الأفكار

جودت سعيد. مقالات ((مجلة المجلة))

 

طبيعة

أنا حين أقول أنني جئت إلى هذا العالم من بطن أمي لا أعلم شيئاً ولا أتحدث لغة ثم تعلمت لغة مجتمعي الذي ولدت فيه ، واستنشقت ثقافته وأفكاره الخفية والجلية. وكما للإنسان لغة صوتية مؤلفة من الحروف الهجائية كذلك للإنسان لغة فكرية مفاهيمية غير مرتبطة بلغة الكلام التي يتكلم بها الإنسان، إن النزاع بين محمد وقريش لم يكن نزاعاً لغوياً وإنما كان نزاعاً فكرياً رؤية للعالم وتفسيراً له. كما أن النزاع بين جاليلو ونظريته الفلكية لم يكن نزاعاً لغوياً وإنما كان نزاعاً فكرياً وتصورياً لعالم الأفلاك ، هذا التفريق بين اللغة والأفكار سهل؛ ولكن يحصل أن يشتبه فنظن أن الحقيقة في اللغة وليست في الأفكار وهذا موضوع ربما سنرجع إليه أو نعرج عليه لنزيل الالتباس. أما حديثنا الآن، والحدث الذي سارت به الركبان، وصار أحاديث بين الناس، هذا الحدث هو مشكلة  الأفكار، مشكلة التصورات، مشكلة إمكانية الخطأ في فهم الشمس ، ليس خطأ بعض الناس ، وإنما العالم جميعاً. كيف اكتشفنا أن الشمس لا تدور حولنا وإنما نحن تدور أمامها وحولها أيضاً ، إن كشف ذلك لم يكن سهلا أبداً إن الحركة موهمة ملتبسة. وأنا أضرب مثلاً في الوقوع في هذا الوهم من حدث عادي يحدث مع جميع الناس الآن وذلك حين يركبون الحافلات أو القطارات فإنه يحدث لهم ـ عند بدء الحركة ـ لحظة يلتبس عليهم فيها من الذي يتحرك نحن أم الحافلة أو القطار الذي بجنبنا ،هذا الالتباس يحصل لنا جميعاً ، ولكن نحاول أن نخرج من هذا الوهم بالنظر إلى الأرض أو إلى شيء أخر ثابت حتى نعرف أيهما المتحرك ، ولكن كشف وفهم أيهما المتحرك أو أيهما الذي يدور حول الآخر أو يدور حول نفسه (الشمس أم الأرض) فإن هذا يحتاج إلى نقطة مراقبة ربما ليس في إمكاننا أن نجدها في الأرض ، فلابد من خيال واسع وتصور أعمق ، وخاصة أننا نرى الأرض كبيرة ، والناس كانوا لا يعرفون طرفها ، وكذلك نرى أن الشمس صغيرة الحجم في رؤية العين . إن هذا الانقلاب الفلكي كان صدمة كبيرة في عالم الأفلاك. والقرآن يتحدث عن حركة الظل وعدم ثباته ((ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكناً ثم جعلنا الشمس عليه دليلا)) وأنا هدفي من هذا كله كيف أن الشمس التي هي أوضح شيء في الوجود كان فهم الناس لها فهماً خاطئاً؟ وكان الناس عندهم استعداد ليموتوا هم وليموت الآخرون من أجل تعارض الأفكار حول حركة الشمس والأرض . إن الشمس دليل كبير على أننا نحن نخطئ في فهم أوضح شيء. ولكن الأمر ليس في الخطأ وإنما كيف نكشف الخطأ؟ وكيف نفهم الصواب من الفكرتين المتنازعتين؟ هذا شيء صار تاريخاً يمكن الحديث فيه الآن من دون خوف كبير ، ربما لا يزال هناك خوف إلى الآن من الحديث في هذا الموضوع في بعض الأماكن. ولكن صدمة الأفكار كيف تحدث؟ بعض الأفكار صدمتها خفيفة نضحك حين نكتشف الخطأ الذي كنا وقعنا فيه، ولكن بعضها يزلزل دنيانا ويتهدم العالم الذي نتصوره كله، هذا لا طاقة لنا على سماعه ولا الحديث فيه. وهكذا كانت الشمس والانقلاب الفلكي ، لقد تزلزلت الأرض والسماوات والشمس والنجوم؛ هذا عالم آخر غير الذي نعلم ، ونحن الآن نعيش زلزلة ليست فلكية وإنما اجتماعية لا يمكن البحث فيها ولا الحوار عنها لأنها تزلزل مسلمات بدهية عندنا ، فهل لي قدرة على تناول من مثل هذه الزلزلة الاجتماعية؟ لابد من مرصد ، لابد من بناء مرصد لإمكانية رصد زلزلة الأفكار والتصورات . لما تاب جاليلو عن هرطقة تصوراته الفلكية ويده على الكتاب المقدس كان من الصعب أن يفهم الناس في ذلك الوقت إمكانية تصور النظام الفلكي الجديد وتفسير  ظاهرة الليل والنهار .

وليس يصح في الأذهان شيء                 إذا احتاج النهار إلى دليل

ولكن النهار في حاجة إلى دليل، وكذلك الشمس. إن النزاع كان نزاعاً فكرياً تصورياً ولم يكن نزاعاً لغوياً ولا نزاعاً في الكلمات والجمل والعبارات. إن النزاع   ـ أيهما المتحرك الأرض أم الشمس ـ  ليس هو المهم الآن ، لقد تجاوز الناس هذه الأزمة الفكرية ولكن المرجع في هذا النزاع لم يكن في الكتب ، ولا في اللغة ولا في الكلمات وإنما كان في الفلك الدوار، في الشمس والأرض والليل والنهار ، وكيف يحدث ما يحدث ، لما قلت سابقاً كثيراً وسأقول لاحقاً كثيراً :  إن المرجع في هذا النزاع هنا هو أيات الآفاق ، أية الشمس ((وآية لهم الأرض)) ، المرجع كان للفلك الدوار ، وإلا كنا سنظل نتقاتل لو بقينا نتعلق باللغة  ونترك الموضوع الذي تبحثه اللغة. وهذه مشكلة أخرى يقع فيها الالتباس ، إذ لابد من العودة إلى النظر في الموضوع بالذات . لقد أخذت فكرة دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس زمناً طويلاً ـ أربع قرون ـ حتى زالت صدمة الفكرة الجديدة وألفها الناس؛ لأن الكنيسة منذ بضع سنوات فقط رفعت إدانة جاليلو بالهرطقة التي كشفها قبل أربع قرون ، وأنا ليس هدفي إدانة الكنيسة ولكن نحن بشر وهم بشر نقع في الوهم ، ولكن الذي نرجوه من هذا المثل أن لا يطول اعترافنا بالانقلاب السياسي والاجتماعي الذي حدث مثل الانقلاب الفلكي، أريد أن لا يأخذ أربع قرون حتى نعترف أنها ليست هرطقة ولا كفر ولا حاجة بمطالبته بإنزال الموت والنفي.

المهم أن نثبّت المرجعية في هذا الموضوع وهو الفلك كما أن الصدمة الاجتماعية مرجعها المجتمعات وليس اللغات، لهذا أمرنا الله أن ننظر في السماوات والأرض كيف رفعت وبسطت؟ ((وإلى الجبال كيف نصبت)) ((والى الإبل كيف خلقت)) ((وفي أنفسكم أفلا تبصرون)). الحديث ذو شجون وآلام ومآسي. في  الأمثال العربية (إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر) إذا كان الناس يمكن أن يخطئوا في فهم الشمس والقمر، ويبغي بعضهم على بعض فإن الشمس والقمر لن يتغيروا لتغير أفكار الناس عنهما ، فستظل الشمس على ماهي عليه في مولدها وموتها، وتألقها وانفجارها، وفق سنة كونية لن تجد لها تبديلاً ولن تجد لها تحويلاً، لقد صدمني مالك بن نبي بأفكاره وبمفاهيمه. وكانت هذه الصدمة في تصوره للمجتمع ولحركة المجتمع ومفاهيم الناس عن هذه الحركة ، ولهذا الكاتب أدين بالصدمة واليقظة . أرجو أن أكون مثل جلال الدين الرومي فأجد ذاتي لأننا ضيعنا ذاتنا ولم يعد لنا ذات وإنما نحن نسخ مشوهة لآبائنا فكيف سنتحمل صدمة أن سادتنا وكبراءنا لن يغنوا عنا شيئاً أمام سنن الله في الأفاق والأنفس. لمالك بن نبي كتاب بعنوان (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي) يذكر في فصل من هذا الكتاب كيف يمر عالم الأطفال بثلاث عوالم حين يجيئون إلى هذا العالم ؛ يعيشون عالم الأشياء وعالم الأشخاص وعالم الأفكار، فالطفل أول ما يولد لا يتمكن من معرفة والدته وتميزها عن زجاجة الحليب فهو في عالم الأشياء ولكن بعد مدة يبدأ الطفل بتمييز وجه أمه وأخوته وربما يجد معاناة حتى يميز نفسه وأنه هو ذات فيدخل عالم الأشخاص ، أما الدخول في عالم الأفكار والتجريد فقد لا يدخلها أبداً ويعيش فقط عالم الأشخاص. وكل  إنسان يتكون في بطن أمه يكون في أحشائها إلى أن يتم مرحلة نموه الجنينية فلابد من معاناة المخاض والميلاد ولابد أن يحدث انفصال عن جسد الأم لتكتمل مرحلة النمو وعند ذلك لابد من الانفصال في التغذية والتنفس عن الأم ، لابد من استخدام أعضاءه لأول مرة مثل الرئتين ، ولابد من الغذاء بفمه ومعدته وليس من دم الأم فهذا الميلاد ضروري جداً.

وهذا في عالم الأشياء والأشخاص ، المادة والحياة ، الجسم للكائن الحي ، ولكن الإنسان في عالم الأفكار يعيش في رحم الآباء ، ولكن هل نحس أنه لابد من الولادة الفكرية أم يظل في الرحم لا يولد فكرياً ، فهل نحن ولدنا فكرياً ياترى؟ هل هذا السؤال صدمة فكرية ؟ كم من الزمن يستغرق حتى نولد فكرياً ؟