|
جودت سعيد. من
((مجالس بئرعجم)) |
الفهم
|
|
|
عشت في
هذا العالم الكبير ؛ الذي تزداد معرفتنا به يوماً فيوماً، وعايشت قضايا ومشكلات
العالم الإسلامي، ووصلت إلى أفكار ومعلومات، أجد لزاماً عليَّ أن أُبَلِّغها
للناس، كما أن عليهم أن يتعلموا وأن يستمعوا ويقارنوا بين الأمور. ولن تصلح
حالنا إلا بكتاب الله ؛ نتلوه وندرسه ونحفظه، فأعظم واجبٍ علينا اليوم هو أن
نتعلم كتاب الله، وأن نبلِّغ رسالته، وأن نتلوه حقَّ تلاوته. والبداية
ينبغي أن تكون من إعادة الصِّلة بين المسلم وكتابه، لتنشأ بينهما علاقة حميميةٌ
متينة. وإذا كان
الله قد وعد بحفظ هذا الكتاب من التحريف (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ] الحجر: 15/9 [ ؛ فإنه تعهَّد أيضاً بأن يستخلف في الأرض قوماً يؤمنون بهذا
الكتاب، ويفهمونه حقَّ الفهم، ثم يطبِّقونه تطبيقاً صحيحاً. لقد
أتعبتُ نفسي خلال خمسين سنة ؛ لأجد طريقة نفهم من خلالها ديننا وإسلامنا وقرآننا
؛ فهماً يتوافق مع هذا العصر، وينسجم مع آيات الله في الآفاق والأنفس، وهذا أقدس
واجب ينبغي النهوض به، وأشرف عمل يمكن أن نَستنفز قوانا لأجله. بَينَ
التَّفكيرِ والتَّقليد: إنَّ من
يسعى إلى فهم وتأويل القرآن الكريم ؛ عليه أن يتزوَّد قبل ذلك بمفاتيح تمكِّنه
من الخوض في معانيه والغوص في أعماقه، وعليه أيضاً ألاَّ يعتمد على فهم
السَّابقين، لأنَّهم تلقَّوا القرآن في وقت لم تكن الإنسانية فيه قد بلغت من
العلم ما يعرِّفها بتاريخ الإنسان، ولم يكن الناس يعرفون طرف الأرض التي يعيشون
عليها، ولا متى بدأت مسيرة الإنسان فوقها. على هذه
الأرضية المعرفية بنى السَّلف فهمهم للقرآن وللحياة، وهي أرضية تختلف كل
الاختلاف عن الأرضية المعرفية لهذا العصر، والقرآن حذَّرنا تحذيراً شديداً من تقليد
الآباء، وعاب على المشركين احتجاجهم بآبائهم فقال: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ
اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا
عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً ولا
يَهْتَدُونَ) ] البقرة: 2/170 [، ويحذِّرنا أيضاً من اتِّباع الزعماء والكبراء: (يَوْمَ
تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا
اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ، وَقَالُوا: رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا
سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا، رَبَّنَا آتِهِمْ
ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيراً) ] الأحزاب: 33/66-68 [، هذا ما يقوله كتاب الله الذي نتلوه ونتدارسه فيما بيننا، فإذا
تلقيتم أفكاري وآرائي فلا تقبلوها تقليداً، إلا أن تتثبتوا من صحتها، فربما أكون
مصيباً، وربما أكون مخطئاً، فإن أصبت فمن الله وبفضله، وإن أخطأت فمن نفسي
وأوهامي، وقد قال الله تعالى: (ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ
السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً) ] الإسراء: 17/36 [، ولن يغني عنك من تتَّبعه يوم القيامة شيئاً: (يَوْمَ يَفِرُّ
الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ
امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) ] عبس: 80/34-37 [. آياتُ
الكِتَابِ وآيَاتُ الآفاقِ والأنفسِ: لقد فسَّر
السابقون القرآن وفق عصرهم، لكن القرآن يأمرنا ألاَّ نقفَ عند مفاهيمهم وآرائهم،
ويقول لنا: افتحوا أسماعكم وأبصاركم، وانظروا في السموات والأرض: (سَنُرِيهِمْ
آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ
الْحَقُّ) ] فصلت: 41/53 [، إنه تعالى لم يقل: سنريكم بل قال: (سَنُرِيهِمْ) أي أن
المستقبل هو الذي يحمل في طياته الفهم الجديد للقرآن. إن
أجدادنا لم يكن لديهم من التطور ما يستطيعون به أن يدركوا آيات الآفاق والأنفس،
فما المعنى الذي كانوا يحملونه للسماء؟ وكيف كانوا يتصورون الأرض؟ وإذا كان الله
يقول: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) فهذا يعني أن فهم الحق مرتبط بفهم الآفاق
والأنفس. ومما أوصل
العالم الإسلامي إلى هذا الوضع المزري ؛ إنما هو الفهم القديم الذي يتعلَّقون
به، فوقائع اليوم لا يمكن مواجهتها بعقلية الأمس، ولا يمكن للمسلمين أن ينهضوا
إلا إذا استوعبوا العصر وفهموا القرآن. لقد
أقلقني هذا منذ نصف قرن، فحين قرأت قوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ
فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) ] العنكبوت: 29/20 [، تبين لي أن معرفة بداية الخلق ليست في الكتاب ؛ بل هي في
الأرض، وأمَّا ما في الكتاب ؛ فهو الأمر بالسَّير في الأرض والنظر كيف بدأ
الخلق. والخلق لم
ينته بعد، بل يزيد الله فيه: (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ) ] فاطر: 35/1 [. إننا إن
لم نفهم هذه الأشياء فسنصير سخرية للآخرين، وإذا فهمتُ شيئاً وقلته لكم فأخذتم
به تقليداً ؛ فلن يفيدكم أيضاً، ففكروا وتفهَّموا ولا تقلّدوا. إنَّ
المسلمين لا يريدون أن يسيروا في الكون، ولا أن يروا آيات الآفاق والأنفس، ولا
أن يبحثوا في كيفية بدء الخلق ؛ ولذلك فكل الاكتشافات والآيات الكونية جاءت على
يد غير المسلمين، من الذين ساروا في الأرض، والذين نظروا كيف بدأ الخلق. إن القرآن
مصدر طاقة هائلة، ولذلك علينا أن نعيد صلتنا به، وأن نبني علاقتنا معه على أسس
راسخة قائمة على الفهم والعلم، كي يتحقق وعد الله لنا، وكي ننجو يوم القيامة،
وعلينا أن نعيد النظر في تصورنا لله وللكون وللقرآن، ولن يتم لنا ذلك إلا برؤية
آيات الآفاق والأنفس ؛ التي ستقلب تصوراتنا لمعاني الأرض والسماء والإنسان
والله، فمعرفة الله لا تتآلى إلا بمعرفة جيدة لمخلوقاته وقوانينه التي خلق الكون
على أساسها. وقوانين
الله لن تبالي بنا إذا أعرضنا عنها، وسيصيبنا الله بالبأساء والضراء إذا
خالفناها، لذلك لابد من النظر في الكون، ومعرفة التاريخ، والتعرف على القوانين
الصارمة التي تحكم حياة الإنسان. القرآنُ
بَينَ الْحاضِرِ والمستَقبلِ: يتعامل
المسلمون اليوم مع القرآن تعاملاً فردياً، فهم يلجؤون إليه فقط ليقرؤوه على
الأموات، ولا يدرسونه يتعامل المسلمون اليوم مع القرآن تعاملاً فردياً، فهم
يلجؤون إليه فقط ليقرؤوه على الأموات، ولا يدرسونه، وحتى بعض العلماء ينظرون
إليه نظرة خرافية، وكثير من المسلمين الذي يسمَّون محمد وأحمد وخالد ومصطفى ؛ لم
يقرؤوا القرآن ولو مرَّة واحدة، ولا يعرفون ما فيه، وقد يكونون أساتذة في الجامعات،
والسبب في ذلك أن الذين يتمسكون به موضع سخرية من العالم ؛ لجهلهم ولرفضهم للعلم
ونتائجه ومكتشفاته. إن العالم
يتطور بتسلسل عجيب، وبخطوات متقاربة، فالله سبحانه وتعالى قال في سورة النَّحل:
(وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ
مَا لا تَعْلَمُونَ) ] النحل: 16/8 [، فقد ذكر وسائل النقل المعروفة في تلك الأيام، وترك المجال
واسعاً للمستقبل، وقد رأينا بأعيننا ما لم يكونوا يعلمون من وسائل الاتصالات
والمواصلات، والمستقبل سيأتي بما لم نتصوره نحن أيضاً، والكون لا يزال يخلق،
ويُزاد في خلقه، وينسخ منه ما بطل مفعوله، كما نُسخ استخدام الخيل والحمير
والبغال. والمفسِّرون
القدماء لم يستوعبوا هذا، وكانوا يرون أن يوم القيامة قريب، وأنَّ كل يوم أفضل
من الذي يليه إلى يوم القيامة، والتفاسير مليئةٌ بهذه الأساطير المأخوذة من
الإسرائيليات، حتى إن الإنسان العادي الذي لم يدرس العالم المعاصر ؛ لا يستطيع
أن يتفهم مثل هذه الأشياء ويضيع في لججها. سُنَّةُ
التطوُّر التَّاريخي: حين أمر
الله المؤمنين بالقتال قال: ((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ
قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ
وَعَدُوَّكُمْ) ] الأنفال: 8/60 [، لكن رباط الخيل نُسخ، ولم يعد أحد يستعين به في القتال، وجاءت
من بعده وسائل أخرى ونسخت أيضاً، لكن المسلمين لا يتدبرون هذه الآية ويترددون في
فهمها: (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ ولا أَبْصَارُهُمْ ولا أَفْئِدَتُهُمْ
مِنْ شَيْءٍ) ] الأحقاف: 46/26 [، ((إِنْ هُمْ إلاَّ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) ] الفرقان: 25/44 [. إنَّ هذا
الكتاب حقٌّ، ويأمرنا بالحقِّ، ولكننا أعرضنا عنه وتجاهلناه، فلم نعِ حديث الأرض
التي تزلزلت وبدأت تُحدِّث بأخبارها وأسرارها. والإنسان
الذي ترونه الآن له تاريخ طويل، فقبل خمسين سنة كان طفلاً صغيراً، وكان قبل ذلك
جنيناً، وكان خلية واحدة، ثم مرَّ بمراحل طويلة؛ إلى أن صار إنساناً سويّاً. ولهذا
الإنسان تاريخ أبعد أيضاً، قبل مليون أو مليونين أو ثلاثة ملايين من السنين،
وحديث الأرض بهذا لا نستطيع أن نكذِّبه ؛ لأنه يفرض نفسه، كما فرضت نفسها علينا
السيارات والطائرات والصواريخ والغواصات. لقد كان
الإنسان عرياناً يقتات بلحوم الحيوانات، وتجتاحه الأمراض والأوبئة، وهذا علم لا
يستطيع أن ينطره مؤمن ولا كافر، وإذا عرفنا تاريخ الخلق ؛ فإننا نستطيع معرفة
النشأة الآخرة، ومن أنكر هذا فقد أنكر إنسانيته. |
|
|