شأن الخميني ؟

جودت سعيد. مقالات ((مجلة المجلة))

 

ما

ما قصة ولاية الفقيه دعوني أتخيل هل علي من حرج أن أتخيل؟ إن مشكلة علاقة المثقف والسلطة مشكلة قديمة وحديثة قديمة جداً وحديثة جداً أيضاً لأن مشكلة المعرفة والسلطة في بؤرة ما بعد الحداثة الآن وأنا أعيش في هذا التخيل. الإنسان هو المعرفة هو التمييز هو القدرة على اختيار المميز كانت السلطة خلال التاريخ للقوة ولم يكن للعلم، والعلم كان تابعاً للقوة: أي كأن العقل تابعاً للجسد! وكأن العضلات هي التي تسيطر على الجهاز العصبي وليس العكس ! كأن الخميني سيطر عليه هاجس هذا الموضوع وعز عليه أن يسيطر الجهل على العلم والعضلات على العقل، وأنف أن يقبل هذا الوضع الثانوي للعالِم وأن يكون العالِم في خدمة السلطان أو بعض أدواته قد يكون هذا الشيء واضحاً أو غامضاً قابلاً للملاحظة.

إن بذور هذه المشكلة سيطر على هذا الرجل ولأنه متدين ومسلم وفقيه اختار العبارة الدينية الإسلامية الفقهية فطرح موضوع ولاية الفقيه : أي السلطة للفقه وللعلم وللعقل، فمن هذه الأرضية انطلق الخميني وعزّ عليه أن يكون الفقيه أداة للسلطة، بل ينبغي أن يكون العكس وسار في هذا الدرب ربما لأول مرة يخرج الفقيه على السلطان ليس كخروج الخوارج المعتمدين على العنف والقتل وإنما خرج الخميني على سلطة الجهل بسلطة العلم ولهذا كانت معارضته علمية سلمية لاعنفية على الأقل التزم هذا إلى أن نجح فيه وهو ملتزم عدم اللجوء إلى العنف وبذلك لأول مرة في التاريخ ينجح إنسان غير نبي بدون عنف في قيادة المجتمع وتحويل الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد إن هذا الحدث الجديد ليس له نظير في التاريخ حتى غاندي لم يتمكن أن يبلغ بدعوته السلمية اللاعنفية ما بلغه الخميني من النجاح فيه إذ أنه لما كان غاندي يقود الهنود إلى المواجهة اللاعنفية كان لا يتمكن من ضبط أصحابه فيلجؤون إلى العنف ولا يستطيعون أن يضبطوا أنفسهم فكان يسخط غاندي على ما وقع ويعلن الغضب على نفسه فيعلن الصوم حزناً وأسفاً على أن سعيه لم ينجح بينما استطاع الخميني أن يضبط الناس فقدموا الورود للجنود ومن غير أن يفلت منهم زمام الانضباط فإن من يواجه العنف باللاعنف المنضبط هنا انتصر الفقه والعقل لأن قوة العلم والعقل ينبغي أن ينتصر على الجهل والقوة التي تدعم الجهل وان لم يتمكن من ذلك فلا يكون عقلاً ولا علماً ولا فقهاً هنا الأمة تحررت من الخوف من العسكر ومن السلاح وتحرر الإنسان من ثقافة السلاح والعسكر والإكراه وكل أدوات الإكراه،لم يكن هذا الأمر واضحاً جلياً أثناء الأحداث ولكن الاستمرار والثبات والنجاح تؤكد هذا وليس كل الناس لهم القدرة على تحليل هذا الحدث فأرى واجباً علي إزالة الشبهات التي تحيط بالموضوع ليظهر القانون النبوي الذي جاء به الأنبياء جميعاً وكفر الناس به جميعاً "كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون" والى الآن العالم جميعاً ومعهم العالم الإسلامي لا يعرفون كيف ينتصر العلم والعقل وعدم الإكراه وبدون لجوء إلى السلاح كيف تصنع الأمة بدون عنف وبدون دماء هذا الذي جاء به الأنبياء وهذا ما أحياه الخميني وهذه هي القوة الحقيقية قوة اللاإكراه وقوة انتصار الإنسان على ضمير الإنسان وليس على جسده هذا هو الشيء الجديد الذي ظهر في إيران واستمر أيضاً إن الخميني انتصر على جبال من المواريث الخاطئة لأنه تمسك بالإيمان بقدرة العقل والعلم على التغلب على الجهل والإكراه لما آمن الخميني بولاية الفقيه بسلطة العلم شعر بأن الفقه والعلم هو الإمام الذي ينبغي أن يتبع فخرج من انتظار الإمام أو المهدي الذي ينتظره المسلمون جميعاً ولم يكن هذا شيئاً سهلاً ولكن لم يكن ذلك مستحيلاً ولهذا نجح واستطاع أن يتمسك بوحي الكتاب ويتفهم التاريخ وآيات الآفاق والأنفس ولم يكن ماضوياً يشد إلى الوراء ولكن كان يرى آيات الله في الآفاق والأنفس فهو استطاع أن ينقي الأصالة مما علق بها وأن يتفهم المعاصرة فاتبع أحسن ما فيها فلهذا استطاع أن ينتصر وأن يعلن الجمهورية الإسلامية إنها قمة الأصالة والمعاصرة قمة التمسك بآيات الكتاب والتفهم لآيات الآفاق والأنفس.

فإذا كان هناك بعض العقبات علينا أن نتذكر أن الله لم يخلق العالم في لحظة واحدة وإنما في أيام وعلينا أن نتذكر أن الكهرباء أول ما اكتشفه الإنسان لم يتحول إلى مصباح وهاتف ولاسلكي ، ولكن الذين يأتون من بعدهم الذين يحسنون ويتجاوزن العقبات ويكون أداؤهم أحسن وأوضح وأقل معاناة وأقل زمناً وأكثر مردوداً وأنا أفهم هذا وأتوقعه فإن التغييرات التي ستحدث ستكون تغييرات سلمية لا دماء فيها صحيح أن جنود الشاه قتلوا المتظاهرين ولكن لم يقتل المتظاهرون أحداً من جنود الشاه يا أيها الناس اقرؤوا سورة الشعراء وانتبهوا إلى اللازمة التي تتكرر في هذه السورة مرات عديدة بعد عرض كل مشهد يكرر الله قوله : "إن في ذلك لآية، وما كان أكثرهم مؤمنين، وان ربك لهو العزيز الرحيم" وأنا أقول إن التزام كلمة التقوى وكلمة السواء من قبل المتظاهرين الإيرانيين أقول إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ليفهموا ويؤمنوا بهذا الأسلوب وهذا الموقف. ولكن العزيز الرحيم هو الذي يهب عباده العزة والرحمة فإذا كان الخميني تمكن باللاعنف واللاإكراه وبالتزام اللاإكراه من طرف واحد تمكن من تفوق المرأة والشيخ والطفل بإيمانهم وصدورهم المكشوفة على الجنود المدججين بالسلاح وانتصارهم "إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم" وكأي من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون علينا أن لا نعرض عن هذا الحدث علينا أن نحدق فيه وأن نسلط الأضواء على الأمور الخفية التي أنجحت هذا الحدث وأنا متأكد أن الذين سيدرسون هذا في المستقبل ستكون لهم قدرة أكبر على تحليلها وإزالة الغشاوات عنها وأن الذين سيأتون من بعد سيقولون بعد انتصارهم أو مجيء النصر إليهم من غير أن يقاتلوا من أجلها لهذا يقول الله عن الأنبياء وأتباعهم آتاهم نصرنا إنهم لم يقاتلوا إن الذين سيأتيهم النصر سيقولون للذين ذهب عنهم النصر لا تـثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ، اذهبوا فأنتم الطلقاء ، أنا أكتب هذا بعد مرور أكثر من عشرين عاماً على الحدث وهم مقبلون على انتخابات في غاية الأهمية للعالم جميعاً نرجوا لهم أن يلتزموا كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وإن فشلتم وتنازعتم فلن نيأس لأن الذي يأتي بعد هو الذي سيقتحم العقبة الجديدة وأرجوا أن تتواصوا بالصبر وبالحق وتتواصوا بالمرحمة.         

إصلاح ذات البين

يذكر المفسرون عند تفسير قوله تعالى "فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم" حديثاً عن أنس (رض): قال: بينا رسول الله (ص) جالس إذا رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي. فقال: رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة تبارك وتعالى، فقال أحدهما: يارب خذ لي مظلمتي من أخي، فقال الله تعالى: أعط أخاك مظلمته قال يارب لم يبق من حسناتي شيء. قال رب: فليحمل عني أوزاري قال ففاضت عينا رسول الله بالبكاء، ثم قال: إن ذلك ليوم عظيم، يوم يحتاج الناس إلى من يتحمل عنهم من أوزارهم. فقال الله تعالى للطالب: ارفع بصرك وانظر في الجنان، فرفع رأسه فقال يا رب أرى مدائن من فضة وقصوراً من ذهب مكللة باللؤلؤ! لأي نبي هذا!؟ لأي صديق هذا!؟ قال: هذا لمن يدفع ثمنه قال: رب ومن يملك ثمنه .قال: أنت تملك، قال ماذا يا رب؟ قال: تعفوا عن أخيك قال يا رب فإني قد عفوت عنه. قال الله تعالى: خذ بيد أخيك فادخلا الجنة. ثم قال رسول الله (ص): (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة). هذا المشهد الأخروي الذي جاء بلغة دينية يمكن التعبير عنها بلغة اجتماعية واقتصادية، حيث أن كل الأعمال التي لها ثواب كبير في الآخرة لها جزاؤها الدنيوي الذي يماثلها، فهذا الذي يعبر عنه الله من العلاقة بين آيات الكتاب الذي يتحدث عنه في الآخرة من الثواب والعقاب. والعلاقة بين آيات الآفاق والأنفس لأن ما في الكتاب الكريم والأحاديث النبوية من التبشير والإنذار الأخروي له ما يماثله من التبشير والإنذار الدنيوي لأن قوله تعالى (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) .

لهذا لما يأمرنا الله تعالى بأن نسير في الأرض فننظر كيف كان عاقبة الذين من قبلنا لأن عواقب أوامره ونواهيه تتجلى في الدنيا في تاريخ الناس المشاهد وفي الآخرة، ولم يأمرنا بما لا يشهد له آيات الآفاق والأنفس في هذه الدنيا بأنه الحق وهذه الرؤية المادية الدنيوية والرؤية الأنفسية في هذه الدنيا والآن نرى في تسخير المادة مالم يكن امكان رؤيته فيما سبق من الزمان. كما بدأنا نرى في عالم الأنفس من إمكانية حل المشاكل من دون إفساد في الأرض وسفك للدماء وإن هذا الموضوع شيء كبير ينبغي أن نبذل لإظهاره كل الجهود وهذا واجب العلماء علماء الآفاق وعلماء الأنفس وإن سبب انقطاع الوحي وختم النبوات يمكن أن يفهم من رؤية آيات الله المشاهدة المرئية في الآفاق والأنفس بشكل لا يستطيع عاقل أن يرفضه، على أن آيات الكتاب حق مبين لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنـزيل من حكيم حميد.

والآن حين ننظر الى واقعنا العربي العربي ومطالبة جميع الفرقاء بأخذ المظالم التي أوقعها بعضهم ببعض بمواجهة الخطأ بخطأ أكبر منه في تسلسل متصاعد مهلك للحرث والنسل للكبار والصغار، فإنه يمكن لعلماء الاقتصاد والاجتماع أن يبينوا الخسائر المادية الكبيرة التي خسرناها ولا نزال نخسرها وكذلك الآلام النفسية التي نعيشها من القلق والخوف والشعور بالهوان مما يعتصر قلوبنا مهما حاولنا أن نجد المبررات لمواقفنا المتشددة في الانتصاف من المظالم التي ارتكبناها بعضنا لبعض، إن هذه الخسائر من الأمراض النفسية التي نعانيها أكبر من الخسائر الاقتصادية الكبيرة حيث هذه الخسائر المادية جزء صغير من نتائج الأمراض النفسية والعقبات النفسية التي تمنعنا من أخذ المبادرة والمجازفة في طريق الإصلاح بدل المجازفة في مقابلة السيئة بالسيئة، إن العلماء علماء آيات الآفاق والأنفس هم الذين يستطيعون الآن رفع أبصارنا لنرى المكاسب العظيمة التي لا يقدر أحد أن يتصور قيمتها وإمكان تحصيلها من التجارات الرابحة والمساكن الفارهة والتخلص من الأمراض المؤلمة والمميتة وتوفير الطيبات من الرزق عدا المشاعر النفسية المطمئنة الراضية المرضية التي هي أعظم من كل ما في الدنيا والآخرة من النعم حيث يقول الله: ورضوان من الله أكبر رضي الله عنهم ورضوا. أنا لا أتوجه بهذا إلى الذين نرى أنهم هم سبب هذه المآسي التي نعيش فيها وإنما أتوجه إلى نفسي لإصلاح علاقتي مع الناس الذين نتعايش معهم من الأفراد العاديين من الخروج من التكبر في كيف نبدأ مع فلان من الناس بالزيارة أو بالسلام عليه؟ كيف نتدرب على العفو والمغفرة؟ وكيف نتدرب على كشف صدق قول رسول الله: يا أيها الناس اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن الله تعالى يصلح بين ذات المؤمنين يوم القيامة؟ كيف نتدرب على كشف حلاوة العفو واغتنام الفرصة الذهبية الآن قبل أن يفوت الأوان؟ ونكشف صدق قول الرسول (ص) في الدنيا قبل الآخرة حين يقول: وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا. وكيف نكشف أبعاد دلالات آياته في الآفاق والأنفس حين يقول لنا رسول الله: إذا اختصم عبداه يعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام وخيرهما الذي يبدأ بالزيارة أين المتزاورون فيَّ وعزتي وجلالي لاظلنهم يوم لا ظل. إنك حين تخطوا الخطوات في طريقك إلى الزيارة والسلام تخطوا إلى عالم أعظم من مدائن الفضة والقصور من الذهب المكللة باللؤلؤ. يا أخي يا عبد الله يا إنسان يا عربي أسمع (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) انظر الى تاريخ فرنسا وألمانيا إنني أتذكر يوم احتل الألمان باريس، والآن أرى كيف يغفر بعضهم لبعض إنهم يرون في ذلك العفو والغفران وعدم التشنج، ما يحصلون عليه من المكاسب المادية والنفسية هذا الذي يجعلهم ينسون الأيام المظلمة التي لم يكونوا يستطيعون أن ينظروا في وجوه بعض ولا أن يسمعوا أسماء بعض كيف سنتعلم بسرعة واستباق أن نرى آيات كتاب الله وأحاديث رسوله في آيات الآفاق والأنفس ليتواطأ السمع والبصر. كيف نفهم كذلك الفهم السمعي البصري قول الرسول (ص)ينادي الله يوم القيامة ألا فليقم من كان أجره على الله: فلا يقوم إلا من عفا وأصلح؟ فإن شئتم فاقرؤوا قوله تعالى (فمن عفا وأصلح فأجره على الله).