الإنسان كلاً وعَدلاً الفصل الثاني

من Jawdat Said

مراجعة ١٠:٢١، ١٧ أغسطس ٢٠٠٩ بواسطة Admin (نقاش | مساهمات)

(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

الإنسان، كلاً وعدلاً


Alensan.gif
تحميل الكتاب
مقدمة وتمهيد
مقدمة
مدخل
الفصل الأول
الفعالية في مستوى الفرد
الفعَّالية في مستوى الأسرة
الفعالية في مستوى المجتمع
الفعالية في مستوى العالم
الفصل الثاني
شروط الفعالية
نظريَّتا التَّاريخ
المبِّرر
رَغَبَاً ورَهَبَاً
خاتمة



الإنسان كلاً وعَدلاً الفصل الثاني

شروط الفعالية *

قبل ذكر الشروط نذكر بعض الحقائق :

1 - عرفنا الفعالية فيما سبق بأنها استخلاص أحسن النتائج من الوسائل المتاحة للإنسان ، وهذه الحالة نتيجة . والشروط : هي الأمور التي إذا توافرت لدى الإنسان ، حملته على أن يقوم بنشاط فكري وعملي ، أي تحمله على أن يستخدم عقله ، وهو وسيلة من وسائله في تأمل أحداث هذا الكون ، وهذا الكون وأحداثه وسيلة أخرى أمام عقله لاستخراج سننها ، والاستخدام الصحيح لهاتين الوسيلتين ، هو الذي يعطي الفعالية في النهاية . وهاتان الوسيلتان هما الآفاق (أحداث الكون) والنفس (القوى الواعية في الإنسان) وهما المذكورتان في قوله تعالى ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) فصلت - 53 .

2 - من الحقائق الأولية ، التي تساعد على توجيه الإنسان ، تقريب المواضيع التي لم تخضع بعد سنن تسخيرها للإنسان ، بمقارنتها بأمثلة خضعت سنن تسخيرها للإنسان .

3 - وبناء على ما سبق ، نريد أن نظهر حقيقة من الحقائق تتعلق بالإنسان ، فالإنسان في أصله أبدعه الله وسوَّاه تسوية عجيبة ، قابلة للتزكية والتدسية ، وقابلة لأن يكون صاحبها في (أحسن تقويم) ، ولأن يرتَدَّ إلى (أسفل سافلين) وقابلة لأن يكون (كَلاً) أينما توجَّه لا يأت بخير . أو أن يكون (آمراً بالعدل) وهو على صراط مستقيم . فهذا الاستعداد المزدوج ، وهذه القدرة المودَعة في الإنسان ، هو ما يسميه علماء الكلام (ما هو كائن بالقوة) ، فإذا تحول هذا الشيء إلى حقيقة واقعة : فصار الإنسان على أحسن تقويم ، آمراً بالعدل ، ذا نفسٍ ارتفعت بالتزكية ؛ أو عكس ذلك ، فهذا ما يطلق عليه عندهم (ما هو حاصل بالفعل ) . ويضربون لذلك مثلا فيقولون عن الإنسان قبل أن يتعلم القراءة والكتابة إنه كاتب وقارئ بالقوة ، لأن عنده استعدادً لأن يصير قارئاً وكاتباً بالتربية والتمرين . فإذا ما حول المربِّي ما هو موجود عند الإنسان بالقوة إلى ما هو كائن بالفعل ، أي بأن جعله كاتباً وقارئاً ، يكون حوَّل القوة إلى الفعل . فهذا الاستعداد بالقوة وتحويله إلى كائن بالفعل باستخدام الوسائل التربوية ، هو مما يقع تحت تجاربنا التي نعيشها بالنسبة للقراءة والكتابة . أما مقارنة الفعالية بالكتابة مع تشابه الموضوعين فلم يبلغ فهمُ مشابهتهما لبعضهما درجة وافية ، بل لا يزال محاطاً بالغموض والشكوك . ويرى أكثر المسلمين مرجع تكوين الفعالية إلى القضاء والقدر الذي لا يدخل فيه جهد الإنسان ، بينما يرون جعل الإنسان الفرد أو المجتمع قارئاً وكاتباً مما يدخل فيه من جهد الإنسان .

4 - وذلك لأنهم يرون القضاء والقدر في مستويين . يرون القضاء والقدر في الأمور التي لا يعلم الناس سننها أكثر بروزاً من الأمور التي تمكَّنوا من السيطرة على سننها . إلا أن تعلُّق القضاء والقدر في الأمور التي يعلم الناس سننها والتي لا يعلمون سننها سواء . فالاستعداد الموجود عند الإنسان لأن يصير قارئاً وكاتباً ، حين يتحول إلى قارئ وكاتب بالفعل ، لا يكون حدث ذلك خارج القضاء والقدر . وكذلك تحويل الاستعداد الموجود عند الإنسان لأن يصير كَلاً أو آمراً بالعدل لا يكون خارجاً عن القضاء والقدر ، بل هو مثل القراءة والكتابة ، ولكن السنن التي تجعل الإنسان كَلاً أو عدلاً لا تزال غامضة .

والمَثَل الذي ضربه عمر بن الخطاب لأبي عبيدة (ذكر هذه الحادثة الإمام البخاري في كتاب الطب) كان يقصد به مقارنة أمر معروفةٌ سننه ، بأمر آخر لم تكن سننه بالوضوح نفسه ، وذلك حين قارن عدم التعرض للوباء باعتباره قضاءً وقدراً ، برعي الجانب الخصب أو الجدب من الوادي حيث لا يشك أحد أنه يرعى في الخصب بينما لم يكن الوضوح نفسه تدخُّل اختيار الإنسان في تجنب الوباء كاختياره الجانب الخصب ولا سيما في ذلك الوقت . ومن هنا تتميز دقة نظر عمر عن سائر الصحابة . وهذه الميزة تحول القدرة على معرفة الأشباه والنظائر المودَعة فيهم بالقوة إلى واقع بالفعل . كما أدرك عمر الشبَّه الموجود بين الرعي في الخصب وترك التعرض للوباء . وهذا ما كان كتبه عمر لأبي موسى الأشعري في وصيته القضائية المشهورة حين قال فيها : « قايِسِ الأمور واعرف الأمثال ، ثم اعمدْ فيما ترى إلى أحبِّها إلى الله» . (عن كتاب أعلام الموقعين جـ 1 - ص 1).

في هذا الموضوع قال الرسول صلى الله عليه وسلم « كُل شيء بقضاء وقَدَر حتى العجْز والكَيس» (أخرجه الإمام مسلم - كتاب القدر) فهذا الحديث جعل الأحداث كلها بالقضاء والقدر وخص بالذكر العجز والكيس حتى لا يظن ظان أن العجز والكيس لهما خصوصية معينة وإنما هما كسائر الأمور التي تحدث ضمن السنن ، والعجز والكيس تعبير عن الكَلالة والعدالة الواردة في الآية .

5 - ولزيادة الإيضاح ولتقريب المشابهة بين سنن تعليم القراءة والكتابة ، وسنن إعطاء الإنسان الفعالية ، علينا أن نستحضر الحالة التي كان عليها البشر قبل أن يعرفوا القراءة والكتابة ، ولقد كان كشف سنن تعليم القراءة والكتابة في تلك الأزمنة أصعب من كشف سنن إعطاء الفعالية في زمننا هذا .

6 - ولزيادة الإيضاح علينا أن نتصور أيضاً ، لو ترك تعليم القراءة والكتابة للأفراد كلٌّ بجهده الخاص ، دون أن يخصص المجتمع مؤسسات لذلك ، لكان إعطاء القدرة على الكتابة والقراءة صعباً أيضاً . وإنما سهَّل ذلك سيطرة الإنسان وتهيئة المؤسسات التي تعطي ذلك مما جعل تحصيل القراءة والكتابة أمراً عادياً سهلاً ، وكذلك الأمر بالنسبة للفعالية ، حين يسيطر الإنسان على سنن إعطائها للأفراد والمجتمع ضمن مؤسسات خاصة وتوجيهٍ عام . وإن كانت الفعالية لها مزاياها الخاصة ، إلا أن كل ذلك خاضع للسنن التي يمكن أن يسيطر عليها البشر كما هو مبسوط في الكتب التي تُعنى بهذه المواضيع والتي تُطبَّق في مجموعات عظيمة من البشر في العالم المعاصر ، مع احتفاظنا بالملاحظة التي ذكرناها حين قارنَّا الفعالية بالأمر بالعدل الوارد في الآية كما سبق في صفحة (6).

7 - ولزيادة الإيضاح ، نأتي بمقارنة أخرى أيضاً فيما يتعلق بتلقين اللغة للأطفال ، ففي كل مجتمع ، يتلقَّن الأبناء لغة الآباء حتى دون شعور بالحاجة إلى مؤسسات ، فكذلك يرِث الأطفال نمط التفكير وأسلوب الحياة من فعالية أو كَلالة ، وإن كانت المؤسسات أيضاً تساهم في رفع مستوى ترقَّي اللغة ، إلا أن جانب المقارنة هنا ، هو القدرة العجيبة التي تصاحِب تلقين اللغة ، حتَّى في اللهجة المعينة الخاصة لكل منطقة معَ وحدة اللغة . فكما يمتصُّ الناشئ اللغة واللهجة المعينة بحيث يستطيع السامع أن يميز الفوارق بواسطة اللهجات ، وكما لكل فرد صوته الخاص مع خضوعه للَّهجة المحلية وخضوعه للغِة العاميَّة . فكذلك يمكن ملاحظة ذلك بالنسبة لتوريث الفعالية وأنماط التفكير . فكما يتلقن الطفل اللغة الخاصة بمجتمعه مع اللهجة ، كذلك يتلقى الفعالية وأنماط التفكير سلباً أو إيجاباً ، مع إمكانية رفع مستوى ذلك بإضافة ميزات المؤسسات . فكما يرث اللغة والفعالية وأنماط التفكير ، كذلك يرِث الدِّين أيضاً كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المولود : « ما » مِنْ مولودٍ إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهوِّدانِه وينصرِّانه ويمجِّسانه … ) أخرجه الإمام مسلم في كتاب القدر

ولا يخطرنَّ في بال أحد ، أن فهم الموضوع بهذا الشكل يُبث إبطال جهد الإنسان في بناء الفرد كما سيأتي بيان ذلك ..

8 - نظرنا إلى الفعَّالية من جوانب فيما يتعلق بالفرد والأسرة والمجتمع والعالم . ولكن يمكن أن يُنظر إلى الفعالية من ناحيتين أخريين : ناحية الزمان ، وناحية المكان ، أي ناحية التاريخ ، وناحية الجغرافيا ، أي أن ينظر في العالم كله إلى الأزمنة التي ارتفعت فيها الفعالية إلى أقصى حدودها ، وكذلك النظر إلى الأماكن التي برزت فيها الفعالية . والذين يبحثون فلسفة التاريخ ، بحثوا الموضوع من هذين الجانبين ، ومع اختلاف نظراتهم وتفسيراتهم ، لم يختلفوا في أن الفعالية في حركة الإنسان لها سببٌ أيضاً ، وأول من نظر إلى هذا البحث على أساس موضوعي ، هو ابن خلدون إذ لم يشك أن أحداث التاريخ لها أسباب ، يمكن أن يلاحظها الإنسان ويؤثر فيها . ومن التفسيرات التي أتى بها المؤرخون:

1 - من قال بأن الجنس هو السبب ، أي أن الحركة التاريخية إنما يقوم بها جنس معين ممتاز عن سائر البشر .

2 - من قال بأن العوامل الجغرافية هي التي تسبب حركة التاريخ .

3 - ومن قال بأن وسائل الإنتاج هي التي تسبب حركة التاريخ .

وهذه نظرات خفَّ الافتتان بها . ونقضها توينبي بتوسُّع وأتى بنظرية (التحدَّي) . إلا أن مالكاً الجزائري بحث في كتبه هذا الموضوع بشكل ردَّ فيه الباعث على الحركة في المجتمعات إلى الشعور (بالخطر الأخروي) وذلك من خلال تتبع الحضارات الباقية على الأرض ..

9 - ونختم مقدمة شروط الفعالية ، بقاعدة لطريقة معرفة الحكم على قيمة فعالية أمَّة ما ، أو قيمة ثقافة أمة ما ، أو قيمة حضارة أمة ما ، وذلك بالنظر إلى جانبين :

1 - المُثُل العليا ، ومقدار موفقة هذه المثل لما يَليق بالإنسان .

2 - مقدار التطبيق الذي يمارسه الفرد والمجتمع ليوافق سلوكه مع تلك المُثُل .

وفي المصطلح الإسلامي يطلَق على الأول الواجبات والمحرمات المنبعثة عن المثل الأعلى ( ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ) النحل - 60 .

ويطلق على الثاني : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أي الأمر بالواجبات والنهي عن المحرمات بمختلف الوسائل ..

ولا يمكن لأي مجتمع ، أن يعيش بغير مُثُل عليا سواء كان مصدرها من الخالق أو المخلوق . وتفاوت المجتمعات يكون على قدر ما في مُثُلها من صواب ، وعلى قدر ما تبذل من جهود لتحقيق ذلك ..

ولعلاقة المثل الأعلى بالتطبيق أربعة أوجه :

1 - مثل أعلى صحيح زائد طريقة صحيحة لبناء الإنسان وفق المثل الأعلى : يساوي حياة صحيحة راقية ربَّانية (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ) النحل - 97 .

2 - مثل أعلى صحيح زائد طريقة خاطئة للبناء : يساوي كما هو حال العالم الإسلامي الآن تخلف وتناقض وعجز ..

3 - مثل خاطئ زائد طريقة صحيحة للبناء ولو باعتبار ما : يساوي حضارة مثل الحضارة الحديثة ؛ عنصريَّي ، حروب إبادة ، تسخير الأشياء لغير صالح الإنسانية ..

4 - مثل أعلى خاطئ زائد طريقة خاطئة : يساوي لا دنيا ولا آخرة . (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ) الحج - 11 .

مع ملاحظة أن الخطأ والصواب في المثل الأعلى وفي التطبيق ، يتفاوت تفاوتاً كلياً أو جزئياً في مقدار الخطأ والصواب ..

ولابن تيمية كلام دقيق في هذا الموضوع (المثل الأعلى والتطبيق) ذكره في كتاب الحسبة في الإسلام قال فيه :

(وكل بني آدم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا باجتماع .. على أمور يجتنبونها لما فيها من المفسدة وأمور يفعلونها ويُطيعون للآمِر بتلك المقاصد والناهي عن تلك المفاسد …

فبنو آدم لا بد لهم من طاعة آمر وناه فمن لم يكن من أهل الكتاب والدين فإنهم يطيعون ملوكهم فيما يرون أنه يعود عليهم بمصالح دنياهم مصيبين تارة ومخطئين تارة أخرى …

وأهل الكتاب متفقون على الجزاء بعد الموت ولكن جزاء الدنيا متفق عليه من أهل الأرض لا يتنازعون أن عاقبة الظلم وخيمة وعاقبة العدل كريمة ولهذا يروى « الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة » … ) .

وكلام ابن تيمية هذا في مستوى رفيع جداً في علم الاجتماع وفِقهِهِ . وفهم الحضارة والثقافة والنهضة على هذه الاعتبارات السابقة توضِّح أسس النجاح في الدنيا منفصلة - ولو باعتبار - عن الآخرة كما توضح أسس النجاح في الدنيا والآخرة معاً . ولكل من المثل الأعلى والتطبيق شروط فمن حققها نجح ، ومن لم يحققها أخفق (وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) النحل - 32 .

10 - وقاعدة أخرى يقررها القرآن ولها أهميتها الخاصة : وهي أن الكون مسخر للإنسان بشرط أن يعرف سننه . والإيمان وحده بواضع السنن لا يؤدي إلى التسخير ، مع تذكُّر أن الاستمتاع بهذا التسخير لا يتم إلا بالإيمان (بَلْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ ) سبأ - 8 . وشرط التسخير مقرر في سورة الإسراء بأن من يريد العاجلة فقط (النجاح في الدنيا) يعجل الله له ما يشاء حسب اتِّباعه لسنن الكون ، وكذلك من أراد الآخرة وسعى لها سعيها (على سنَنِها) كان سعيه مشكوراً . ثم يقول تعالى : (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاء وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ) الإسراء - 20 .

ولإلقاء أضواء على بعض الأفكار الهامة التي تساهم في إعطاء الفعالية للإنسان نذكُر بعضاً منها على سبيل المثال:

1 - نظريَّتا التَّاريخ

يُقصد بالتاريخ : الأحداث التي وقعت في شتى أنحاء العالم ، منذ أن بدأ الإنسان يترك أثراً على الأرض . إلا أن هذا المعنى تطور إلى أن ضَمَّ إلى جانب هذا المعنى معنى آخر ، وهو بحثُ أسباب الأحداث . وربما قُصد به المعنى الأخير بمفرده . ولقد مرَّ زمن لم يكن الناس يفطنون فيه إلى أن أحداث التاريخ تخضع لتوجيه الإنسان ، بل كانوا يرون أن هذه الأحداث لا دخل للبشر في حدوثها ، وإنما يسيَّرها مسيِّر السَّموات والأرض . وهذه هي النظرية الأولى في التاريخ ، وهي النظرية القدريَّة التي لا ترى أثراً لجهد البشر في صنع التاريخ ..

ولكن استخدام القوى الواعية للبشر في تأمُّل أحداث الكون ، أبرزَ شيئاً فشيئاً إمكانية تدخُّل جهد البشر في صنع الأحداث وتسريعها أو إيقافها ، بعد أن عرفوا أسبابها . وكان إدراك البشر لهذا الجانب بطيئاً ، ولم يتوضح مرة واحدة ، ولم ينتشر سريعاً بين الناس ، كما لا يزال معظم البشر ينظرون إليه بشيء من الغموض وعدم الوضوح ..

ومن القواعد المقررة التي لا يمكن أن يلاحظها كل واحد : أنه إذا أردت إبطال جهد الإنسان وإيقافه في أي عمل ، ما عليك إلا أن تقنعه بعدم جدوى هذا العمل ، فبمجرد أن يقتنع الإنسان بعدم جدوى عمله يكِفُّ عن النشاط ويتوقَّف عن العمل . فمن هنا يمكن أن ندرك أهمية الأخذ بإحدى النظريتين السابقتين في إعطاء الفعالية والحركة للإنسان . وليوم حين نسمع في مجتمعنا من يقول لمن يعمل للإسلام : إن هذا الجهد ضائع ، إنما يريد أن يوقف العمل للإسلام . وكل الذين يقعدون الآن عن العمل ، إنما يقعدون معتمدين على مِثل هذا الرأي في عدم جدوى العمل ، وهذا الذي أوقف صنع التاريخ الإسلامي أي الأحداث الإسلامية ، أي بناء الحياة على أساس القواعد الإسلامية . وهنا يمكن أن نتساءل ماذا يقول لنا القرآن في هذا الموضوع وبأي النظريتين يأخذ ؟ حين نلقي هذا السؤال ، ماذا يخطر في بال المسلم أن يكون عليه القرآن ؟ وينبغي أن يكون هذا الموضوع من الوضوح بحيث لا تبقى حاجة لطرح مثل هذه الأسئلة . إلا أن صِلتنا الحالية بالقرآن التي تشبه صلة أهل الكتاب بالتوراة والإنجيل والتي أشار إليها الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث زياد ابن لبيد ، هي التي تجعل ماسَّة إلى طرح مثل هذه الأسئلة ..

والقرآن يشغل من قصص الأمم السابقة ، جانباً عظيماً موضحاً فيها أسباب هلاك الأمم ودمارها ، وأن ذلك كان لترك الاعتبار بالأحداث ، وأنهم لم يجتنبوا أسباب الهلاك والدمار . وإلحاح القرآن في هذا الجانب ليس له نظير في أي كتاب علمي في الحثَّ على الأخذ بنظرية تدخل جهد الإنسان في إمكان توجيه أحداث التاريخ .

ولكن هذا الجانب في القرآن ، جانب تدخل جهد الإنسان في أحداث التاريخ صار مهملاً عند المسلمين كسائر الآيات التي قال الله عنها : (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ) يوسف - 105 . وهكذا قال عن آيات القرآن : (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) محمد - 24 . وقال تعالى (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) القمر - 17 . وقال : (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ) ص - 29 . ويقول الله « أهلكناهم - بما ظلموا - بِبَغيِهم - بكفرهم - بما كانوا يفسقون - بما كانوا يظلمون - بما عَصَوا وكانوا يعتدون - قدَ خلَت مِن قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ، هذا بيانٌ للنَّاس وهدى وموعظةٌ للمتَّقين(1) » ولا معنى للأمر بالسير في الأرض ، والنظر في عاقبة المكذبين ، إن لم يكن في قدرة البشر اجتناب أسباب هلاكهم ، فهذا معنى تدخل جهد البشر في صنع أحداث التاريخ ، وذلك بالتزامهم لسنن معينة وتركهم لأعمال خاصة .

وكذلك يقول الله : « لعلكم تتفكَّرون - لعلكم تعقلون - لعلكم تتقون» ويقول : « أفلا تسمعون - أفلا تُبصرون - أفلا تعقلون» كل هذه الآيات تقرر أهمية وأولوية جهد البشر في سير أحداث التاريخ . بل القاعدة العظيمة في منطلق تغيير أحداث العالم متضمَّنة في قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) الرعد - 11 . فهذه الآية جعلت تغيير أحداث العالم مرتبطة بما في أنفس الناس ، وأن الناس هم الذين يغيرون ما بالأنفس كما هو صريح نص القرآن (حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) .

ولسنا في حاجة للإكثار من الآيات في هذا الموضوع ، فالقصة والتوجيهات في القرآن ، متضمنِّة هذا المعنى ..

ولكن قد تشتبه على من يقرأ القرآن ، نقطة أساسية لأن الله يتحدث أحياناً عن حتميَّة هلاك أقوام أو ضلالهم ، وعدم إمكان رفع الهلاك والضلال عنهم كما قال : (وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ) الكهف - 17 . وهذا مُستَنِد إلى الأسباب التي تراكمت حتى صار الهلاك ، وحصول نتيجة هذه الأسباب حتماً مثل الضغط على الزناد حيث يفلت من يد الإنسان التحكُّم بالقذيفة بعد الضغط على الزِّناد . ولكن ليس معنى هذا أنه لم يكن له اختيار في الضغط على الزناد . فمن هذا الجانب ، يمكن أن يُنظر إلى التاريخ على أساس حتمي وقدري وهذا النظر يُغفِل تدخُّل جهد الإنسان في أحداث هذه النتائج الحتمية .

والخلاصة :

إن صنع الأسباب يكون بالاختيار لا بالحتم . ولكن حدوث النتائج حتْم . فبهذا الشكل صار الإنسان مسيطراً على الحتم ، كما أن الإنسان حين يَغفُل عن سنن الله ، فإن سنن الله لا تغفل أن تأخذ طريقها دون شعور من الإنسان الغافل . وحينئذ لن يتمكن الإنسان أن يرى للتاريخ أسباباً ، وإنما يرى أحداثاً حتميَّة ، لا دخل لجهد الإنسان فيها . فمن هذه النظرة تنشأ القدريَّة ..

ويتبين مما قدمن أن القرآن يؤكد تدخل جهد البشر في صناعة أحداث التاريخ . وبمقدار وضوح هذه الحقيقة في آيات القرآن فإنها غامضة بالنسبة للمسلمين . وهذا الغموض حمل الأستاذ قطب رحمه الله - الذي جهد واجتهد في بحث مشكلات المسلمين - على أن يخصص مؤلفاً في هذا الموضوع وهو كتاب (هذا الدين) في تحديد صلة الإنسان بالواقع التاريخي :

« هناك حقيقة أولية عن طبيعة هذا الديِّن وطريقة عمله في حياة البشر . حقيقة أولية بسيطة مع بساطتها كثيراً ما تنسى ، أو لا تدرك ابتداء . فينشأ عن نسيانها أو عدم إدراكها خطأ جسيم في النظر إلى هذا الدين : حقيقته الذاتية وواقعه التاريخي ، حاضره ومستقبله كذلك .

إن البعض ينتظر من هذا الدين ما دام منزلاً من عند الله ، أن يعمل في حياة البشر بطريقة سحرية خارقة غامضة الأسباب ! ودون أي اعتبار لطبيعة البشر ولطاقاتهم الفطرية ، ولواقعهم المادي في أي مرحلة من مراحل نموِّهم ، وفي أية بيئة من بيئاتهم .

وحين لا يرون أنَّه يعمل بهذه الطريقة ، وحين يرون أن الطَّاقة البشرية المحدودة ، والواقع المادي للحياة الإنسانية ، يتفاعلان معه فيتأثران به - في فترات - تأثراً واضحاً ، على حين أنهما في فترات أخرى يؤثران تأثيراً مضاداً لاتجاهه …. وحين يرون هذا فإنهم يصابون بخيبة أمل لم يكونوا يتوقَّعونها ، أو يصابون بخلخلة في ثقتهم بجدية المنهج الديني وواقعيته ، أو يصابون بالشك في الدين إطلاقاً .

وهذه السلسلة من الأخطاء تنشأ كُّلها من خطأ واحد أساسي : هو عدم إدراك هذا الدين وطريقته أو نسيان هذه الحقيقة البسيطة الأولية » ..

وقال في مكان آخر مبيناً أهمية هذه الحقيقة :

« والمعرفة بهذه الحقيقة ذات أهمية قصوى فهي تعطي البشرية أملاً قوياً …. فهي صورة من شأنها أن تزيد من ثقة البشرية بنفسها …. أن تبلغ ذلك المستوى الإنساني الرفيع الذي بلغته مرة في تاريخها فهي لم تبلغه بمعجزة خارقة لا تكرر . وإنما بَلغَته في ظلِّ منهج من طبيعته أن يتحقق بالجهد البشري وفي حدود الطاقة البشرية » (سيد قطب ، هذا الدين ، ص : 3 – 4).

ولما خفيت هذه الحقيقة ، وهي (دور الإنسان في صناعة التاريخ) في رسالات السماء كما سبق أن ذكره ذلك الكاتب بمرارة وأسى . فعند عدم إدراك هذه الحقيقة البسيطة الأولية أو نسيانها عند من يؤمنون برسالات السماء ، ضلَّ من ضلّ لأنه مع تقدم العلوم ظهرت هذه الحقيقة - حقيقة (تدخل الجهد البشري في صناعة التاريخ ) - لقوم حدث لهم ردُّ فعل نفوري من المتديِّنين ، فكتبوا في هذا الموضوع وكأنهم كشفوا شيئاً جديداً امتازوا به عن سائر الخلق وسمُّوا هذه النظرية بأسماء مختلفة كالفلسفة الوضعية ، والمادية الجدلية ، والمادية التاريخية ، والديالكتيكية ، ..

كما هاجموا المتديِّنين ورسالات السماء وكل النظم المثالية ، واعتبروها معطلة لأثر جهد الإنسان في أحداث التاريخ . ولقد ابدؤوا في هذا وأعادوا كثيراً . وعظمت البليَّة بذلك فظن كثير من الناس الذين لم يدركوا هذه الحقيقة في طبيعة الدِّين أو نسوها ، أن العلم والوعي وتقدير جهد الإنسان ومكانته في صنع الأحداث ، كل ذلك مخصوص بأولئك الذين نظروا إلى التاريخ النظرة المادية .

وفهم أحداث التاريخ بهذا الشكل الذي يتدخل فيه جهد البشر ، يساهم مساهمة كبيرة في إيجاد شرط أساسي من شروط الفعالية ؛ وذلك لأن هذه النظرة لا تؤدي إلى نتائج نظرية فحسب ، بل تتدخل في تكييف سلوك الإنسان أمام الأحداث وتضع الإنسان في المكان المناسب له في هذا الكون . وتشعره بكرامته حيث سخر الله له هذا الكون .

ويقول جلال الدِّين الرومي في هذا المقام مخاطباً الإنسان : ( إن خدمتك مفروضة على جميع الكائنات . هل يجرؤ أحد أن يساوم هذا الإنسان الغالي ويُنِّي نفسه بشرائه : يا مَن مِنْ عبيدة العقل والحكمة والمقدرة لا محلَّ للمساومة فقد تمت الصفقة : ( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ ) التوبة - 111 فإن الشيء لا يباع مرتين ) .

2 – المبِّرر

إن مِن شروط الفعالية حدوثَ شعور للإنسان أنه يملك شيئاً أن يقدمه للآخرين ، وهم بحاجة إليه . فحدوث هذا الشعور عنده يكون سبباً لفعاليته ونشاطه . ويمكن أن يتضح ذلك إذا نظرنا إلى العكس : وهو أن الإنسان إذا لم يكن عنده شيء يقدمه للآخرين ، أو على الأقل يُشعره بمساهمته معهم ، يصيبه الانطواء والخمول ، بل قد يبلغ به الأمر إلى درجة أن يفقد كل مبرر لوجوده مما يؤدي إلى الانتحار أحياناً . ويمكن أن يلاحظ ذلك في أدق الأعمال وأيسرها . وكما ذكرنا سابقاً يلاحظ في الإنسان الذي يحسن شيئاً يحتاج إليه الآخرون حيث يُشعره ذلك بقيمته . ويجعله فعالاً في بيانه وتطبيقه . هذا في المستوى الفردي والعمل البسيط ، ويمكن أن يرى ذلك في مستوى المجتمعات والحضارات الكبرى . فإن المسلمين حين انطلقوا بأقصى توتر في الفعالية شهده العالم كانوا يشعرون بأن الله ابتعثهم ليقدموا للعالم حقيقة هذا الدين الذي يكرم الإنسان ويخرجه من ذل العبودية . فكان أصغر جندي في عسكرهم يشعر بهذه المهمة حين كان يقول معبراً عن مهمته بأنه مستنفر لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد .

بينما المسلم الآن لا يدرك أنه يملك شيئاً يقدمه للعالم ، أو العالم بحاجة إليه ، ولن يتأتَّى للمسلم هذا الشعور إلا إذا عرف جيداً مشكلات العالم وما يعانيه ، وحقيقة ما يمكن أن يقدمه الإسلام لهذا العالم ..

وحتى العالم الغربي لم تحدث لديه الفعالية ، إلا بعد أن شعر أنه موضع عناية القدر ، وأنه يملك ما لا يملكه أحد من الناس من العلم والفهم للحياة .

والمسلمون إزاء هذا ينقسمون إلى قسمين في هذا الزمان : قسمٌ أصابه اليأس من أن يوجد في الإسلام شيء يمكن أن يكون العالم في حاجة إليه ؛ فهو مُعرض عن الإسلام ومتطلِّع إلى غيره لِسترفد منه ما يكمل به نفسه . وقسم آخر اعتاد أن يحفظ كلمات في مدح الإسلام ، وأن ينسب إليه كل الصفات الجيدة ، دون أن يتمكن من أن يحلَّ بواسطة هذا الإسلام الذي يمدحه مشكلاته البيتية فضلاً عن أن يرتفع إلى مستوى حل المشكلات العالمية . بل ينعكس عجزه الداخلي بصورة أكبر في المستوى العالمي ، وهذا دليل أن ما يكيله للإسلام من مدائح إنما هو تعويض سيئ عن عجزه في أن يحول مبادئ الإسلام إلى حقائق واقعية .

فإذا تحقق الإنسان من أهمية جهده في صنع أحداث التاريخ ، وأدرك في جانب ذلك ، أنه يملك الشيء الذي يفتقده العالم للتغلُّب على مشكلاته ، أصبح قادراً على أن يكون آمراً بالعدل ، وشعوره هذا شرط أساسي لذلك . فإن من لا يفهم أن يملك أفكاراً عادلة وأعمالاً صالحة ، يمكن أن يخرج بها الناس من الظلم والظلمات ، لا يمكن أن يكون آمراً بالعدل . ولهذا كانت مهمة الرسالات (إخراج الناس من الظلمات إلى النور ) ..

وينبغي أن لا يفوتنا الفارق بين أن يكون العدل مسجلاً في الكتاب ، وبين أن يَصير الإنسان قادراً على إخراج الناس من الظلمات إلى النور وهذا ما حذَّر منه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث زياد بن لبيد إذ أن صيرورة الأمة إلى عدم انتفاعها بشيء مما في كتابها ، خاضعة لسنَّة ويمكن لجهد البشر أن يتدخل فيه .

فإذا توفر إدراك أثر جهد الإنسان والمبرر لأمة من الأمم ، يكون ذلك سبباً في ارتفاع درجة الفعالية التي تشيع في جميع أفراد الأمة من صغيرها إلى كبيرها ، ومن رجالها إلى نسائها ، فإن هذه المفاهيم كالغيث إبَّان الربيع ، يساهم في تحريك النباتات والبراعم في كل مكان ..

3 - ( رَغَبَاً ورَهَبَاً )

من الحقائق الثَّابتة أن الإنسان في حركته ، يسعى لخير يجلبه أو لشر يدفعه . وكلٌّ منهما في درجات متفاوتة : فقد يكون الخير الذي يطلبه أكلة يصيبها أو نصراً كبيراً يحرزه في معركة حاسمة ، أو ( جنة عرضها السماوات والأرض أُعدت للمتَّقين ) ، فيها ما لا عين رأت ، ولا أذنٌ سمعت . وقد يكون الشر الذي يحذر منه أكلة تفوته أو معركة كبرى يخسرها أو ( ناراً وقودها الناس والحجارة ) ..

وفعالية الإنسان وتوتُّره ، يكونان في أقصى مداهما كلما كان يقينه صادقاً فيما يطلبه ، وكلما كان ما يطلبه عزيزاً ، وما يهرب منه شراً كبيراً ، وهذا ينطبق على كل عمل يقوم به الإنسان من العناية التي يبذلها الطالب في أداء وظيفته المدرسية ، إلى المصابرة والمرابطة في القتال . ولهذا لما سوى الله بين الناس في الرغائب التي يطلبونها والمخاوف التي يهربون منها ميَّز المؤمنين بأن رغائبهم ومخاوفهم تتعلق بأشياء لا يملكها غير المؤمنين . فقال تعالى : ( إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ) النساء - 104 .

ولا بد من التوازن الصحيح بين الخوف والرجاء ، لأن كلاً منهما إن زاد عن حده انقلب إلى ضده فتتحول شدة الخوف إلى اليأس ، كما تتحول غَلَبة الرجاء إلى الأمن والغرور . وكل منهما يبطل الفعالية ويهبط من مستوى التوتر . وكل منهما مذموم في القرآن أشد الذم ( إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ ) يوسف - 87 ، ( فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ) الأعراف - 99 .

وإذا نظرنا إلى المسلمين بهذا المنظار نجدهم على طرفي نقيض :

فإما أن تجد الذي بلغ به اليأس إلى حدٍّ لا يخطر له رجاء في عودة الحياة الإسلامية بجهد الناس ..

وإما أن تجد الذي بلغ به الأمن والطُّمأنينة في أن المسلمين ليسوا محاطين بشيء من الأخطار ولا أن أبناءهم انصرفوا عن دينهم … فهو يكرر القول الشائع بأن (أمة محمد بخير) دون أن يدرك معنى لما يقول . وهذان الصنفان من الناس ، هما الشائعان وقلَّ أن تجد الإنسان الذي يشعر بالخطر الحقيقي ، ويدرك الأمل الصحيح في النجاح . فهذا التوازن نادر في المسلمين ، وهذا ما يجعل المسلمين لا فعالية عندهم لأن منهم من لا يشعر بالخطر ، ومنهم من بلغ به الشعور بالخطر إلى درجة اليأس بحيث يظن أنه لم تعد هناك فائدة من الحركة ، كما لا يشعرون بالفرص التي تفوتهم وهم قابعون ينظرون إلى الأحداث بعيون التماسيح الغافية ، كأن الأحداث لا تعنيهم ، وكأن إرادتهم لا صلة لها بتوجيه الأحداث .

وعلى هذا فكل جهد يبذله الفرد والمجتمع لتنبيه الناس إلى الخطر المحدِّق بهم وإلى العمل الذي يمكنهم به أن يدفعوا عن أنفسهم هذا الخطر ويحققوا به أملهم يكون مساهمة فعالة في إيقاظ روح العمل والحركة في الفرد والأمة . ويفيدنا أن نعرف ، أن قيمة العالم الإسلامي الآن في الزيادة والنقصان : متكونة من اللحظات التي يبذل فيها كل فرد مسلم جهده الواعي في سعيه إلى ابتغاء رضوان الله رغباً ورهباً ..

ومن طبيعة الحياة أن يتغلب الحق على الباطل فإذا فهم الإنسان هذا فلا يمكن أن حول أحد دون أن يؤدي الإنسان ما يخصُّه من واجب إحقاق الحق . ولا يشترط أن يصل الفرد إلى إحقاق الحق كله بمفرده ، ولكن مع ذلك لن يتمكَّن أحد من أن يمنعه أن يؤدي واجبه الذي يخصه ، فهو إن لم يستطع أن يعيش على الحق فلن يستطيع أحد أن يسلبه حريَّة الاختيار في الموت على الحق ، فيظل الفرد إلى نهاية حياته يملك فرصة أن لا تفوته الحياة إلا وقد أدى واجبه . وكلما ازداد وعي الفرد واستخدم طاقته الخاصة في فهم الحقائق ، كلَّما أمكنه أن يرفع من مستوى مشاركته في إحقاق الحق ..

ومن هنا يتبين لنا أن كل لحظة يبذل فيها الفرد المسلم واجبه يساهم في بناء الحياة الإسلامية . كما أن الذل الذي يعيشه العالم الإسلامي متكون من أجزاء الهوان الذي يحمله كل شخص من المسلمين ومن الجهد اليومي والآني الذي يتخلف فيه المسلم عن أدائه . سواء كان في القيام بالواجب إزاء نفسه أو مساعدته الآخرين في أن يرتفعوا بأنفسهم . ولقد أحسن في التعبير عن هذا المعنى مالك الجزائري حين قال :

« إن صنع التاريخ يبدأ من مرحلة الواجبات المتواضعة في أبسط معنى الكلمة والواجبات الخاصة بكل يوم بكل ساعة ، بكل لحظة لا في معناها المعقد كما يعقِّده أولئك الذين يعطلون جهود البناء اليومي بكلمات جوفاء وشعارات كاذبة يعطلون بها التاريخ بدعوى أنهم ينتظرون المعجزات والساعات الخطيرة » (مالك بن نبي ، وجهة العالم الإسلامي).

وهذا ما ينبهنا الله تعالى إليه في قوله : ( وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) يونس - 61 .