|
جودت سعيد. من
((مجالس بئرعجم)) |
تتغير
|
|
|
كثيرة هي
المواضيع التي ينبغي أن نعيد النظر فيها، لأن النظرة الحالية إلى الدين الإسلامي
نظرة غير واقعية، ولا تأخذ بعين الاعتبار الظروف المحيطة التي طبق فيها الإسلام
في عهد الرسول r، فالله - سبحانه وتعالى - حين يقول: (لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ،
وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) يتعامل مع الأحوال الموجودة في ذلك الزمان، فإذا
تغيَّر المجتمع ولم يعُد الناس يحتقر بعضهم بعضاً لأجل هذه الأحوال: فلا حاجة
إلى بقاء الأحكام المتعلقة بها، إذ العدل أن أُعاملك كما تعاملني، وان أحترمك
كما تحترمني. ولعلَّ
الكفَّار في أيامنا هذه يحترمون الذين يخالفون دينهم وفكرهم أكثر مما نحترم نحن
المخالفين، والله سبحانه قال: (ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ
اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا
لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) ] الأنعام: 6/108 [. الشُّحُّ
قديماً وحديثاً: يقول الله
تعالى: (وآتُوهُم ما أنْفَقُوا) فإن أنفق الذي لا يحلُّ لها، المالَ عليها، أو
أعطاها شيئاً، فأعيدوا له ما أنفقه، ولا يأخذْكم الشُّحُّ فتأكلوا حقهم، والقرآن
ذمَّ الشُّح فقال: (وَأُحْضِرَتْ الأنفُسُ الشُّحَّ) ] النساء: 4/128 [، وقال: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) ] العاديات: 100/8 [. وانتشار
الشُّح قديماً كان أكبر منه اليوم، لأنه عندما يكون الفقر شديداً يكون الشُّح
أكثر، وفي المستقبل ربما تتغير الأمور، وأحياناً نسمع عن الطاقة النظيفة
الرخيصة، فتستخدم لتسيير الآلات، وللتدفئة، وإذا حصل هذا فسيتغير التاريخ كله،
ولا قدرة لنا الآن على تصوُّر ما سيحدث، وسوف لن يأكل الناس التراث أكلً لمّاً،
ولن يحبّوا المال حبّاً جمّاً، أما قديماً فقد كانت الطاقة عزيزة، والحصول عليها
في غاية الصعوبة. كانت الطاقة طاقة العضلات، عضلات الإنسان، ثم استخدمت عضلات
الحيوان، ثم البخار والفحم، ثم البترول والغاز، ثم الطاقة الشمسية … والحروب
التي يشعلها العالم الغربي - كحرب الخليج - من أجل الطاقة ؛ لن يعود لها مبرر
حين تصير الطَّاقة رخيصة.. إذن، أمام
الإنسان مجالات واسعة، وهو مكرم عند الله كرامة تدعو إلى الخشوع والاحترام
والقداسة: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ
وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ) ] الإسراء: 17/70 [، (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ
جَمِيعاً مِنْهُ) ] الجاثية: 45/13 [. لا إكراه
في الزَّواج: ثم يقول
الله تعالى: (ولا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ
أُجُورَهُنَّ ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ
وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ] الممتحنة: 60/10 [، فإذا أرادت المرأة أن تذهب وهي متزوجة ؛ فلا ينبغي أن نجبرها
على البقاء، لأنه إذا كان (لا إكْرَاهَ في الدِّينِ) فلا إكراه في الزواج
بدايةً، ولا إكراه فيه استمراراً، فلها أن تنفصل، ولكم الحق أن تطلبوا ما أنفقتم
عليها. وفي
الحديث أن امرأة تزوجت رجلاً فأعطاها حديقة له، ثم طلبت الانفصال عنه، فقال لها
رسول الله r: « أتردِّين إليه حديقته؟ » فقالت نعم، فطلَّقها منه(1). هذا الحكم
من العدل، وحيثما تحقق العدل فثم شرع الله، وحيثما تحقق الإحسان فهو الأفضل. (وَإِنْ
فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا
الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ
الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) ] الممتحنة: 60/11 [، فإن ذهب بعض أزواجكم إلى الكفار، ثم تمكَّنتم منهم، فأعطوا من
أنفق على زوجته بالقدر الذي خسره، ولتكن تقوى الله رائداً في كل ما تعملونه. مبايعة
النَّبي r للنَّساء: ثم قال
تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ
عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا
يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ ولا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ
أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ
وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ] الممتحنة: 60/12 [. يخصُّ
الله النساء هنا بالمبايعة، وقد ورد أن النَّساء أتين إلى رسول الله r وبايعنه، وحضرت هند بنت عتبة، وحين قال لهن رسول الله r: « وأن لا تزنين » قالت هند: أو تَزني الحرَّة، وحين قال: « وأن
لا تقتلن أولادكن »، قالت: ربَّيناهم صغاراً وقتلتموهم كباراً. وقد حصل
نزاع كبير حول الكيفية التي بايع فيها رسول الله r النَّساء، فبعضهم قال: بايعهنَّ بيده، وبعضهم قال: وضع على يده
ثوباً وبايعهن، وبعضهم قال: أمسكن بطرف ثوب، وبعضهم قال: بايعهنَّ بالكلام فقط..
الأقوال التي وردت كثيرة ولا حرج، إذا كان بايع بأيٍّ منها، وكل واحد يدعم ما
يراه الأصحُّ.. وقد ورد
أن رسول الله r حين بلغ إلى قوله تعالى: (ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) وكان
قد نهى عن النياحة، قالت له امرأة: اِئذن لي أن أنوح على فلان لأن أهله ساعدونني
في الجاهلية، فأذن لها عليه الصلاة والسلام(1). المعروف
العام والمعروف الخاص: وقوله
تعالى: (ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) تضعنا أمام سؤال: ما هو المعروف؟
المعروف على عدة مستويات، فهناك معروف على مستوى العالم كلّه، وهذا من الفطرة
البشرية، وتوجد أمور من المعروف ضمن ثقافة معينة، ومثال المعروف الخاص بثقافة
معينة، قوله r: « إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعدٌ تحت جبل يخاف أن يقع عليه،
وإنَّ الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه فقال به هكذا »(2)، فالإنسان الذي اعتاد
على ارتكاب الكبائر يقسو قلبه فلا يبالي بها، أما الإنسان الذي لم يعتد عليها ؛
فإنه يشعر بأن ما فعله كبير وخطير. إذن،
المعروف معروفان: معروف عام، ومعروف ثقافي خاص ببيئة من البيئات، والعرف معتبر
ومحترم ما لم يؤدِّ إلى عدوان على الآخر أو تضييع لحقٍّ من الحقوق، وربما يختلف
الناس في التقدير، ففي قوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ
يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) ] الفرقان: 25/67 [، فالذي يراه بعض الناس إسرافاً قد يراه آخر تقتيراً، وقد قيل: «
لا سرف في الخير، ولا خير في السِّرف »، وحين تصدقت إحدى نساء النبي r بالشَّاة ولم تُبقِ إلا الذراع، وقالت: يا رسول الله ذهب كلّها
إلا الذراع، قال لها: « بل بقي كلُّها وذهب الذِّراع »(1)، فهناك معروف عام
وكبير وأنثربولوجي عند الإنسان المرتبط بالتاريخ والعواقب، ومعروف آني يخصُّ
حياة الناس في لحظة من اللحظات، أو ثقافة من الثقافات. خاتمة
سورة الممتحنة: وفي آخر
الآيات يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً
غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنْ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ
الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) ] الممتحنة: 60/13 [. وهنا يختم
الله السورة كما بدأها، ففي أوَلها يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا
تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ
بِالْمَوَدَّةِ..) ثم قال في وسطها: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ)، وأتبع
ذلك بتحديد الذين يجوز لنا أن نبادلهم الودّ وأن نحسن إليهم (لا يَنْهَاكُمْ
اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ
مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ …). وهنا نأتي
إلى نهاية تأويل سورة الممتحنة التي بدأنا بها قبل عدَّةِ مجالس، ونفتح باب
الحوار والمناقشة. |
|
|
(1)
أخرجه البخاري في الطلاق ، باب : الخلع وكيف الطلاق فيه ( 9/352 فتح ) ، والنسائي
في الطلاق ، باب : ما جاء في الخلع ( 6/169 ) وغيرهما ..
(1)
لم أجده ، اعتقد أنه يخالف الأحاديث التي ورد فيها النهي عن النِّياحة .
(2)
أخرجه البخاري في باب : التوبة رقم : (
5949 ) .
(1)
أخرجه الترمذي في صفة القيامة ، باب : رقم ( 34 ) الحديث ( 2472 ) وقال : هذا حديث
صحيح .