصال هذه المعلومات إلى الأمهات ، اللاتي يغرسن في نفوس الأطفال القيم التي يعيش بها الناس في حياتهم ؟ وما نوع وكمية الجهد الذي ينبغي أن أبذله فيما يخصني أنا في هذا الموضوع ، الذي يُتْرك للتطور التلقائي بدل أن يخضع للتسريع ، الذي يمكن أن يقوم به تدخل الوعي . وأنا حاولت في بحثي هذا أن أسلط الضوء على مرضٍ واحدٍ ، أجمع الأنبياء على اعتباره نجاة للبشرية إن أمكنها السيطرة عليه ، وبقية الأمراض قابلة للغفران ، ولكن الذنب الذي لا يغتفر هو الخطأ في تفسير الإنسان ؛ بأن السلوك الاقتصادي معه في قهره وإكراهه والتسلط عليه ، وليس بالعدل والإحسان إليه . والخطأ في التفسير ناتجٌ عن الخطأ في فهم العدل ، والظن أن العدل خسارة أو أن المساواة خسارة ، وهذا الفهم والتفسير الشيطاني وليس الإنساني ، الذي هو الكبرياء والتعالي .

« قبل الكسر الكبرياء وقبل السقوط تشامخ الروح . تواضع الروح مع الودعاء خير من قَسْمِ الغنيمة مع المتكبرين » أمثال ( 16 :18 - 19 ) .

( يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) ] الشعراء : 26/88 - 89 [ .

ولن يسلم القلب ، إلا إذا خرجت منه الكبرياء والامتيازات وغلا إذا قبل أن المسألة مسألة رياضيات ومعادلة حسابية ، وأن المعادلة لن تحل إلا إذا تساوى الأطراف ، وهل يمكن إزالة الخوف من فقدان الامتيازات ، هذا الخوف يأكل قلبه ، كما يأكل قلب فاقد الامتيازات التطلع إلى الحصول عليها لا إلغائها ؟ .

ومن لم يصدق فليستمر في التجربة ، ولن يثمر الشوك عنباً ولا الحسك تيناً ، هذا ليس موعظة ، وإنما هو تعامل واقعي أرضي ملموس ، وبفهم هذا تتعانق الأرض مع السماء ، وتتحول المعرفة إلى الإيمان ، والإيمان إلى معرفة ، ولن يشعر الإنسان بالراحة غلا إذا فهم هذا فهماً علمياً فتحصل الطمأنينة في القلب ، ولا يعرف هذا من لم يصل إليه بالعلم والفهم ، ومن لم يفهم الآن فستقنعه الأيام ، وهناك سيشعر رغماً عنه كم كان في شقاء الوهم ، وكم هي المعرفة صحة نفسية ، وكم هي المعرفة كلما زادت اتسعت وفتحت آفاقاً أرحب ، وكم هي ثمرة شجرة المعرفة حياة للنفس .

« ولَهيبِ سيفٍ مُتقلبٍ لحراسةِ طريقِ شجرةِ الحياة » تكوين ( 3 : 24 ) .

( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الألْبَابِ ) ] الزمر : 39/9 [ .

10/1/1997م مونتريال

جودت سعيد