الدين والقانون، العلماء ورثة الأنبياء

من Jawdat Said

مراجعة ١٠:٠٨، ١٨ أغسطس ٢٠٠٩ بواسطة Admin (نقاش | مساهمات)

(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

الدين والقانون


Aldeenwalkanon.gif
تحميل الكتاب
المقدمة
أسس الدين والقانون من رؤية قرآنية
الإنسان في الدين والقرآن
وحدة النبوات
الرسل الذين لم يقصصهم الله علينا
العلماء ورثة الأنبياء
ختم النبوة
الخروج من الخوارق إلى السننية
ارتباط آيات الآفاق والأنفس بآيات الكتاب
كلمة السواء
لا إكراه في الدين
قانون النسخ
السلطة للجهاز العصبي
قصة آدم وزوجه
قصة ابني آدم
ما الدين وما القانون؟
السلام العالمي
شروط القتال في الإسلام
عصر الفتن


العلماء ورثة الأنبياء

وهنا أرى أن أتقدم إلى الأمام أيضاً كما فعلنا في الاعتراف بالأنبياء الذين لم تصل إلينا أخبارهم ، ويمكن أن نكتشفهم ، كذلك يمكن أن نضم إلى الأنبياء صنفاً آخر من البشر ، يعانون ما يعانيه الأنبياء من توجيه الناس إلى الخروج من الفساد وسفك الدماء لينشروا العدل والإحسان بين الناس .

فإن القرآن يضع الآمرين بالقسط من الناس في مصاف الأنبياء ؛ حيث يلقّون ما يلقاه الأنبياء من المعارضة والأذى ؛ وسبب ذلك أنهم يأمرون الناس بالقسط ، فالأمر بالقسط وإقامة العدل بين الناس مهمة الأنبياء . في القرآن :

( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) ] الحديد : 57/25 [ .

وسنرجع إلى توضيح أن أقدس شيء جاء به الأنبياء هو الدعوة إلى قيام القسط بين الناس ، ونحاول أن نبين ذلك عند بيان وحدة الرسالة التي جاء بها الأنبياء .

ختم النبوة

ومن هنا يقول القرآن وهو يضم الآمرين بالقسط من الناس إلى الأنبياء ، حيث يبين أن العداء الذي يواجه به الأنبياء سببه أمرهم الناس بالقسط ، فمن هنا جاء في القرآن :

( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ) ] آل عمران : 3/21-22 [ .

وكذلك ضم القرآن شهادة الله والملائكة إلى شهادة العلماء القائمين بالقسط :

( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ .. ) ] آل عمران : 3/18 [ .

وهنا بانضمام الآمرين بالقسط بين الناس إلى قائمة الأنبياء ، بدأ العالم يدخل عهداً جديداً وانتقالاً في أسلوب المعرفة والتلقي عن الله . بل إننا نرى في الآية الأخيرة أنهم يشهدون بالتوحيد الذي هو رسالة الأنبياء . في هذه الآية حذف الأنبياء ووصل بين شهادة الله وشهادة أولي العلم الذين يقومون بالقسط . وإقامة القسط (العدل) هو التوحيد الذي هو رسالة الأنبياء . ولكن هذه النقلة إلى أولي العلم تدلنا على تطور البشر ، فكأن ميلاد أولي العلم إيذان بتوقف عهد الأنبياء ، وانتقال الشهادة إلى أهل العلم ليتابعوا مهمة إقامة القسط بين الناس من قبل أولي العلم ، وهذا ما يعرف في القرآن والإسلام بـ ( ختم النبوة ) وانتهاء دور الأنبياء ، ليبدأ دور العلماء في الدعوة إلى إقامة القسط بين الناس . إن بروز العلم والقسط جعل المثالية واقعية ، وجعل الغيب شهادة ، وجعل الإلهية بشرية، وجعل الخارق سننية ، وجعل التوحيد هو إقامة القسط بين الناس ، وبهذا دمج النبوة في العلم ، وصار التلقي عن الله علماً ، ويحسن أن نشير هنا إلى شيءٍ يتصل بوحدة النبوة ، وهو أن الأنبياء كان يصدق بعضهم بعضاً ، ويبشرون بالنبي الذي سيأتي بعدهم - كما العلماء - ويأخذ منهم العهد والميثاق أن يؤمنوا به ويصدقوه وينصروه . فإذا كان الأنبياء فعلوا هذا ، فلماذا لا يتواثق أهل العلم بإقامة القسط بين الناس .

( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ . فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ . أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) ] آل عمران : 3/81-83 [ .

( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ) ] الصف : 61/6 [ .

( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً . مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) ] الأحزاب : ] 33/39-40 [ .

فكرة ختم النبوة فكرة تطورية لها أهمية بالغة ، إنها تطور في منهجية المعرفة والتلقي ومصدر المعرفة ، لها مقدماتها كما لها نتائج بعيدة المدى ومبررات وأسباب لإغلاق باب أسلوب من التلقي ، وفتح أسلوب آخر .

فشهادة أولي العلم حين تُقْرَنُ بشهادة الله فهذا إعلان ببلوغ البشر إلى نوع من التلقي ، غير التلقي بواسطة الرموز ، إلى التلقي بواسطة الأحداث وعواقب التاريخ ، فكان هذا إعلان وراثة العلماء لدور الأنبياء .

فإن الأنبياء أسسوا ورسخوا فكرة التوحيد بأسلوب النبوات ، وعلى أولي العلم أن يحولوا هذه الفكرة المحورية إلى علم وممارسة عملية ، والتسلسل الذي عرضناه من اقتران الأنبياء وأولي العلم ثم ختم النبوة ، فيه إلغاء أن يدعي أحد أن له مصدراً خاصاً به للمعرفة لا يتيسر لبقية الناس ، وهذا إغلاق أبدي لأسلوب التلقي من الغيب إلى المعرفة العلمية التاريخية البرهانية .

وهذا التسلسل يوصل إلى الخروج من المنهج الخارق اللاسنني للدخول إلى العالم العلمي السنني . يسجل القرآن مطالبة المعاصرين لنزول القرآن بالخارق التي كان يأتي بها الأنبياء سابقاً ، فيجيبهم : يكفي هذا الكتاب برهاناً .

( وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ . أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) ] العنكبوت : 29/50-51 [ .

( وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ .. ) ] البقرة : 2/118 [ .

( بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلْ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ) ] الأنبياء : 21/5 [ .

( وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً . أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيراً . أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلاً . أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً ) ] الإسراء : 17/90-93 [ .