الإنسان كلاً وعَدلاً الفصل الأول

من Jawdat Said

مراجعة ١٠:١٧، ١٧ أغسطس ٢٠٠٩ بواسطة Admin (نقاش | مساهمات)

(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

الإنسان، كلاً وعدلاً


Alensan.gif
تحميل الكتاب
مقدمة وتمهيد
مقدمة
مدخل
الفصل الأول
الفعالية في مستوى الفرد
الفعَّالية في مستوى الأسرة
الفعالية في مستوى المجتمع
الفعالية في مستوى العالم
الفصل الثاني
شروط الفعالية
نظريَّتا التَّاريخ
المبِّرر
رَغَبَاً ورَهَبَاً
خاتمة



الفعالية

للاقتراب من معنى الفعالية أكثر ، يمكن أن نعرِّفها : بقدرة الإنسان على استعمال وسائله الأولية ، واستخراج أقصى ما يمنك أن يستخرج منها من النتائج . وهذا هو معنى الفعالية ؛ وبعكس ذلك فإن اللافعالية هي : أن يكون الإنسان عاجزاً عن استخراج النتائج التي يمكن أن يحصِّلها من الوسائل المتاحة له فهذا هو الكَلّ .

ولزيادة الإيضاح يمكن أن نضرب للفعالية أمثلة في مستويات مختلفة : مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والعالم .

1 - بيان الفعالية في مستوى الفرد

مما يمكن أن يقع تحت ملاحظة كل أحد ، أن الأفراد يتفاوتون في مقدار فعاليتهم أي في الاستفادة من الوسائل المتاحة لهم . قد نرى فرداً مع أن وسائله وإمكاناته مِثل فرد آخر ، إلا أن أحدهما نجده متفوقاً في الاستفادة من الوسائل المتاحة له . سواء في الاستفادة من وقته ، أو ماله بل حتى من قلمه الذي يكتب به ، ومن حذائه الذي يلبسه ، ومن الحقيبة التي يحملها ، سواء كان ذلك في اختيار النموذج الجميل أو في طريقة الاستعمال والصيانة ، وما إلى ذلك من جوانب متعددة يمكن أن نرى فيها أقل قدر ممكن من التبديد وأكثر قدر من النتائج . والميزة بين الفعال واللافعال : هو ما بين الشخصين من فرق في التبديد ، أو التحصيل للنتائج الجيدة سواء منها المادية أو المعنوية .

والفعالية وعدم الفعالية كما جاء في الآية الكريمة تَعُمُّ كلَّ أجزاء الحياة بحيث يصير الإنسان في حالة ( أينما توجهِّه لا يأت بخير ) . كما يصير في حالة أخرى أينما تَوجَّه يأت بخير ويأمر بالعدل ، وهو على صراط مستقيم فإذا كانت الفعالية - الأمر بالعدل - تعُمُّ جميع مظاهر الحياة فهي تظهر في ساعة من الوقت يقضيها الإنسان ، وفي كمية من المال يستخدمها وفي آية من القرآن يتعلَّمها ، وفي قطعة من الأرض يستثمرها … الخ .

فالساعة من الوقت بالنسبة للإنسان الفعال لها قيمتها حتى إن الساعة التي يظن أنَّه لا يمكن استخدامها في شيء ، فإن الإنسان الفعال يستخدمها في شيء نافع . فالزمن زمن بالنسبة لكل إنسان . ولكن بالنسبة للإنسان الفعال زمن تتولد فيه حقيقة من حقائق الحياة ، ولحظات تنبض بالحيوية ، لا لحظات خامدة ميتة ، لهذا مما يَشُقُّ على الإنسان أن يسأل يوم القيامة (عَنْ عُمره فيم أفْناهُ ؟) .

وهكذا شأن الإنسان الفعال في المال ، فكمية من النقد في يد الإنسان الفعال يمكن أن تقضي حاجات أساسية وتعطي أثراً . بينما يظل النقد في يد الكَل كمَّاً مهملاً لا يقضي حاجة ، ولا يعطي ثمرة ، فالنقود في يده إما خامدة ساكنة وإما بائرة خاسرة . ومن هنا نعلم أن المال ليس المصدر لفعالية الإنسان ، ولكن الإنسان الفعال هو الذي يجعل المال فعالاً . ومن الخطأ أن نفهم القضية على غير ذلك فنكون بذلك سترنا مرض التخلُّف الذي عند الإنسان بستار الفقر ، بينما المشكلة (مشكلة تخلف الإنسان) سواء كان غنياً أو فقيراً ، وليست مشكلة غنى أو فقر ، ولهذا علق رسول الله صلى الله عليه وسلم فعَّالية المال بفعالية الرجل حيث قال : « نِعمَ المالُ الصَّالحُ للمرءِ الصَّالح ». أخرجه الإمام أحمد عن عمرو بن العاص ، وهو حديث صحيح

والآية من القرآن مع الإنسان الذي يأمر بالعدل (الفعَّال) تتحول إلى حقيقة حيَّة متحركة تنبض بالحياة والحيوية ، وتتحول إلى سلوك مرئي يوحي إلى الآخرين بالسلوك الحي . والإنسان الفعال يضع الآية في مكانها المناسب فكأنها تنزل الآن . بينما الإنسان الكَلّ ، ترى الآية القرآنية في فمه لا صلة لها بحياته العملية ، كما تجده يضعها في غير مواضعها ..

والإنسان الكَلّ (اللافعال) يطبع صورته على الأرض التي يعيش عليها ، فستستطيع أن تعرف من خلال رؤيتك لقطعة الأرض التي يمتلكها إنسان ما ، فعَّالية ذلك الإنسان وعدم فعاليته ، حيث تكون أرض الإنسان الفعال عليها نضارة الحياة بخضرتها وتنسيقها وتربيتها ، كما يمكن أن ترى أرض الإنسان الكَلّ أرضاً مًواتاً لا تنبض بحياة ولا تشاهد فيها نظاماً ، كما لا يُحصَّل منها ثمراً . فالفعالية إلي أي مكان توجَّهت تأتي بالخير ، وإذا دخلت الفعالية في الإنسان فلا تدع شيئاً مما يتصل به إلا وتسري فيه ..

2 - بيان الفعَّالية في مستوى الأسرة

وكما لاحظنا الفعالية في الفرد كذلك يمكن ملاحظتها في مستوى الأسرة : كأن تكون أسرتان وسائلهما متساوية في الدخل وفي عدد الأشخاص . وقد تكونان في الحي نفسه ، والعمل نفسه .. الخ ومع ذلك تتفاوتان جداً في حياتهما الداخلية ونظام اقتصادهما ، والنواحي التي تعطيان لها الأولوية في إنفاقهما . فقد تجد عند إحداهما حُسنَ الترتيب في مسكنها وجودة الغذاء في مأكلها ، وحُسنَ العشرة في معاملتهما مسكنها وجودة الغذاء في مأكلها ، وحُسنَ العشرة في معاملتها مع من تختلط بهم ، بينما تجد الأخرى عكس ذلك ؛ مع ملاحظة إمكان اختلاف المستويات بالنسبة لمجتمعين مختلفين كأن يكون الفعال في مجتمع ما مساوياً لما يعتبر كلاً في مجتمع آخر ..

وفعالية الأسرة وأمرها بالعدل ، يظهر في سلوك أطفال الأسرة وأسلوب حياتهم في ملابسهم ، وأسلوب حديثهم ، ولطف معشرهم ، وحسن خلطتهم واعتدالهم في مشيهم . وإنَّ وصايا لقمان لابنه تتحول إلى حقيقة واقعة في الأسرة الفعالة (الآمرة بالعدل) لأن هناك من أساليب العطاء أسلوباً يوحي للطفل بتمثيل السلوك والحرص عليه . فتبذل الأسرة كل جهد في تحقيق وصايا لقمان :

( يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ . وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ . وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) لقمان : 17 - 19 .

فإن تحويل الطفل إلى ممثَّل لهذه الحقائق يحتاج إلى بذل جهود لا تُحصى ، وهذا يختلف طبعاً عن تعليمه ألفاظ هذه الآيات . إذ كل جهد من الأب والأم والإخوة والجيران ، يساهم في جعل هذه الأمور حية في أعماق الطفل أو ترك أعماقه خاوية من كل معنى .

3 - بيان الفعالية في مستوى المجتمع

وإذا كنا نلاحظ فرقاً في ارتفاع درجة الفعالية وانخفاضها في مستوى الأفراد ومستوى الأسر بالنسبة لمجتمع واحد ، فإن إمكانية ملاحظة ذلك الفرق في مستوى المجتمعات في فعالية مجتمع ما بالنسبة إلى فعالية مجتمع آخر أشد وضوحاً . ولقد صار العالم الآن منقسماً إلى مجتمعين المجتمعات الفعَّالة وتسمى المجتمعات المتقدَّمة ، والمجتمعات غير الفعالة وتسمى المجتمعات المتخلِّفة مع تفاوت في درجة تقدمها أو تخلُّفها . وإن كنَّا بيَّنا معنى فعالية الفرد ، فإننا سنضيف هنا الشيء الذي يُطلق عليه (فعالية المجتمع) في المصطلح المتداول عند الباحثين : وهو المجتمع الذي نظَّم نفسه وتمكَّن من القضاء على المشاكل الأساسية فلا يتعرض لمجاعة ، ولا لاجتياح الأوبئة ، ولا لبقاء أميِّين بين أفراده ، كما لا يتعرض للاستعمار ، ولا لعمليات انقراض بالجملة بفعل القنابل الذرية ، ولا لتقسيم الناس إلى مستكبرين ومستضعفين .

وفعالية الفرد والمجتمع لها أهميتها الخاصة واعتبارها وقيمتها ، كما يمكن أن ننظر إلى الفعالية منفصلة ولو باعتبار ما عن الإيمان . وهذا الفهم يمكن أن نلاحظه في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم . لما سئل عن أكرم الناس فبين في جوابه أن « النَّاس معادن ، خيارُهُم في الجاهليَّةِ خيارُهُم في الإسلام إذا فَقِهُوا » . البخاري - كتاب المناقب - الحديث الخامس . فهذا الحديث يشير إلى نوع من الخياريَّة يستمر امتداده إلى الإسلام . وهذا واضح في شخصية عمر وخالد حيث كان كل منهما فعالاً في الجاهلية فازداد فعالية في الإسلام ، وهذا الأمر وإن كان ظاهراً في موضوع الفرد ، إلا أنه يمكن ملاحظة ذلك بالنسبة إلى المجتمع أيضاً . كأن يكون مجتمع خيراً من مجتمع ، لا بالفطرة والاستعداد ، ولكن بالتَّربية والصفات المكتَسبة . ويمكن أن نفهم قوله تعالى : ( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) الأنعام - 124 ، على هذا الأساس سواء بالنسبة للفرد الذي نزلَ عليه الكتاب ، أو المجتمع الذي نزل فيه . دون ردِّ هذا الشيء إلى أصالة في الجنس ؛ وإنما إلى خياريَّة حدثت ضمن شروط تاريخيَّة وظروف معينة . وفي الآية ردُّ على اعتراضين : اعتراض القريشيين في اختيار الفرد حيث قالوا : ( لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) الزخرف - 31 . واعتراض اليهود في اختيار المجتمع حيث لم يكن منهم .

ثم إن فعالية المجتمع ليست شيئاً ثابتاً . وإنما هي أمر معَّرض للتقلُّبات والتغيرات فقد يتحول مجتمع متخلف إلى مجتمع فعال ، كما يحصل العكس ، كما حدث ذلك في المجتمع الجاهلي حين تحوَّل إلى مجتمع إسلامي فعال (يأمر بالعدل) ، ثم كيف تحول هذا المجتمع الإسلامي الفعال إلى مجتمع متخلف كئيب (كَلٍّ) . وهذا التحول من الفعالية إلى العجز بالنسبة لمجتمع واحد في مرحلتين من مراحل تاريخه ، أو بالنسبة لمجتمعين في مرحلة واحدة : هو الذي كان موضع عناية الرسول صلى الله عليه وسلم كما هو واضح في جملة أحاديث من تخوّفه على الأمة من مثل هذا التحوّل ، إلا أن ذلك لم يكن واضحاً للكثيرين من الصحابة كما يتبين ذلك من موقفهم من تلك الأحاديث .

ومن الأحاديث التي يبرز فيها هذا المعنى بوضوح وهو تحوّل المجتمع من فعال إلى عاجز . (حديث القصْعة) حين قال الرسول صلى الله عليه وسلم منبئاً عن تحول المجتمع : « يُوشِكُ الأممُ أن تَداعى عليكُم كَما تَداعى الأكَلَةُ إلى قصْعتها » فتعجب الصحابة من هذا القول ، ولم يمكنهم أن يفهموا كيف يمكن أن يحدث ذلك . إذ من عادة الإنسان غالباً أن يتصوَّر استمرار الحالة التي هو فيها ونسيان الحالة الماضية ، وهذه الطبيعة الإنسانية متفاوتة الدرجات عند الناس . ومما يدخل في هذا الموضوع ما يذكره الله تعالى من أن الإنسان (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ، ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ ) الزمر - 7 . وتفاوتُ الناس في هذا كتفاوتهم في الإيمان ، إلا أن هذا الجانب الاجتماعي والتاريخي الذي يتجول ببطء سواء في تكونه ، أو في زواله ليس من السهل أن ينتبَّه إليه كل أحد ، وهذا ما كان يجعل رسول الله يُنَبِّه إلى تحول الحال في الأجيال المتتابعة ، وعلى هذا قوله : « خير القرون قَرْني ثم الذين يلونهم .. ». البخاري - كتاب المناقب - باب فضائل الصحابة. فهذا الحديث يشير إلى جزء من مرحلة . وهو كيفية التحول من الفعالية إلى العجز على مر القرون ولكن هذا جانب من عملية دورة المجتمع لا يفهم منه قط أن يستمر هذا الانحدار كما جاء في الحديث الآخر حين « سُئل صلى الله عليه وسلم أَوَ لَيسَ بعدَ ذاكَ الشَّرِّ مِن خير ؟ فقال : نعم .. » وهذا دليل خضوع التحول للسنن ولتدخل جهد البشر في تعجيله أو منعه سلباً وإيجاباً .

نرجع إلى حديث القصعة حيث تعجَّب الصَّحابة من قول الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يمكنهم أن يفهموا الموضوع إلا من جانب معين أشاروا إليه بوضوح حين قال قائل : « أَوَ مِن قلةٍ نحن يومئذ يا رسول الله ؟ » فهنا نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم السبب الذي فسروا به العجز الذي يصيب المسلمين ، حيث فسرَّه الصحابة بقلَّة العدد ، فنفى لهم رسول الله ذلك ، وقال : « بلْ أنتم يومئذٍ كثير » فنفى قلة العدد التي فسر بها الصحابة الوضع ، وأثبت جانباً آخر وهو جانب نوعية الإنسان وحالته في الفعالية حين نسب العجز إلى الغثائية فقال : « ولكنَّكم غُثَاءٌ كغثاء السَّيل » ، وزاد في شرح ذلك حين نسب هذا الوهن إلى القلب وساقه إلى منبعه الأساسي وعلّته الأولى ، وهو النظر الخاطئ الذي يجعل الإنسان يستكين إلى الدنيا ويطمئن إليها دون تمييز بين حياة الذل وحياة الكرامة « وَلَيَنزعَنَّ الله من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكُم وَلَيقذِفّنَّ في قلوبِكُمُ الوَهنَ . فقال قائل : يا رسول الله وما الوهَن ؟ قال حبُّ الدّنيا وكراهيةُ الموت » أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم رقم 4129. فهذه النظرة الشَّائكة تزين الحياة ، أيَّ حياة كانت كما قال الله عن قوم استكانوا إلى الدنيا : ( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ) البقرة - 96 .

والخلاصة : حين يفقد الإنسان شيئاً يستحقّ أن يبذل نفسه من أجله فقدْ فقَدَ أساس الفعالية وغرق في أساس الكَلالة والوهن ، سواء كان هذا الذي يبذل نفسه من أجله حقيقة يستحق ذلك أو لا يستحق ، إذ المهم أن تحدث لديه القناعة في أنه يستحق .

ومما يتصل بهذا الموضوع حديث زياد بن لبيد قال : « ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فقال : وذاك عندَ ذهابِ العلم ، قلنا يا رسول الله : وكيف يذهب العلم ؟ ونحن قرأنا القرآن ونقرئه أبناءنا وأبناؤنا يقرئون أبناءهم فقال : ثَكِلَتك أمُّكَ يا ابن لبيدٍ إن كنتُ لأراكَ من أفقَهِ رجلٍ بالمدينة أوَ ليسَ هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل ، ولا ينتفعون مما فيهما بشيء ؟ » .

فأصل موضوع هذا الحديث هو التنبيه إلى تحول المجتمع إلى حالة من العجز والوهن والكلالة بحيث لا يعود يستفيد من الوسائل التي بين يديه في تحصيل أحسن النتائج منها ، فهذا الوضع هو الذي يشير إليه الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن مرة أخرى لم يفطن بعض الصحابة إلى فهم الموضوع الذي أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم بل اعترضوا عليه واستبعدوا أن يحدث الشيء الذي قاله ، وعلى ضوء مفهومهم أتوا بالدليل الذي ينقض في نظرهم الحالة التي أشار إليها الرسول صلى الله عليه وسلم وقالوا : يا رسول الله كيف يذهب العلم ؟ وفسروا عدم ذهاب العلم بأنهم سيعلِّمون أبناءهم القرآن وأبناؤهم يعلمون أبناءهم وهكذا . ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يضرب لهم مثلاً واقعياً معاصراً لهم واقعاً تحت أبصارهم وأسماعهم وهم أهل الكتاب الذين بأيديهم التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء . فالرسول صلى الله عليه وسلم يشير إلى حالة يعجز فيها الإنسان عن الاستفادة والانتفاع من الشيء الذي بين يديه ، وهو ناتج عن الحالة النفسية والفكرية التي يعيش عليها الكلّ الذي ( أينما توجِّهه لا يأت بخير ) ، لا لأن الخير غير موجود ، ولكن وضعه عو الذي يعجزه أن يأتي بأيِّ خير .

والرسول صلى الله عليه وسلم حين يتحدث بحديث القصعة وحين يتحدث بحديث ذهاب العلم وحين يتحدث بحلول الفتن لا يخبرنا بأن هذا الشيء ضربة لازبٍ لا محيص منه مطلقاً ، وإنما يتحدث بها رسول الله : كنتائج لأسباب نفسية وفكرية يهيئ المجتمع لها نفسه شيئاً فشيئاً فتنزل عليه النتائج ثقيلة الوطأة شديدة العبء . ونحن حين نقرأ مثل هذه الأحاديث نعجز عن وصلها بحقائق إسلامية كبيرة ، وهي أن هذه الأوضاع التي يشير إليها الرسول صلى الله عليه وسلم نتائج لأسباب في مقدور البشر أن يؤثروا فيها وأن يغيروا من اتجاهها إذا هم بذلوا جهداً في التأمل فيها ، وكانوا على بصيرة في سبيلهم التي هم عليها .

فرؤية هذه الأحاديث منفصلة عن هذه الحقيقة الإسلامية الكبرى المودعة في قوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) الرعد -11 - تجعل الإنسان يعتقد أن صيرورة الأمة إلى تلك الحالة أمر محتم لا يمنك تفاديه . وهذا خطأ ، لأن وقوع ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم وقوعه مرتبط بالشروط التي يمكن للإنسان أن يتجنب الوقوع فيها . وهذا هو مغزى قصص الأمم السابقة في القرآن لأن الإخبار بحديث لا يمكن الاستفادة منه في تجنُّب الشر ، إلغاءٌ للعبرة من أخبار السابقين . وإمكان تفادي الوقوع هو ما تدل عليه آية (حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ )كما هو أيضاً الحقيقة المتضمنة في قوله تعالى : (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي … ) يوسف - 108 ، والموجودة في قوله تعالى : (وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) النحل - 33 إلى آخر ما هنالك من الآيات والأحاديث التي تبين ارتباط الأحداث والوقائع بأسبابها التي تتكوَّن شيئاً فشيئاً كما في الأحاديث التي أخبر فيها الرسول صلى الله عليه وسلم بالأسباب التي تُنتج الانحلال والهلاك مثل ترك المر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنَّ الناس إذا رأوا المنكر ، ولا يغيرِّونه ، يوشك الله عز وجل أن يعمَّهم بعقابه» حسنه الترمذي وعند أبي داود 4171. وقال صلى الله عليه وسلم : « إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وإني : والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها» . أخرجه مسلم في كتاب الحدود

وإنما يقع الناس في مثل هذا حين تضعف بصيرتهم في رؤية علاقة هذه النتائج بتلك الأسباب . وهذا ما ينشئ الحالة التي وصفها الله تعالى في المثل الذي ضربه عن الرجل الكَلّ الذي لا يبصر مأتى الخير حيثما توجه ، لأنه يمرُّ - بالأشياء أصمَّ أعمى قال تعالى : ( وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ) يوسف - 105 . فالكَلالَة جزاء الإعراض عن آيات الله في الأرض والسماء وما أنزل الله من كتاب ..

4 - بيان الفعالية في مستوى العالم

يساهم في فعالية الفرد جانبان :

1 - جانب ما يبذله الفرد من جهد شخصي في جعل سلوكه مطابقاً مع مُثُل المجتمع الذي يعيش فيه ويكون ذلك بالضغط على نفسه في ترك رغائبه الشخصية التي لا تتلاءم مع مطالب المجتمع ، ويحمل نفسه على الاستجابة لرغائب المجتمع ومطالبه .

2 - وجانب ما يبذله المجتمع من جهد في حمل الفرد على اتباع المَثَل الأعلى الذي قَبِله المجتمع ، وينشِّئ أفراده عليه بممارسة مختلف وسائل الضغط والتي منها المادي : كالعقوبات والغرامات ، ومنها المعنوي : كالاحتقار والنبذ والإشعار بالضَّعة والهوان ، وبممارسة وسائل الترغيب المادية منها : كالمكافآت المادية ، أو المعنوية منها : كالاحترام والتقدير الذي يوليه المجتمع للأفراد الذين يُضحُّون من أجل مُثُل المجتمع العليا . وعلى قدر حرص الفرد والمجتمع على أداء كل منهما واجبه يساهم ذلك في فعالية الفرد والمجتمع . كما أن التخلف عن أداء الواجب يؤدي إلى حالة الكَلالة بالنسبة للمستويين الفرد والمجتمع .

فإذا فهمنا أثر المجتمع في الفعَّالية والكَلالة يمكن أن نتوسع في فهم المجتمع وأثره إلى أن تبلغ مستوى العالمية . ففي العالم الحديث ، الذي صار الناس فيه يتحدث بعضهم إلى بعض بسرعة الضوء ، ويتزاورون فيه بسرعة الصوت ؛ أدى كل ذلك إلى وضعٍ جعل كثيراً من مشاكل العالم تَعُمُّ كل أفراد الجنس البشري ويحملهم على الاهتمام بمصير العالم كله . فإذا أدركنا هذه الحالة نستطيع أن نتصور فَهمَ الفعَّالية في مستوى العالم ، وأن ندرك قسطاً كبيراً من السلبية واللافعالية متمثلة في العجز الذي تبديه المؤتمرات العالمية والمجتمعات الدولية حيث تظهر عجزاً كبيراً في حل مشاكل العالم ..

ومن مزايا هذا العصر طرح المشاكل في المستوى العالمي . (وإن كان من أمراض هذا العصر ، العجز المريع في حل أي مشكلة منها) . فإذا كنا نعترف بالتقدم الذي أحرزه العلم في رفع المشاكل إلى العالمية ، فإننا نًدِينُ سلبية العالم في حل هذه المشاكل وضعف تكيفه مع الأوضاع .

وحيث أن هذا الموضوع بحث في فعالية الإنسان وبما أن اهتمامنا يتوجه إلى صلة المسلم بالفعالية ؛ فعلينا أن نبين هذه الصلة . سبق أن بيَّنا أن المجتمعات تمر بمراحل فعَّالية ومراحل كَلالة . وإن المسلم قد مر بمثل هذه المراحل ، ففي مرحلة ما أدى دوره في الفعالية الخاصة به ، بما قدَّم للعالم من فعالية في تلك المرحلة بصورة مباشرة أو غير مباشرة . وإننا نضطر إلى أن تعترف بأنه لا يحمل في مرحلته التي يعيشها الآن فعالية في نفسه ولا يحمل فعالية للعالم . وأقرب مثل لذلك هو أنه لا يظهر وجوده في المجتمع العالمي الذي يبحث مشاكل العالم ، فضلا عن أن يقدم مساهمة في ذلك فهو يعيش على هامش الحياة . ونعيد مرة أخرى حين نَصِف لا فعالية المسلم أو كَلالته : إننا لا نعني البتَّة في أن المبدأ الإسلامي هو الذي لا يكلف المسلم بأداء دوره في الفعالية في العالم . إذ الإسلام يجعل من المهمة الأساسية للأمة المسلمة ، أن يكونوا شهداء على الناس ، فأبسط ما يقتضي القيام بهذه المهمة أن يَحضر ويفهم أحداث العالم ، وأن يشهد عليها مبيناً ما هو منكر وما هو معروف . ولكن في المرحلة الراهنة لا يستمد المسلم الفعالية من كتابه القرآن ، فَصِلته به كصلة أهل الكتاب بالتوراة والإنجيل كما بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لزياد بن لبيد . وهذا مما يجعلنا نهتم في البحث عن الشروط التي تعيد الفعالية للمسلم وتجدد صلته بكتابه ، وصلته بصياغة الأحداث ، حيث أن المسلم هو الذي فَقَد وظيفته التي تؤهِّلهُ للتَّمكُّن من صياغة مجتمع منسجم مع المبدأ القرآني .