نحقق سلامة القلب (الصحة النفسية)؟

جودت سعيد. مقالات ((مجلة المجلة))

 

كيف

إن القلب السليم، القلب الذي ليس فيه مرض الحقد والكراهية، ويسميه القرآن أحياناً الغل (ولا تجعل في قلوبنا غلاً) إذا كان المجتمع هو الذي يزكي النفس ويدسيها، والنفس في الأساس قابلة للتزكية والتدسية، قابلة لأن تكون فاجرة أو متقية، ويمكن أن نقول إن المعرفة الخاطئة أو بالأحرى التصورات الخاطئة هي الفجور هي التدسية.

وبما أن الكون خلق مسخراً للإنسان الكون كله يقول الله (سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)

هذه الآية اعتبرها من الآيات المفتاحية لفهم الوجود والمشكلة الإنسانية، وتحقق معناها يمكن أن يحصل القلب السليم والصحة النفسية، ربما كان هذا في ما سبق من الزمان فهمه صعباً ولكن كلما تقدم الزمن صار الإيمان به وفهمه قريباً وكل مرة يكون أسهل.

الكون كله مسخر للإنسان، وإذا لم يتسخر فلا يرجع ذلك لاالى الكون ولا الى خالق الكون والإنسان، وإنما يرجع الى الإنسان الذي ينبغي أن يبذل الجهد ليحقق ذلك، في واقع الأمر ونحن من غير أن نشعر نرجع الى أفكار أساسية كلما بحثنا فكرة أساسية تعيدنا الى أخرى، ونحن علينا أن نظهر الآن العلاقة بين آية (سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) هذه الآية مرتبطة بآية (من عند أنفسكم) (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) وهذه الفكرة هي التي نكررها كثيراً، وهي الرجوع الى الذات لإدانتها، لا إدانة الله ولا الشيطان ولا الأعداء، وإنما إدانة فكر الإنسان، وأن يستفيد الإنسان من سمعه وبصره وفؤاده، وينبغي أن نعيد القول ونبدأ به لنتمكن من فهم الوجود والإنسان، وكيفية تحصيل سلامة الإنسان وتزكيته بالنظر وكشف السنن والقوانين التي تحكم الوجود، الكون كله مسخر للإنسان بما فيه الإنسان بالذات، فالذي يكشف القانون الصحيح يتسخر له الكون والإنسان رغماً عنه، فإذا لم يتحقق له ذلك فليعد النظر الى قدراته ومفاهيمه، ولا حرج أن أكرر من أن الله ورسوله محمد وآدم والشيطان كلهم اتفقوا على أن المشكلة راجعة الى الإنسان المالك (السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) الله يقول من عند أنفسكم، والرسول يقول من وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، وآدم وزوجه قالا لرب العالمين لما أغواهما الشيطان: (ربنا ظلمنا أنفسنا) ولم يذكرا إغواء الشيطان، والشيطان نفسه يقول: (ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم).

إذن إن آية (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) وآية (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) وآية (سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) إذا فهمنا هذه الآيات وتفهمناها، نحصل على سلامة القلب على الأقل الموقف السليم، ونضع المشكلة على طريق الحل، بدل أن نشوه الموضوع ونبرئ الذات وندين الآخر الذي يجعل الموضوع غير قابل للحل، وعندها يغادر القلب سلامة الموقف وتظلم الحياة، وكل مرة يحدث ظلام فوق ظلام، وحتى هذا الموقف التربوي للأطفال يجعلهم سليمي القلب، يكشفون كل مرة مصداقيته، حين نقول لهم عن صدق وإيمان تامين، من أن الكون مسخر للإنسان، والإنسان بتفكيره كشف قوانين الكون، والإنسان يتمكن من حل المشكلات وتسخير المعضلات، إن الدين يُسر وتفاؤل ورحمة وحافز على التفكر والتدبر، شأن كل العلماء الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض(ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك)

لعل الله أن يهدينا لأقرب من هذا رشدا.