|
جودت سعيد. من
((مجالس بئرعجم)) |
الإسلام
|
|
|
بعد أن
تحدث الله سبحانه وتعالى في سورة الممتحنة؛ عن مشكلات الدعوة وعن علاقة المسلمين
بغيرهم، انتقل إلى الحديث عن مشكلة تسود الأوساط الاجتماعية جميعها في ذلك
الوقت، وهي مشكلة المرأة، ومشكلة المفاضلة والتمييز بينها وبين الرجل. قال
تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ
مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ. فَإِنْ
عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ. لا هُنَّ
حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ. وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا، وَلا
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، ولا
تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ، وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا
مَا أَنفَقُوا. ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
حَكِيمٌ ˜ وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ
فَعَاقَبْتُمْ، فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنفَقُوا،
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ˜ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ
يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا يَسْرِقْنَ، ولا
يَزْنِينَ، ولا يَقْتُلْنَ أَولادَهُنَّ، ولا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ
يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ، ولا يَعْصِينَكَ فِي
مَعْرُوفٍ، فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ ˜ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ
اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنْ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ
أَصْحَابِ الْقُبُورِ) ] الممتحنة: 60/10-13 [. مكانة
المرأة في العصور القديمة: مشكلة
المرأة في هذا العصر غدت من المشكلات الهامة ؛ لأن التغيرات التي حدثت في العالم
أثَّرت في هذا الموضوع، فقد انتقل الإنسان من حياة البداوة إلى عصر الزراعة، ثم
دخل مرحلة الصناعة، والآن يدخل عالم المعلومات. ففي عصر
الزراعة كان دور المرأة دوراً ثانوياً، وصحيح أن الحياة لا تستمر بدون المرأة ؛
لكن مكانتها كانت متأخرة عن الرجل. والإسلام، في بداية دعوته، أعطى المرأة مكانة
مساوية لمكانة الرجل، وقد قال عمر في هذا: « لم نكن نعدُّ النساءَ شيئاً حتى
أنزل الله فيهنَّ ما انزل وأعطاهنَّ ما أعطى »(1). إن عطاء
المرأة في العصور القديمة هذا الدور المتأخر أمر طبيعي ؛ لأن الأمر في دور
البداوة وفي دور الزراعة والحراثة واستئناس الحيوان، كان راجعاً إلى القدرات
العضلية ؛ التي كان يتميز بها الرجل عن المرأة، وخاصة حينما كان الأمر يعتمد على
الحرب، ومعلوم أن قدرة النساء في الحرب لا توازي قدرة الرجال، ودورها لا يتعدى
الأمور الثقافية والأيديولوجية. المرأة
بين الجاهلية القديمة والجاهلية الحديثة: الإسلام
وإن جاء - كما يقول محمد إقبال - في عصر ما قبل العلم، إلا أنه بَشَّر بعَصرِ
العلم، وكذلك فهو - أي الإسلام - وإن جاء في عصرٍ لا قيمة فيه للمرأة ؛ إلا أنه
جاء بنقلة كبيرة في موضوع المرأة. وموضوع
المرأة يتعلق بعادات اجتماعية كثيرة كانت تسود في الجزيرة العربية ؛ كالعار،
والسبي. والقرآن ذكر لنا حال الذي يبشَّر بالأُنثى فقال: (وَإِذَا بُشِّرَ
أَحَدُهُمْ بِالأنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ) ] النحل: 16/58 [، كانوا يتشاءمون من الأنثى، وقد نقل عنهم الكثير من الأقوال
والأشعار التي تدل على استيائهم، والقرآن سجَّل هذا بشكل واضح وفاضح (وَإِذَا
بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ،
يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى
هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) ] النحل: 16/58-59 [. وإذا كان
هذا حال الجاهلين ؛ فنحن أيضاً إذا دخلنا إلى أعماق القلوب اليوم فسنشعر بمقدار
الدونية التي ننظر بها إلى المرأة، فنحن إلى الآن لا نستطيع أن نستبشر بالمولود
الأنثى كما نستبشر بالذكر. وما نتحدث به شيء، وما وقر في قلوبنا شيء آخر، وإزالة
ما في قلوبنا في غاية الصعوبة بالرغم من أننا نقرأ كلام الله ونسمعه، وإذا قبلنا
حكم الله ؛ قبلناه على مضض كما نقبل الموت الذي لا مفرَّ منه، وإلى الآن نتعالى
على المرأة في أعماقنا، وبعضنا يشعر بأن نصف الميراث كثير على المرأة، وحتى
المتدينون في كثير من الأحيان لا يعطونها شيئاً. والجاهلي
قديماً قال في المرأة: « والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرُّها سرقة »،
إنها لا تستطيع ردَّ العدوان، وإذا أنفقت عليها شيئاً أعطته إلى أولادها الذين
لا ينتسبون إليك لأنهم أبناء الأباعد، ومما قالوا: بنونا بنو
أبناءنا، وبناتُنا بنوهنَّ
أبناء الرجال الأباعد والمرأة
التي لا تلد الذكور كان يهجرها زوجها أو يتزوج عليها. ربما يكون
هذا متناسباً مع ما كانت عليه المرأة التي لا تشارك في الحروب، ولا تساعدها
عضلاتها على مجاراة الرجل في أعماله، أما اليوم فقد اختلف الأمر، لذلك فموضوع
المرأة في هذا العصر من المواضيع الهامَّة، والتي ينبغي أن نجد حلولاً إسلامية
لها. المرأة في
عصر المعلومات: وفي مجال
التعليم كانت المرأة في الدرجة الثانية، ولا تزال نسبة أساتذة الجامعات من
النساء نسبة بسيطة جداً، بالرغم من أنه قد مرَّ أكثر من سبعين عاماً على تأسيس
الجامعات في بلادنا، ولعل المستقبل يحمل معه تقدماً للمرأة في موضوع العلم
والمعرفة ؛ ففي الدراسات العليا الآن نجد أن النساء لهن حظ أوفر من الرجال، وهذا
سيؤدي إلى مشاركة أكبر لهنَّ في صناعة المجتمع، وسيقل العنف في العالم ؛ لأن
العنف كان مرتبطاً بالرجال. لقد
استُغلت المرأة - في عصر الصناعة - في العمل أبشع استغلال، أما الآن - مع عصر
المعلومات - فقد تغير الوضع، فالولادات التي كانت تشغل معظم وقت المرأة قلَّت،
وفي المستقبل ربَّما تقلُّ أكثر، إذ إن تزايد السكان الآن يسبب مشاكل عديدة في
بلاد كالصين التي حددت النسل، ولم تسمح بأكثر من ولادة واحدة أو ولادتين أو
ثلاثة، وكثرة العدد لا تغني عن النوعية، ورسول الله r قال: « يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها
»، فقال قائل: أومن قلة نحن يومئذ؟ قال: « بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء
كغثاء السيل … »(1). وأظن أن رسول الله r لن يفرح بالغثاء الكثير، وإذا كنا نذكر حديث: « تناكحوا تكثروا
فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة »(2)، فيجب أن ندعوا إلى
زيادة في الثقافة والعمل! ليرتفع مستوانا، فلا نكون غثاءً كغثاء السيل. المرأة في
زمن رسول الله r: ثقافتنا
الموروثة لا تحترم المرأة ولا تعدل معها، وتغلب عليها المفاهيم الجاهلية، والخطأ
منها اكبر من خطأ الرجل في نظر المجتمع، وإن كان الله ساوى بينهما في الجزاء. إذن،
مشكلة المرأة ليست متعلقة بالنصوص، وإنما متعلقة بالواقع الاجتماعي، وبمستوى
العلم والمعرفة في المجتمع (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ
لا يَعْلَمُونَ) ] الزمر: 39/9 [. فالمرأة
حينما تبقى في البيت ؛ ليس لها إلا أن تغسل وتنظف وتخبز، ولا يكون لها رأي أو
فكر، ولكن مع تطور الحياة، وزيادة وقت الفراغ، وانتشار التلفزيون والفيديو
والصحافة، وتطور الطاقة، فإن هذا كله قد جعل للمرأة دوراً آخر متنامياً. لقد ذكر
القرآن من النساء امرأة عمران، قال تعالى: (إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ: عِمْرَانَ رَبِّ
إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ
أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ˜ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا
أُنْثَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ، وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأنْثَى،
وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ، وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ
الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ˜ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ، وَأَنْبَتَهَا
نَبَاتاً حَسَناً، وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا، كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا
زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً، قَالَ يَا مَرْيَمُ: أَنَّى
لَكِ هَذَا؟! قَالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ
يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) ] آل عمران: 3/35-37 [. لقد عايش
الإسلام تلك الأجواء، التي تشد المرأة إلى الوراء، وأعطى دفعات قوية باتجاه
التغيير نحو الأفضل، لكن رَفْع المستوى بشكل جذري لا يمكن أن يحدث في وقت قصير،
وقد ذكر الله الذكور والإناث على حد سواء فقال: ((إِنَّ الْمُسْلِمِينَ
وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْقَانِتِينَ
وَالْقَانِتَاتِ، وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ، وَالصَّابِرِينَ
وَالصَّابِرَاتِ، وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ، وَالْمُتَصَدِّقِينَ
وَالْمُتَصَدِّقَاتِ، وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ، وَالْحَافِظِينَ
فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ، وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا
وَالذَّاكِرَاتِ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) ] الأحزاب: 33/35 [. وأول
الشهداء في الإسلام امرأة، وفي الحديث أن رسول الله r كان يقيل عند أم حَرامٍ، فاستيقظ مرَّةً وهو يضحك، قال: وما
يضحكك يا رسول الله؟ قال: « ناسٌ من أُمَّتي عُرضوا عليَّ غزاةً في سبيل الله
يركبون ثبج هذا البحر. ملوكاً على الأسرة. أو: مثل الملوك على الأسرَّة، قال:
فقلت: يا رسول الله: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: « أنت من الأولين »(1). إن مجرد
قول أم حَرَام: ادع الله لي أن أكون منهم ؛ يدل على أن الأرضية الثقافية والرؤية
النوعية التي كانت سائدة زمن رسول الله r كانت مختلفة كل الاختلاف عن رؤيتنا وثقافتنا هذه الأيام، ولعله
لا يخطر في بال أحد منا أن يقول مثل هذا القول، أو أن يجيب بمثل جواب رسول الله r، والعجيب أن هذه المرأة ركبت البحر في زمن عثمان، وكانت مع
الجيش المسلم المتوجه إلى قبرص، وهناك توفيت، وإلى اليوم لا زال قبرها معروفاً
في قبرص، وقد شاركت المرأة الرجال الذين هاجروا إلى الحبشة في هجرتهم. الوعي
واليقظة مع الصدق والأمانة: كانت
المرأة في الماضي - كما هي اليوم - تستخدم لأغراض التجسس، وقد مرَّ معنا مثال
على ذلك في قصة حاطب بن أبي بلتعة، لذلك قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا
إذا جاءكم المؤمنات مهاجراتٍ فامتحنوهن)، امتحنوهن فربما تأتي المرأة مهاجرة لا
لأنها تريد الدخول في الإسلام ؛ بل لأمر آخر، وربما أتت لأجل التجسس، فاحتاطوا
للأمر وادرسوا الحالة بحذق ومعرفة، ولكن (اللهُ أعلَمُ بإيمَانِهِنَّ)، وفي الحديث
قال r: « إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته
إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو
امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه »(1)، فعلينا أن نكون
واقعيين عمليين، كما قال عمر رضي الله عنه: « لست بالخبِّ ولا الخبُّ يخدعني »،
وأن نتعامل مع الإنسان بصدق واحتراز، وبعد ذلك لن يضرنا شيئاً: (وَإِنْ
تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً) ] آلا عمران: 3/120 [، فإذا كنا واقعيين وعمليين ؛ فسنستطيع حلَّ كل ما يعترضنا من
مشكلات، أما عندما لا نكون كذلك، ولا نكون متقين ؛ فستنقلب كل الأمور ضدنا - كما
هو الحال اليوم - وحتى ما يدبره الأعداء لنا، لن يضرنا مع الوعي، بل سينقلب
عليهم.. وفي
السيرة النبوية ذُكر أن أناساً كانوا يأتون إلى رسول الله r، وقلوبهم مليئة بالشَّر، وما إن يروا تجليات الصدق من رسول الله
وأصحابه، حتى يتحولوا من الشَّر إلى الخير، فالصدق يدعم صاحبه بقوة لا نهائية،
ويزيد فرص النصر أضعافاً مضاعفة. ونحن حين نكون صادقين نكسب مكاسب كبيرة، لكن
العالم الإسلامي لا يستطيع أن يصدق ولا يستطيع أن يصبر. إذن، فكيف
نكون صادقين؟ وكيف يثق بنا الآخرون؟ كيف نجعلهم في مأمنٍ من أن يصيبهم منا شرٌّ
أو غدر؟ كيف نجعل العدو يثق بنا؟ ونحن لا يثق بعضنا ببعض. إن
التعامل مع الجميع: الأولياء والأعداء ؛ بالصدق والاستقامة والعدل، والقسط،
والإحسان ؛ هذا التعامل يحوِّل العدو إلى وليٍّ حميم، والدفع بالتي هي أحسن،
يجعلهم أولياء حَميمين، قال تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا
الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) ] فصلت: 41/34 [. قد يستطيع
الآخر أن يخدعنا، وان يمثل دوراً لا يؤمن به ؛ لكن الصدق يتغلب على الخداع
والتمثيل، فإذا أردت أن تدخل إلى قلب الإنسان وأن تستولي على مشاعره، وتلوي عنقه
ويده إلى الحق، وتسخره وتستولي عليه ؛ فكن صادقاً معه، وتعامل معه بالبراءة
الطفولية، على أن لا تكون منفعلاً بل، واضحاً صادقاً محترماً كريماً. المرأة
والبيئة الاجتماعية: (فَإِنْ
عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ). اتفق
المسلمون وقريش في صلح الحديبية على إعادة كل من يأتي من قريش مؤمناً مسلماً إلى
المشركين، والقرآن هنا يأمر المسلمين بألا يعيدوا المرأة المؤمنة التي تأتي من
قريش. وقد ورد في السيرة أن امرأة هاجرت إلى المدينة مؤمنة بعد صلح الحديبية،
فأنزل الله هذه الآية لكي لا يردوها إلى المشركين كما ردّوا أبا جندلٍ، ففي ذاك
الجو كان وضع المرأة مختلفاً عن الرجل، فلا ينبغي التقيد بحرفية الكلمات، ونحن
اليوم، بالرغم من أننا نتقيد بالكلمات، لا نستطيع أن نخرج من قلوبنا أنه إذا
بُشِّر أحدنا بالأنثى يَسْوَدُّ وجهه، والعالم الغربي الذي نقول عنه: إنه كافر ؛
ليس مثلنا، وإذا بُشِّر أحدهم بالأنثى لا يظلُّ وجهه مسودّاً، وليس ذلك لأنهم
أصبحوا مسلمين، لكن بيئتهم وصلت إلى درجة يشعرون فيها بشيء من الكرامة والحق
الإنساني لكل من الذكر والأنثى. الإسلام
والعدل: بعد ذلك
يعلل الله سبحانه وتعالى الأمر الذي وجهه إلى المسلمين بعدم إعادة المؤمنات
المهاجرات إلى الكفار فيقول: (لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ
لَهُنَّ). هنا يذكر
الله حكماً تشريعياً وهو تحريم زواج المؤمنة بغير المؤمن، والدين الإسلامي
قسمان: قسم العقائد الإيمانية والعبادات، كشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً
رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وقسم يحتوي على
أحكام المعاملات بين الناس، وهو قائم على المصلحة والمنفعة والعدل، وقد استنبط
ابن تيمية وابن القيم قاعدة هامة ضابطة في موضوع المعاملات فقالا: « الواجب ما
كان نافعاً دائماً أو غالباً، والمحرَّم ما كان ضارّاً دائماً أو غالباً »،
فالنافع في الإسلام واجب ممارسته، وشريعة الله تقوم على العدل والقسط، وكلما
استطعنا الوصول إلى العدل أكثر، فإننا نقترب من أوامر الله اكثر: « فحيثما وجد
العدل فثم شرع الله »(1). هذا الفهم
يضع أمامنا حلولاً لكثير من الأشياء التي تبدو متناقضة، فالرِّق، الذي كان
جائزاً في تلك الأيام، حين استطاع الناس التخلي عنه، وجب عليهم إلغاؤه، وحين
ألغي لم يشعر المسلمون أن شريعة الله نقضت، وأنا أقول بأن قضية المرأة لا تجدي
معها كثرة الكلام، إلا إذا تهيأت الظروف الملائمة، وبما أننا لم نتمكن من إيجاد
هذه الظروف فلا زلنا على المبدأ الذي يقول: بنونا بنو
أبنائنا، وبناتُنا بَنوهُنَّ
أبناء الرجال الأباعد إنهم
يقولون هذا ويحبون الذكر أكثر من الأنثى، ولكننا نجد في واقعنا الاجتماعي، أن من
يكبر في السّن ويعجز عن القيام بخدمة نفسه، فإن ابنته ترعاه وتعطف عليه أكثر من
ابنه، فيتمنى لو كان عنده بنيَّة واحدة بدل أبنائه العشرة ؛ الذين ينصرف كل واحد
منهم إلى هموم أسرته وعياله، ناسياً أبويه. إذن،
الظروف هي التي تقلب الأمور، ولذلك يجب علينا أن نتعمق في نظرنا إلى التاريخ،
وقانون الله أن الأبقى هو الأنفع: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً
وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ) ] الرعد: 13/17 [. وقوله
تعالى: (لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ)، من الشرائع
والمعاملات، والشريعة مبنية على العدل، وعلى سلامة المجتمع، وكلما تحقق العدل
وسَلِم المجتمع فإن شريعة الله تتحقق، لأن الله يأمرنا بالعدل المطلق مع
الأصدقاء ومع الأعداء، (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا
بِالْعَدْلِ) ] النساء: 4/58 [، وإذا استطاع الإنسان أن يتعامل بالإحسان فإنه أقرب إلى الله
وأفضل، وبعض الأحكام ربما تتغير كما تغير حكم الرِّق الذي كان جائزاً ثم حُرِّم،
لقد تغير الحكم في موضوع الرِّق بالرغم من أن نصوصاً قرآنية تتحدث عنه وتتعامل
معه كأمر واقع وغير محرم. لكن حكماً
آخر كقتل المرتد لا يتعامل المسلمون معه بواقعية، ولا يجرؤون على إلغائه بالرغم
من أنه ليس في القرآن نصٌّ يأمر بقتل المرتد، والواقع أن المسلمون لا يرتدون،
وهذا الحكم الذي يتمسك المسلمون به، ويدرسه الطلاب في المدارس والمعاهد وكليات
الشريعة ؛ ليس في القرآن، ولا في الأحاديث الواضحة الصريحة الصحيحة نصٌّ عليه. إنهم لا
يتعاملون مع النصوص بعمق وفهم، ولا يتعاملون مع الواقع أيضاً ؛ لكنهم يقولون:
(إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ
مُقْتَدُونَ) ] الزخرف: 43/23 [. ونصوص
القرآن بمجموعها تضع دستوراً عاماً للتعامل مع الآخرين كقوله تعالى: (لا
يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ
يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) ] الممتحنة: 60/7 [، وقوله تعالى: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ] البقرة: 2/256 [، فالمعاملات في الحرب والسلم، وفي موضوع الرجل والمرأة، وفي غير
ذلك، كلها مبنية على العدل، و « حيثما وجد العدل فثم شرع الله ». وهناك مشكلة
كبيرة في تحويل بعض حالات الطوارئ إلى دستور عام، وهذا باب مهم ينبغي بحثه. |
|
|
(1)
أخرجه مسلم في الطلاق حديث رقم ( 31 ) .
(1)
رواه ثوبان عن رسول الله r ، وأخرجه أبو
داود رقم ( 4297 ) .
(2)
أخرجه عبد الرَّزّاق في مصنفه رقم ( 10391 ) عن سعيد بن أبي هلال مرسلاً ..
(1)
أخرجه البخاري في باب الدعاء .
(1)
أخرجه البخاري في بدء الوحي ( 1/7 - 15 فتح ) ومسلم في الإمارة ، باب قوله r : « إنما الأعمال بالنيات » رقم (1907 ) وغيرهما .
(1)
من كلمات ابن قيم الجوزية لعله في كتاب الطرق الحكمية في إصلاح الراعي والرعية (
المؤلف ) .