الإنسان كلاً وعَدلاً مدخل

من Jawdat Said

مراجعة ١٠:١٥، ١٧ أغسطس ٢٠٠٩ بواسطة Admin (نقاش | مساهمات)

(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

الإنسان، كلاً وعدلاً


Alensan.gif
تحميل الكتاب
مقدمة وتمهيد
مقدمة
مدخل
الفصل الأول
الفعالية في مستوى الفرد
الفعَّالية في مستوى الأسرة
الفعالية في مستوى المجتمع
الفعالية في مستوى العالم
الفصل الثاني
شروط الفعالية
نظريَّتا التَّاريخ
المبِّرر
رَغَبَاً ورَهَبَاً
خاتمة


هذا العصر برزت فيه مشكلة توجيه الإنسان واحتل مكان الصدارة بين الأمور التي يمتاز بها هذا العصر ، فإن كانوا يسمون هذا العصر عصر البخار والكهرباء ، والذرة والفضاء ، فإن ما تنبَّه إليه هذا العصر من سنن توجيه البشر أهم من كل ما سبق ، ولا قيمة لما سبق إن لم ينجح الإنسان في التوجيه الصحيح للإنسان . والذي جعل ابن خلدون يحتل مكان الصدارة بين العلماء العالميين هو تنبه إلى السنن - القوانين - التي تجعل البشر يرتفعون في مستوى العمران (الحضارات والنهضة) أو ينخفضون .

والهدف الذي نرمي إليه من هذا البحث هو أن يتبين للقارئ : أنَّ البشر يمكنهم باستخدام السنن المتعلقة بتغيير النفس من رفع أو خفض مستوى الأفراد والمجتمعات حسب الهدف الذي يرمي إليه الإنسان الذي يقوم بهذه المهمة .

والصفة التي تمكن الإنسان من أداء واجبه ليصل إلى الهدف الذي يرمي إليه ، يطلق عليها في مصطلحات العصر الحاضر حين يبحثون هذا الموضوع (الفعالية ، والنموّ ، والمقدرة التأثيرية) كما يطلقون على العجز الذي يصاب به الإنسان مصطلح : (اللافعالية ، أو السلبية ، أو التخلّف) وهذا الموضوع جدير بالاهتمام ، وعبر عنه القرآن في مثل الرجلين الذي ضربه الله فقال : ( وضَربَ الله مثلاً رَجلَينْ : أحَدهُما أبْكَمُ لا يَقدِرُ على شيء ، وهو كَلٌ على مولاهُ ، أينما يوجهْهُ لا يأتِ بخير ؛ هل يستوي هو ومَن يأمُرُ بالعدل ، وهو صراطٍ مستَقيم ؟ ) النحل - 76 .

فإذا فهمنا معنى الفعالية واللافعالية فبإمكاننا أن نفهم أن الكلمة التي وردت في الآية وهي كلمة (الكَلّ) هي الكلمة القرآنية المقابلة لمصطلح اللافعالية والسلبية ، بل كلمة القرآن أدلُّ على هذا المعنى حيث أن كلمة (الكَلّ) لا تدل على اللافعالية فحسب بل تدل على أنه عبء على من يتولاه سواء كان فرداً أو مجتمعاً . كما وأن كلمة (العدْل) في القرآن تقابل مصطلح الفعاليَّة بشكل أدق ، لأن الفعالية لا تشترط دائماً أن تكون فيما ينفع بل قد يكون المرء فعالاً فيما يضر . أما كلمة العدل ففعاليته في الحق دائماً ، كما وأن أمره بالعدل ذاتي الانبعاث وليس مدفوعاً إليه .

والآية تدل بشكل دقيق واضح على الفعاليَّة واللافعالية في مَثَل الرجلين الذي ضربه الله : مثل الرجل الأبكم الذي لا يقدر على شيء وهو كّلُّ على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير . إنَّه وصف دقيق للافعالية في عدم القدرة على شيء وفي عيشه عالة على الآخرين . كما تدل على أن عجزه عام وليس في جانب واحد لأنه أينما يوجَّه لا يأتِ بخير . وإذا لاحظنا أن الفعالية واللافعالية تظهران في كل جوانب الحياة ، وتَعُمان كل أجزائها ، فإن من الخطأ محاولة علاج مسألة جزئية من نتائج اللافعالية دون معرفة شروط الفعالية ، التي سيوفِّر تحصيلها خيراً كثيراً ، ويختصر لنا الطريق . ومن هنا تبرز أهمية شروط الفعالية وسنحاول ذكر ذلك فيما سيأتي .

ولنفهم معنى الآية بشكل أوضح نقول : معنى (المَثَل) في حقيقته أن يذكر شيئاً يمكن للإنسان أن يدركه بسهولة ليصل بواسطة ذلك المثل إلى شيء آخر أدق وأعمق يحتاج إلى انتباه .

وإذا نظرنا إلى هذه الآية على ضوء ما يساق المَثَل من أجله ، نسأل ما الشيء الذي يريد الله أن نفهمه بواسطة هذا المَثَل ؟ إنه ينبغي أن ننظر أولاً إلى مضمون المثل الذي يضربه الله بوضوح وبساطة . فبعد الفهم السهل الواضح ، ننتقل إلى القسم الآخر الذي من أجله ضرب الله المثل .

ومعنى المَثَل بوضوح وبساطة ؛ وهو عدم المساواة بين شخصين ، شخص عاجز (كَلُّ) لا يصلح أن يكلَّف بأداء أية مهمة . وشخص آخر نشيط فعال (آمِرٌ بالعدل) إذا توجَّه إلى أمر تشعر بأنه يؤديه على وجهه ويحصل على أحسن النتائج . ونفي المساواة بين هذين الشخصين من أوضح البدهيَّات ومما لا يخفى على أحد . ولكن الهدف من مثل هذا المثل هو التنبه إلى السبب الذي يجعل هذين الشخصين بهذا الفارق البين في قيمة كل منهما . لأن التنبُّه إلى السبب هو المفتاح الأول لتوجيه جهد الإنسان في تحويل الشخص من أن يكون كلاً إلى أن يكون آمراً بالعدل وهو على صراط مستقيم ، جعله في (أحسن تقويم) بدل أن يصير (أسفل سافلين) . والذي يهدف إليه القرآن هو بيان الحالة التي يصير إليها الإنسان إذا رُبِّي واصطنُع على أساس المنهج القرآني ( أفَمَنْ يمشي مُكباً على وَجهِهِ أهْدى أمَّمْ يمشي سَوِياً على صراطٍ مستقيم ؟ ) الملك- 23 .