|
السلطة من الجهاز العضلي إلى الجهاز العصبي جودت سعيد. من كتاب ((الدين والقانون)) |
انتقال
|
|
|
إن تطور
الجهاز العصبي عند الإنسان أوجد قدرة جديدة وسلطة جديدة، « أنا الفهم لي القدرة
» وفي الإنجيل: « تعرفون الحق والحق يحرركم » يوحنا (8: 32). سلطة
الإنسان انتقلت من الجهاز العضلي إلى الجهاز العصبي، أي جهاز خزن المعلومات
والخبرات. أنا المثقف أنا القوة، أنا السلطة، « أنا الفهم لي القدرة » أمثال (8:
14). ولكن إلى
الآن لم نفهم بعدُ هذه النقلة الكبيرة، إن التطور البيولوجي في الجهاز العصبي
أدى إلى تحول القدرة إلى هناك، حيث صارت السلطة، ولكن ما أضيق الباب وأكرب
الطريق الذي يوصل إلى فهم هذا الانتقال. يمكن أن نفهم قول عيسى عليه السلام حين
يقول: « ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة » أي إلى الفهم
والإدراك وانتقال السلطة من العضلات إلى الجهاز العصبي، حتى إن مشكلة (المرأة)
في العالم لا تزال مرتبطة بعدم إدراك هذا التطور البيولوجي العصبي، وكذلك كل
علاقات القوة في العالم: بين الكبار والصغار (الأطفال والبالغين) الرجال
والنساء، عالم الكبار وعالم الصغار، مالكي القنابل النووية والمحرومين منها،
مالكي حق (الفيتو) والممنوعين منه. نعم أن يكون فهمُ انتقال السلطة من العضلات
من الأنياب والأظافر إلى وعي الإنسان صعباً ومكرباً، يمكن فهمه في زمن عيسى عليه
السلام، أما أم يظل هذا اجهل والوهم والسحر مسيطراً على العالم المعاصر أيضاً،
فإنه شيءٌ يدعو إلى الحيرة والعجب، بل حين نفهم ذلك تصيبنا صدمة، وقليلون هم الذين
يستفيقون من الصدمة، بل يشعر الإنسان أنه يفقد إمكانية الحوار، حيث لا يوجد حوار
وغنما مناجاة الإنسان لنفسه، حوار بينه وبين التاريخ (الأحداث) أما الحوار بينه
وبين الناس فمنقطعٌ، وأنا أشعر بذلك منذ أكثر من ثلث قرن، والآن سنحت لي الفرصة
لأذكر أحلامي ومناجاتي الذاتية في (مجلة القانون والدين في أمريكا) بلد الحرية،
حرية فِرْعَوْن حين كان يقول للعالم كما يعرضه القرآن فيقول: (قَالَ
فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ
الرَّشَادِ) ] غافر: 40/29 [. ويقول
فرعون أيضاً لملئه عن موسى ودعوته: (وَقَالَ
فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ
يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) ] غافر: 40/26 [. إن طريق
فرعون هو طريق الرشاد حسب فهمه، وأن موسى ينبغي أن يُقتل ويُخشى من موسى أن يبدل
دينكم وعالمكم، وإن في الأرض الفساد، حيث أن طريقتنا هي الصلاح وهي الطريقة
المثلى، والمساواة من دون مساواة. وفي
القرآن حوار طويل بين موسى وهارون، وفرعون وملئه، يقول الله لموسى بعد تمهيد
وتدريب على اللقاء مع فرعون، لموسى وأخيه هارون: (اذْهَبْ
أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي. اذْهَبَا إِلَى
فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ
يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى. قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ
عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى. قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ
وَأَرَى. فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا
بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ
وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى. إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ
الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى. قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى.
قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى. قَالَ فَمَا
بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى. قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا
يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى. ….. قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ
أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى. فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ
فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ
مَكَانًا سُوًى …) ] طه: 20/42-52 و 57-58 [. فتشاور
فرعون مع ملئه في شأن موسى: (فَتَنَازَعُوا
أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى. قَالُوا إِنْ هَذَانِ
لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا
وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمْ الْمُثْلَى. فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا
صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنْ اسْتَعْلَى) ] طه: 20/62-64 [. إننا لا
نريد أن نحقر ونضع من قيمة (أمريكا) بلد الحرية والقانون، بالمقارنة التي نجريها
هنا بين حضارة (أمريكا) وحضارة مصر القديمة، فقط نريد التنبيه إلى شيء واحد وهو
أن السلطة لا تزال للقوة، وأن الثقة لقوة العضلات، والأظافر، والأنياب،
والقنابل، وأن العالم الذي نعيش فيه لا يزال غير قادر على الثقة بالأفكار، إلى
الآن ليس للقانون رصيد ومرجع غير القوة العُنفية. إلى الآن لم تتصدر قوة الفكر
والقانون، ولم تخرج من قانون العنف وشريعة الغاب، ولم نستطع أن نضع ثقتنا بقوة
الجهاز العصبي، بقوة الأفكار، لا تزال ثقتنا بالعضلات وتطوراتها، لا بالدماغ
والقوة الفكرية وتطوراتها، إننا لا نريد أن ندين مجتمعاً معيناً، ولا حضارة من
الحضارات، إننا نريد أن نضع أقدامنا على أرض صلبة لنخرج من الأزمة الإنسانية
لنضع عالماً ينطلق من احترام وتقديس الجهاز العصبي القادر على التعامل مع هذا
الجهاز العصبي وتغيير محتواه دون كسر وتحطيم هذا الجهاز بالحديد والنار. هذا
الجهاز رقيق وناع، إنه قادر على أن يحل المشكلات دون تحطيمها ودون إراقة الدم
الذي يغذي هذا الجهاز المقدس، لأن هذا الجهاز يمكنه أن يحل المشكلات بخشوع
ورحمة، وليس بغضب وقسوة وتحطيم، يحل المشكلات بالحب والفهم، لأن الفهم يؤدي إلى
الحب. بعد هذا
التمهيد الطويل والقصير معاً يمكن أن نرجع إلى دعوة الأنبياء، إنهم هم الذين
فهموا وحدهم التطور الذي حد حين دخل الإنسان إلى عالم الفهم، عالم المعرفة، عالم
إنسان سفر التكوين: « قال
الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخيرَ والشرَ » تكوين (3:
23). هل لي أن
أذكر مرة أخرى أن الأنبياء جاؤوا به وحولناه إلى تنافس في فعل الشر، فكيف سنعود
إلى عهد الأنبياء؟ العهد الذي عقدوه مع الله في أن يدخلوا إلى عالم الحب
والرحمة، إلى عالم المعرفة، إلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم، إلى القلب
السليم، القلب الممتلئ معرفة ورحمة وحباً. قلت في الأسطر الأولى من مقالتي: إنني
أريد أن أعرض فكرة القرآن عن علاقة الإنسان بالوجود، يذكر القرآن هذا الموضوع في
مشهد حواري مثير للخيال والمعرفة التاريخية في آن واحد. (وَإِذْ
قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا
أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ
نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ
تَعْلَمُونَ. وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ) ] البقرة: 2/30-31 [. يتحدث عن
الإنسان حين كان مشروعاً لم يتحقق بعد. وكلمة خليفة: أي مخلوق يسند إليه مهمات
لكي يحققها، واعتراض الملائكة على هذا المخلوق بأنه غير مستأهل أن يحمل هذه
المهمة، حيث إنه سيفسد في الأرض ويسفك الدماء، ولكن جواب الله: إنه قال لهم إني
أعلم في هذا المخلوق ما لا تعلمون من إمكانات يُمكنه أن يحققها، وكأنه يقول: إن
هذه الإمكانية منبثقة من أنني جعلته قادراً على التسمية، أي على وضع الأسماء
للمسميات، بهذه القدرة استحق الإنسان ما لم تتمكن من علمه الكائنات الأخرى، بل
الإنسان نفسه لا يزال الباب أمامه ضيقاً والطريق مكرباً في أن يكشف علم الله
المستقبلي، فكأن البشر لا يزالون يعيشون على توقعات الملائكة من الإفساد في
الأرض وسفك الدماء، ولم يبدؤوا في تفهم ما علم الله في الإنسان، وما أعطاه من
قدرة على وضع الأسماء، (الجهاز العصبي المتصل بأجهزة الاستقبال كالسمع والبصر
والمتصل بجهاز الإرسال أي أجهزة النطق). (أَلَمْ
نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ. وَلِسَاناً وَشَفَتَيْن. وَهَدَيْنَاهُ
النَّجْدَيْنِ) ] البلد: 90/8-10 [. إن الذين
اعترضوا على استخلاف الإنسان ذكروا سببين للاعتراض وهما: الفساد في الأرض وسفك
الدماء. الفساد عدم المساواة، والاستكبار والاستضعاف وينتج عن هذه العلاقة
الفاسدة سفك الدماء. وسيتعلم الإنسان الخروج من الفساد في الأرض، وسفك الدماء،
لقد عاش الإنسان الاسترقاق وتقديم القرابين البشرية، وقطع مراحل جيدة في تقليل
الفساد وسفك الدماء حين قلل من الفساد، وأبطل نوعاً من الفساد بإلغاء الرق،
ونوعاً من سفك الدماء حين خرج من عصر تقديم القرابين البشرية، وإن كانت أمامه
أنواعٌ من الفساد وسفك الدماء عليه أن يتجاوزها أيضاً وبشكل مُلحٍ وعاجلٍ، حيث
لم يعد يؤدي أي دور إيجابي، بل تحول إلى عبء وفضيحة في الاستخلاف في الأرض
لإدارة الأعمال ؛ أن يعيش خمس العالم وهو يستهلك أكثر من أربعة أخماس إنتاج
العالم وأن يعيش الخمس الأفقر على 1.4 من إنتاج العالم إدارة فاسدة، وأن يموت
الملايين في حروبٍ استكباريةٍ وقِبَليةٍ على مسمع ومرآى من هذا الإنسان الذي صار
يعرف الخير والشر. يحدث هذا أمام عينيه ويمر بتغافل، إن لم يساهم في مده
واستمراره لأنه لا تزعجه الإدانة الأخلاقية لأنه لم يستطع بعد أن يفهم الأخلاق
على أنها اقتصاد أيضاً. إنه لم يرتفع في مستوى فهمه حتى يرى الأرضية الاقتصادية
للأخلاق والقيم كأن القيم خسارةٌ … لابد من إعادة النظر في معرفة الربح والخسارة
على مستوى أبعد وأعمق قليلاً. كما عرضنا
المشهد المثير بين الله والملائكة في الحوار الذي جرى عن الإنسان ومهمته، يمكن
أن نعرض مشهداً حوارياً آخر بين الله والأنبياء (آدم وزوجه) والشيطان. فإن هذا
المشهد الجديد يبين إمكانية أن يكون الإنسان موضع ثقة في أن يحمل العهد والأمانة
؛ أمانة الجهاز العصبي الذي امتاز به وصار عارفاً به الخير من الشر. « العهد،
الأمانة، الميثاق، الذمة، المعرفة، الوفاء » هذه الكلمات يستخدمها القرآن في
إبراز الوضع الإنساني المتميز عن سائر المخلوقات فيقول: (إِنَّا
عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ
أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ) ] الأحزاب: 33/72 [. إن
السماوات والكائنات الأخرى لا قدرة لها على تمييز الخير من الشر، بل ولا قدرة
لها على المعصية، إن الإنسان هو الذي صارت له القدرة على الطاعة والمعصية، وصارت
له قدرة على معرفة الخير والشر، معرفة الضار والنافع، هذه الأمانة حملها
الإنسان، إنه أسلوب في إبراز أهمية الوضع الإنساني. ولكن الحوار الذي يعرضه
القرآن في مكان آخر فيه تفاصيل دقيقة عن إبراز الوضع الإنساني حين يتابع الحوار
في مشهد استخلاف الإنسان في الأرض. حيث اعترف الملائكة بجهلهم لمّا تمكن آدم من
استخدام الأسماء في نقل المعرفة والخبرة بالرموز. قال الله لآدم: يا آدم أنبئ
الملائكة بأهمية استخدام الأسماء، قال القرآن: (قَالَ
يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ
قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) ] البقرة: 2/33 [. ولما طلب
من الملائكة استخدام الأسماء قالوا لا علم لنا، قال الله للملائكة: (أَنْبِئُونِي
بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ
لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) ] البقرة: 2/31-32 [. ثم ينتقل
المشهد إلى وضعٍ آخر: (وَإِذْ
قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى
وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ) ] البقرة: 2/34 [. ثم ينتقل
إلى مشهد آخر: (وَقُلْنَا
يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ
شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ.
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا …) ] البقرة: 2/35-36 [. وقال:
(فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا
مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ
إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ.
وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ. فَدََّلاهُمَا بِغُرُورٍ
فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ
عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ
أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ
لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ) ] الأعراف: 7/20-22 [. إلى هنا
يُثْبِتُ المشهد أن آدم وزوجه وقعا فيما نهى الله عنه، والشيطان أبى أن يسجد
للأمم حين أمره الله. ولكنني أرى أن الذي يدعو للتأمل هو موقف كل من آدم وزوجه
والشيطان. حين واجه الله آدم وزوجه والشيطان، في الوقوع في المعصية وعدم تنفيذ
الأمر، كان جواب آدم وزوجه: والخطاب هنا موجه من البدء لآدم وزوجه من دون تمييز
أو دونية أحدهما: (وَنَادَاهُمَا
رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا
إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ. قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا
أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ
الْخَاسِرِينَ) ] الأعراف: 7/22-23 [. إن آدم
وزوجه من غير أن يحاولا (اللف والدوران) اعترفا بكل الوضوح بالظلم الذي وقع
منهما، وطلبا المغفرة والرحمة وإلا فإن الخسارة ستقع عليهما، ومع أن القرآن يذكر
أن الشيطان قام بدور كبير في الإغراء ليأكلا من الشجرة وأنه سيمنحهما الخلد
وملكاً لا يبلى، وقاسمهما: إني لكما لمن الناصحين، لم يذكر آدم وزوجه أن الشيطان
أغراهما، بل تحملا المسؤولية دون اتهام أحد، بل ربما شعرا أن محاولة اتهام
الشيطان بالإغراء والإغواء يدينهما مرتين، بينما الاعتراف بالخطأ يمكن من تصحيح الخطأ
ولا يُعَقَّدُ الحل، ولعل آدم استحق الاستخلاف في الأرض لأنه قادر على الاعتراف
بالخطأ وتصحيح الخطأ، بينما الشيطان كان جوابه على معصيته: (وَلَقَدْ
خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا
لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ. قَالَ مَا
مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ
خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ. قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا
يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنْ الصَّاغِرِينَ.
قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قَالَ إِنَّكَ مِنْ الْمُنظَرِينَ.
قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) ش
الأعراف: 7/11-16 [. كان موقف
إبليس من معصيته أنه احتج بحجتين: الأولى
بأصله المادي، أي بعرقه وأنه من جنس مختلف ومعدنٍ أرقى من معدن آدم. والثانية
بمذهبه في التفسير للوجود من أن سبب خطئه يرجع إلى الله الذي مكنه من الوقوع في
الخطأ، وربما يمكن أن نفهم من هذا أن مشكلة البشر ترجع إلى الافتخار بالعرق أي
أصلهم المادي، والمذهب أي نظريتهم في تفسير الوجود في النزاعات العرقية والدينية
أو الحضارية. ثمة شيء آخر، إن التفسير الخاطئ للموضوع لا يساعد على حل المشكلة،
لكن التفسير الصحيح يساعد على كشف سبب الخطأ ؛ لإزالته والاهتداء إلى الحل
الصحيح، فمن هذا الجانب، إن تبرئة الذات واتهام الآخر ليس هو الطريق الصحيح لحل
المشكلة، وإنما يكون الحل من الذات وكشف الخطأ فيها، فالقرآن يهتم بالظلم الذي
يلحقه الإنسان بذاته لا الظلم الذي يلحقه من الآخر عندما يقول: (مَا
أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) ش النساء: 4/79 [. (وَمَا
ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ] النحل: 16/33 [. وإن أي
حكم من الإنسان على الآخرين حكّم على نفسه إن خيراً أو شراً. (مَنْ
عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ
بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) ] فصلت: 41/46 [. والتاريخ
يعلمنا أن الحضارات لا تموت شهداء، وإنما منتحرة من المرض الذاتي، وهكذا تتحلل
الحضارات، وهكذا تحلل الاتحاد السوفيتي، وهكذا مآل كل التجمعات البشرية التي ترى
نفسها أبناء الله وأحباءه. والقرآن يعرف المفهوم الذي يطلق عليه (الأرثوذكسية)
بأنهم هم الذين يرون أنفسهم أبناء الله وأحباءه يقول القرآن: (قَالَتْ
الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ
يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ) ] المائدة: 5/18 [. أنتم يسري
عليكم قانون البشر الآخرين مثل سائر خلق الله، ليس لكم ميزة، الله ليس عنده
أبناء فوق الشريعة والقانون. (قَالَتْ
الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ
الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ
لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) ] البقرة: 2/113 [. تتضحُ
تماماً الأحكام التي يصدرها الأقوام على الآخرين من أن الآخرين ليسوا على شيء،
إن هذا قانون وإن مثل هذا القول يقوله الذين لا يعلمون ينطبق على جميع الأمم. (وَقَالُوا
لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ
أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ. بَلَى مَنْ
أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) ] البقرة: 2/11-112 [. الكل
يمنون أنفسهم أن الجنة لهم فقط، هذه أمنيات البشر، قال الذين من قبلهم مثل هذه
الأقوال، ولكن قانون الله في التاريخ ليس على أساس الصور الذهنية، فمن هنا جاء
قانون الله الذي لا يفرق بين الناس. (لَيْسَ
بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا
يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً) ] النساء: 4/123 [. هذه هي
رسالة الأنبياء جميعاً وهذا ما جاء في الإنجيل عن يوحنا المعمدان: « فلما
رأى كثيرين من الفريسيين والصدوقيين يأتون إلى معموديته، قال لهم يا أولاد
الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي فاصنعوا أثماراً تليق بالتوبة ولا
تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم لنا إبراهيم أباً لأني أقول لكم إن الله قادر على
أن يقيم من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجرة
فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار » متى (3: 7-10). وفي
الإنجيل: « أقول
لكم إن كثيرين سيأتون من المشرق والمغرب ويتكئون مع إبراهيم واسحق ويعقوب في
ملكوت السموات، أما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة الخارجية، هناك يكون البكاء
وصرير الأسنان » متى (8: 11-12). وفي الإنجيل: « لماذا
لا تفهمون كلامي لأنكم لا تقدرون أن تسمعوا قولي، أنتم من أب هو إبليس وشهوات
أبيكم تريدون أن تعلموا » يوحنا (8: 44). التهمة
الموجهة للأمم من قبل الملائكة من أن هذا الإنسان سيفسد في الأرض ويسفك الدماء،
وقول الله إني أعلم ما لا تعلمون، وقدرة الإنسان على وضع الأسماء التي بواسطتها
سيحقق علم الله في التخلص من الفساد وسفك الدماء، هل يمكن أن نخرج من حكم
الملائكة على الإنسان بأنه مفسدٌ في الأرض سافكٌ للدماء؟ وهل يمكن أن ندخل إلى
علم الله في الإنسان بأسلوب علمي تاريخي يمكن أن يقنع الإنسان، ويفتح أمامه
مستقبلاً أفضل؟ أنا أزعم هذا ويمكن أن أفهم ما علم الله في الإنسان. إن منطلق
البحث في الجهاز العصبي للأمم القابل لنقل الخبرة والمعرفة من إنسان إلى آخر
بالأسماء، إنه انتقال من الجهاز العضلي إلى الجهاز العصبي، انتقال من (أنا حق
وصاحب سلطان لأني قوي بعضلاتي) إلى (أنا حق وأنا صاحب سلطان لأني أملك جهازاً
عصبياً قابلاً للفهم). «أنا
الفهم لي القدرة» أمثال (8: 14). أنا الفهم
لي القدرة على تسخير القوة وتسخير العالم، إن الذي يعتمد على الجهاز العضلي لم
يتطور عنده الجهاز العصبي لا، لا بل هو غائب عن الخبرة البشرية. «وقال
الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحدٍ منا عارفاً الخير والشر» تكوين (3: 23). «أنا
الفهم لي القدرة» أمثال (8: 14). «أنا
الحكمة أسكن الذكاء وأجد معرفة التدابير» أمثال (8-12). «تعرفون
الحق والحق يحرركم» يوحنا (8-32). والتاريخ
والواقع العملي يقول لنا: إن الإنسان لا يُخْرِج معه سلوكَه وفهمَه من بطن أمه
كما هو عند بقية الكائنات الحية، الإنسان يبدأ سلوكُه بعد أن يخرج من بطن أمه،
الإنسان لا يخرج من بطن أمه وهو يعرف لغة ما، إنه لا يخرج أحد من الناس من بطن
أمه وهو يعرف أي لغة، فقط يخرج إلى العالم من جسد أمه وهو يحمل الاستعداد
والقدرة على أن يتعلم لغة، على أن يتعلم الأسماء. ولهذا كان
رد الله على الملائكة الذين قالوا عن الإنسان إنه مفسد في الأرض سافك للدماء،
كان جواب الله: إني أعلم ما لا تعلمون. إني أعطيته القدرة على وضع الأسماء أي
نقل المعرفة بواسطة الرموز، وبهذه القدرة صار خليفة في الأرض. قال الله للملائكة
إني جاعل في الأرض خليفة، ومعنى خليفة يمكن أن يستند إليه إدارة الأعمال، صار
قادراً على تسيير أموره بقدراته الخاصة. إنه يمكن أن يعرف الخير من الشر، ويمكن
أن يعرف النافع من الضار، سيحتفظ بالنافع وسيترك الضار، إنني أشعر وأنا أبحث هذا
الموضوع أنني أتعامل مع شيء مقدس مع شيء جديد في الوجود، مع شيء متطور، كأنني
أتعامل مع الطفل المولود الجديد حامل القدرات، الناعم الدافئ القابل للنمو الذي
ينبغي أن أتعامل معه برفق، وبنعومة، وبحب. إن هذا المخلوق في حاجة إلى الأمومة،
لأي رحمة الأم وعطف الأم. كيف تستقبل الأم هذا الوليد بفخار وإعجاب وسعادة
غامرة؟ ينبغي أن نستقبل هذا الوليد في الوجود بكل الفيض من الإعجاب والتقديس
والرحمة والأمانة، وعلينا أن نقوم بالطقوس التي ينبغي أن تُعطي لهذا الإبداع
المنبثق من الوجود، أرقى شيء في الوجود. وما هي الأمانة التي ينبغي أن نكشفها
ونحملها لصيانة هذه الإمكانية؟ في القرآن يتحدث الله عن هذه النفس فيقول، بعدما
تحدث عن الشمس والقمر والليل والنهار والأرض والسماء، يتحدث بعد ذلك عن هذه
النفس، قمة التطور في الوجود يقول: (وَنَفْسٍ
وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ
زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) ] الشمس: 91/7-10 [. إنها
النفس، المسواة قمة العالم والتطور، عندها قابلية الاستخدام للصلاح والفساد،
ولكن البشر هم أيضاً الذين لهم القدرة على تزكيتها أو تدنيسها. يتحدث القرآن عن
هذا الخلق العجيب فيقول: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ
طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا
النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ
عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ
فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) ] المؤمنون: 23/12-14 [. هذا أحسن
الخلق وقمة الخلق،هذا المسند إليه إدارة الأرض وتطوير المجتمع الإنساني. هذا
الذي صار عارفاً بالخير والشر، هذا الذي يتعلم من التاريخ، من الأحداث ولا يكرر
الخطأ، ويقول القرآن عن الإنسان: (لَقَدْ
خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ
سَافِلِينَ. إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ
غَيْرُ مَمْنُونٍ) ] التين: 95/4-6 [. الإنسان
بجهازه العصبي الفريد، هذا الجهاز مادة خام قابل أن يعبأ بالخير وبالشر وقادر
على معرفة الخير من الشر بالعواقب، فهو متمكن من التغيير، وحتى الفاسد يقبل
التغيير والإصلاح، هناك قانون رائع في القرآن: (إِنَّ
اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) ] الرعد: 13/11 [. إن تغيير
الإنسان له الأولوية. هذا الجهاز العصبي الفريد القابل لتغيير محتواه بالأسماء
وبتعليمه وبتعلمه كيف بدأ الخلق؟ في القرآن توجيه عميق في تحديد مصدر المعرفة
بعد أن صار للأمم الجهاز العصبي الفريد القابل للاستيعاب، القرآن يدله على مصدر
المعرفة فيقول: (انْظُرُوا
مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا تُغْنِي اْلآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ
قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ) ] يونس: 10/101 [. النظر في
السموات والأرض مصدر المعرفة ويقول القرآن للناس: (سِيرُوا
فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) ] العنكبوت: 29/20 [. إن السير
في الأرض والنظر فيها يفهم الإنسان منه كيف بدأ الخلق ومعرفة كيف بدأ الخلق هو
الذي يعطي للأمم سلطة التسخير وتمييز الخير من الشر والنافع من الضار، هو الذي
يجعله يدخل إلى عملية الخلق والإبداع الذي هو من صفات الله، وهذا هو الاستخلاف
في الأرض كما في القرآن: (وَإِذْ
قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي اْلأرْضِ خَلِيفَةً) ] البقرة: 2/30 [. وهذا معنى
القول الوارد في سفر التكوين: « وقال
الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحدٍ منا عارفاً الخير والشر » تكوين (3:
23). الإنسان
بجهازه العصبي صار خلقاً آخر، بهذا انتقل الإنسان إلى عالم غير عالم الحيوانات
الأخرى، من هنا صارت له شريعة من نوع آخر، شريعةُ نقل المعرفة بالرموز، انتقل
الجهاز العضلي إلى الجهاز العصبي، هذا هو التطور الذي حدث. وبهذا التطور صغر حجم
عضلات الإنسان وكبر جهازهُ العصبي، ولكن بهذا الجهاز اكتُسِبَت قوى عضلات
الحيوان فسخر الحيوانات واستأنسها، واستغل عضلاتها وعاش على عضلاته فقط دهوراً
طويلةً ولكن بجهازه العصبي استطاع أن يسخر عضلات الحيوان التي هي أقوى من
الإنسان واستمر الإنسان مع عضلات الحيوان عشرة آلاف عام، ثم سخر النار والبخار
وأمسك بالكهرباء ووصل إلى درجة أنه عرف سر طاقة الشمس والنجوم، إن شأن الجهاز
العصبي للأمم أعلى من كل طاقات النجوم والشموس، يقول القرآن: (وَسَخَّرَ
لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي
ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ] الجاثية: 45/13 [. إن
الإنسان عاش طويلاً معتمداً على عضلاته، وكانت فاعليته في عضلاته، ولم يتمكن من
اكتشاف قدرات جهازه العصبي إلا بمعاناة شديدة ومتطاولة، لهذا الملائكة لما
قالوا: (أَتَجْعَلُ
فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) ] البقرة: 2/30 [. كان معهم
العذر، ولكن الله علم في الإنسان أنه سيستفيد من جهازه العصبي في تحصيل
المعلومات، ومن جهازه النطقي الإرسالي في نقل المعلومات، وسيتخلص من الاعتماد
على عضلاته في حفظ ذاته وبيئته، وإمكانات جهازه العصبي غير قابلة للتوقف، إن
الله رد على الملائكة، واعترفت الملائكة بقلة علمهم وسلموا العلم لله، واعترفوا
بقدرة آدم على العلم، ولكن الله ينتقل فيقص علينا قصة أخرى في القرآن كما في سفر
التكوين، هي قصة ابنَيْ آدم. تأثرت بهذه القصة وبهذا الخبر وتملكني الإعجاب إلى
حد الذهول فكتبت كتاباً حول هذه القصة منذ ثلث قرن وسميت الكتاب (مذهب ابن آدم
الأول أو مشكلة العنف). إنني أعيش
مع الفكر الإنساني والحضارات، ولكن أزعم أن لي القدرة على الفهم الخاص، فلي الحق
في أن أفهم غير ما فهمه الناس، وأشعر أن الله والأنبياء والكتب والتاريخ تساعدني
وتشد من قوتي في مواجهة العالم. أنا أفهم وأتلمس بقرون الاستشعار فهماً أعلى،
وأجد الله والأسماء والكتب يقولون لي: تقدم ولا تخف فهذا الذي يشجعني، ويجعلني
أجرؤ على الإعلان والتبني لما فهمت. ما قصة
ابن آدم هذا في القرآن؟ يذكر قصة ابني آدم قائلاً موجهاً الكلام إلى محمد (ص) أن
يتلو على البشر وعلى العالم جميعاً نبأ ابني آدم بالحق: (وَاتْلُ
عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّباً قُرْبَاناً
فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الْآخَرِ قَالَ:
لأقْتُلَنَّكَ قَالَ: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ، لَئِنْ
بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ
لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ
تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ
جَزَاءُ الظَّالِمِينَ، فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ
فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرْضِ
لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ. قَالَ: يَاوَيْلَتى أَعَجَزْتُ
أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ
مِنْ النَّادِمِينَ) ] البقرة: 5/27-31 [. من أراد
أن ينظر إلى هذه القصة حقيقة واقعية فليفعل، ومن أراد أن ينظر إليها رمزاً
فليفعل، إلا أنني أجد في هذه القصة، ارتفاع الإنسان إلى مستوى جهازه العصبي
الجديد، جهاز الفهم والتسخير والانتقال بالسلطة والقانون إلى الوعي الإنساني، لا
إلى الجهاز العضلي للأمم، هذا هو التطور والنتيجة الأولى للتطور والانتقال،
والتمييز الاختياري بين الشر والخير، وأن السلطة لجهاز الفهم لا لجهاز العنف
والإكراه. تَطورَ الإنسان إلى شريعة الفهم وخرج من شريعة الغاب والناب إلى شريعة
الحوار وتحمل مسؤولية التطور وعدم القبول بالعودة إلى القانون السابق، عالم سابق
تجاوزه الإنسان، وأمانة تحملها وعهد أخذه، ينبغي الوفاء به، وأن لا يخون
الأمانة. إن قصة
ابن آدم المقتول في القرآن تضيف إلى القصة التي في سفر التكوين موقفاً من ابن
آدم القتيل، إنه جرى بينهما حوار فالذي لم ينجح في عمله وفشل في حل مشكلته، بدل
أن يراجع نفسه المتطورة، رجع وانتكس إلى الأسلوب القديم ؛ أسلوب القتل ؛ وقال
لأخيه هابيل الذي تقبل الله قربانه ونجح عمله: لأقتلنك، سفر التكوين لا يذكر
جواب هابيل في الحوار، والقرآن يذكر جواب هابيل بوضوح وإصرار ووعي من هابيل.
أجاب هابيل على التهديد من قبل أخيه فقال: (لَئِنْ
بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ
لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) ] المائدة: 5/28 [. لم يقف هابيل هذا الموقف بتردد بل بإصرار ووعي وتحمل للعواقب
وتحمل للمسؤولية وحسن استخدام للسلطة الجديدة التي اكتسبها الإنسان، هذا الذي
ينبغي أن نقف عنده لبدء عهد جديد. ولقد دشن هابيل بموقفه هذا، الوعي التاريخي
التطوري، سواء صحت هذه القصة أم لم تصح كتاريخ، إلا أن الكون يشهد بعد أربعة
ملايين من السنين على ظهور الإنسان المنتصب القامة المرفوع الرأس ذي الجهاز
العصبي المتطور، بصحة قصة سقراط. فكما شهد العالم وحتى الكنيسة برّأت جاليليو
بعد أربع مئة عام من أن فكرته ليست هرطقة، فإني أشهد أن موقف هابيل ليس هرطقة،
بل هو الموقف المتطور للحياة الإنسانية الجديدة مهما كان كشف ذلك صعباً، إن هذا
الموقف ليس هرطقة، وإذا كان صعباً علينا أن نثبت تاريخياً صحة هذا الحوار وهذا
الموقف من ابْنَيْ آدم، إلا أن التاريخ سجل لنا موقفاً شبيهاً وتاريخياً هو موقف
سقراط وتحديه بقبول العنف الجسدي والموت، ورفض أن يُقفَ حواره مع الجهاز العصبي
أو يهرب من الحوار. إننا نقدم هنا تحية إعجاب وخشوع لابن آدم الأول ولسقراط
لأنها وثقا بالتطور الذي حدث للأمم ولم يتراجعا، ورفضا أن يقبلا العودة إلى
شريعة القوة الجسدية، فنها قدما مثلاً وموقفاً للمثقف، ولكن القرآن يعرض
الأنبياء جميعاً على أن موقفهم كان مثل موقف ابن آدم ؛ منهم من قتل ومنهم من مات
موتاً طبيعياً ويذكر هذا الموقف في حوار بعض الأنبياء. جاء في القرآن عن النبي
نوح، وأمر الله محمداً (ص) أن يتلو على العالم جميعاً نبأ نوح كنبأ ابن آدم: (وَاتْلُ
عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ
عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ
فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ
غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ) ] يونس: 10/71 [. إن نوحاً
هنا يتحدى جهاز الفهم عند البشر، ويصمم على الصبر في هذا الحوار والدعوة، افعلوا
أنتم ما شئتم، إنني سأخاطب عقولكم بالمعرفة، وليس أجسادكم بالأذى، ويذكر القرآن
حوار شعيب مع قومه وتصميم شعيب على الحوار والتمسك بآرائه: (قَالَ
الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ
وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا
قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ. قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً
إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا
يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا..) ] الأعراف: 7/88-89 [. وكذلك
يذكر القرآن على لسان الأنبياء جميعاً تصميم الرسل على الصبر على أذية أقوامهم
من غير أن يواجهوا الأذية مقلها، وإنما يصبرون على الأذى ويستمرون في الدعوة
والحوار وتحمل النتائج، لن نعود إلى ملة العنف، قد افترينا على الله كذباً إن
عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها، يقول القرآن: (أَلَمْ
يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ
وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ
رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا
إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا
تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ. قَالَتْ رُسُلُهُمْ.. وَعَلَى اللَّهِ
فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ. وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ
وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى
اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي
مِلَّتِنَا..) ] إبراهيم: 14/9-13 [. هنا
التصميم واضح على لسان الأنبياء جميعاً على الصبر على أذى الأقوام من غير أن
يردوا على الأذى بأذى، فهم على موقف ابن آدم الذي رفض الدخول إلى صراع الأجساد ؛
يثبتون في صراع الأفكار، ولا يقبلون العودة إلى ملة صراع الأجساد والعضلات
ويقولون: (قَدْ
افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ
نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا) ] الأعراف: 7/89 [. وهي ملة
شريعة الغاب، شريعة العنف أو الخضوع لصاحب القوة. هذا هو
الموقف السلمي، والامتناع عن الدفاع عن النفس، والصبر على الأذى، والإصرار على
الاستمرار في ممارسة حرية الرأي وتحمل ما يترتب عليه. وهكذا يكون ترسيخ عمليات
الرأي والمعتقد، لتبقى الساحة نظيفة ومعقمة، كغرف عمليات الجراحة. هذه النظافة
الفكرية، مارسها ابن آدم وسقراط والأسماء، وهكذا يصنع مناخ حرية الرأي والعقيدة. من
المفارقات التي ينبغي أن تذكر هنا، أن جميع جيوش العالم يربون ويصنعون على أساس
الطاعة وتنفيذ الأوامر التي تصدر إليهم، قديماً وحديثاً وإلى يومنا هذا. وغن
كانت بدأت توجه بعض الاتهامات التي لا تزعج على هذه المؤسسة، وكذلك بدأ بعض
الأفراد يقدمون استقالاتهم أو يرفضون الأوامر، كاستقالة وزير الدفاع الفرنسي في
حرب الخليج، وامتناع بعض الجنرالات الروس في حرب الشيشان، وإن ظاهرة الخلل التي
أصيب بها الجنود في حرب الخليج وفي حروب فيتنام من الشعور بتوبيخ الضمير، يبحثون
لها عن مبررات، ولكن لابد من الانتباه إلى أن هذا الجهاز العصبي له قوانينه
الخاصة فأي خطأ له ثمنه، حيث لم يعد للحروب أي مبرر، ربما كان قديماً يمكن
تبريرها، أما الآن فقد فقدت أي مبرر والأيام ستكشف أن الإنسان له تطلعات عميقة. ولكن
الأنبياء جميعاً تنبهوا إلى هذا، وخرجوا من هذا الإجماع العالمي وتوجهوا إلى
الإنسان وقالوا له: أنت أيها الإنسان لك سيد واحد سماوي ينبغي طاعته فإذا جاء
أحد من البشر وطلب منك أن ترجع إلى شريعة العضلات عليك أن ترفضه بدون تردد. « لا
يقدر أحد أن يخدم سيدين » متى (6: 24). (اعبُدوا
اللهَ واجْتَنِبُوا الطاغوتَ) ] النحل: 16/36 [. العالم
جميعاً يريدون من الجندي أن يكون مثل البندقية يطيع الأوامر، ولا حق له في
رفضها، هكذا يرون، ويمثل هذا المفهوم في أعلى مستواه « إذا ذهبتم إلى القتال
يوجد احتمال انم لا تموتوا ولكن إن لم تذهبوا إلى القتال فستموتون حتماً ». وهذا ما
قاله فرعون القديم للذين رفضوا خدمته وخرجوا من ملته. (فَلأقَطِّعَنَّ
أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ
النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى) ] طه: 20/71 [، فوقفوا موقف ابن آدم وواجهوا التهديد بالصلب، مثلما واجه ابن
آدم تهديد أخيه، وقالوا لفرعون (لَ نْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ
الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ
الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) ] طه: 20/72 [. الأنبياء
اعترفوا بنعمة الله عليهم في أن الله جعلهم يعرفون الخير والشر: « وقال
الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحدٍ منا عارفاً الخير والشر » تكوين (3:
23). إن
الإنسان الذي عرف الخير من الشر لا يمكن أن يفعل الشر ويطيع داعي الشر، إنه
سيفعل الخير ويمتنع عن فعل الشر، وهذه نقطة مهمة. التدريب الأول الانسحاب من فعل
الشر والاستمرار في الخير. هكذا علم الأنبياء، إن جندياً من هذا النوع لن
يُقْبَل في جيوش العالم اليوم، من الذي سيشتري سلاحاً له قدرة على رفض الأمر؟ من
الذي يشتري سيفاً عارفاً الخير والشر فيفعل الخير ويرفض أن يفعل الشر. هذا ما
أراد الأنبياء أن يصنعوه من الإنسان. إنهم لا يريدون بندقية من لحم ودم، ومن دون
جهاز عصبي عارف للخير من الشر ويحمل بندقية من حديد ونار. لعلي
أُبسِّط الأشياء إلى درجة مبتذلة، ولكن نريد أن نرفض ملة ومذهب ابن آدم القاتل،
ونحيي ونؤصل ونرسخ مذهب ابن آدم الذي قال إنني صرت عارفاً الخير والشر، وخرجت من
شريعة الغاب. إنك يمكن أن تقتلني، ولكن لا يمكنك أن تجعل مني قاتلاً. يمكن أن
تقتلني، ولكن لن تكسب المعركة، يمكن أن تقتلني وإنني سأموت إن لم تقتلني أيضاً،
ولكن لن أجعل موتي بطريقة تجعلك تؤمن بجدوى القتل، إنني سأحرمك من الإيمان
بفائدة القتل، إنني لن أشارك في إعطاء جدوى من القتل، وسيكون ذلك بامتناعي عن
الدخول إلى معركة الأجساد، فإذا دافعت عن نفسي ستؤمن بأن القتل ينفع ويخدم ويؤدي
دوراً، إنني سأنسخ وسألغي الفائدة من القتل، وسأجعل القتل قبيحاً حتى في عينك
أنت أيضاً. أنظر ماذا قال الرب الإله في التوراة لابن آدم القاتل: « فقال
الرب الإله لقايين أين هابيل أخوك، فقال: لا أعلم، أحارس أنا لأخي. فقال: ماذا
فعلت، صوت دم أخيك صارخ إلي من الأرض … فقال قايين للرب ذنبي أعظم من أن يحتمل »
تكوين (4: 13). وفي
القرآن يقول: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ
مِنْ الْخَاسِرِينَ).. ثم قال: (يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ
هَذَا لْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ
أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ) ] المائدة: 5/31 [. يمكن أن يفسر النجاح في القتال فخراً وبطولةً، ويمكن أن يعتبر
اغتيال المُسلحِ الذي يحاط بالحراسة مهارة، ولكن قتل الذي لا يدافع عن نفسه ولا
يقبل مثل هذه المواجهات، لا يمكن أن يعتبر مثل هذا القتل إلا جريمة مقززة. إنه
الأسلوب الاقتصادي، مهما خدعنا أنفسنا، ولا يمكن أن يُقْتَلَ بهذا الموقف عدد
كبير، كما يحدث في المعارك، ولا يحتاج إلى خارق لفهم هذا. إذن لماذا
لا نجتهد في جعل القتل جريمة؟ نحن الذين نستطيع ذلك. إن ابنا آدم، والأنبياء،
وسقراط، جعلوا القتل جريمة، نزعوا أي إعجاب من القتل. والتوراة والقرآن يذكران
أن ابن آدم القاتل أصيب بالخسارة وأكله الندم، هذا هو المرض اللاشعوري الذي يصاب
به الجنود الذين يدخلون في حروب هي جريمة مهما لبست من لبوس، هذا الجهاز العصبي
ليس لعبة بدون قوانين وأهداف. إن نتائج استخدامه استخداماً سيئاً تحدث أضراراً
لا نهائية، إذا كان الفساد ظهر في الآفاق مما كسبت أيدي الناس، فإن الفساد سيظهر
في الأنفس من إساءة التعامل معها، إن العالم كله يعيش مرض عدم التكيف مع الجهاز
العصبي. لقد تطور
هذا الموضوع عند المسيح ومحمد(ص) إلى درجة أن الأمر وصل إلى حب الأعداء والإحسان
إلى الذين يسيؤون إليهم، يقول المسيح: « سمعتم
أنه قيل عين بعين وسن بسن أما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر.. سمعتم أنه قيل
تحب قريبك وتبغض عدوك وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم واحسنوا
إلى مبغضيكم … لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات فإنه يشرق شمسه على
الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين، إن أحببتم الذين يحبونكم فأي
أجر لكم أليس العشارون أيضاً يفعلون ذلك » متى (5: 38-48). ويقول
القرآن عن أصحاب محمد ليس أمراً لأصحابه أن يحبوا أعداءهم بل يخبر عنهم أنهم
يحبون أعداءهم فعلاً. يقول: (هَاأَنْتُمْ أُوْلَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا
يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ) ] آل عمران: 3/119[. لقد تطور
الموضوع أكثر عند أصحاب محمد حين يصفهم أنهم يحبون أعداءهم فعلاً، لا أنه يطلب
منهم فعل ذلك فقط. إنني أحاول أن أقرب فهم دعوة الحب في كل المستويات، وأحاول أن
أظهر لهم ذلك، وأن أجعل فهم حب الأعداء ممكناً وليس جنوناً ومستحيلاً وخيالياً
كما عشنا خلال تاريخ البشر كله. أقول: علينا أن نتمكن من فصل الجسد عن الأفكار،
إن الجسد يُولَد وهو لا يحمل شراً وإنما نحن الذين نضع في الجسد الشر ونصنع
الشر، نحن الذين نضع في الجسد الشر. (وَنَفْسٍ
وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ
زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) ] الشمس: 91/7 -10 [. نحن الذين
نزكي النفس أو ندسيها. أضرب لهم مثلاً فأقول: ألسنا إذا أصيب أحد بالمرض نحب
المريض ونكره المرض، وخاصة إذا كان المريض قريباً لنا؟ ألسنا قادرين على التفريق
بين المريض وبين المرض، فنحب المريض ونكره المرض، ونسعى بكل جهدنا أن نقضي على
المرض وننقذ المريض؟ فكيف لو رأيتم طبيباً يرى علاج المريض بقتله بدل تخليصه من
المرض، من الذي سيتعالج عند هذا الطبيب؟ أليس المريض في أفكاره أيضاً إنساناً
مريضاً، يمكن تشبيهه بالمريض مرضاً جسدياً؟ أليس في الإمكان أن نحب المريض
فكرياً ونكره مرضه؟ إن المريض أحوج ما يكون إلى الحب والإحسان والعطف، إن المريض
فكرياً مريض بالجهل والكراهية فهو في حاجة إلى الحب والمعرفة. متى سنتعلم أن
المعرفة حب وان الحب معرفة؟ إننا نستطيع أن نحول الكراهية إلى حب، وهذا أعظم
الاستثمار، القرآن يقول بعبارة واضحة صريحة. (وَلَا
تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا
الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) ] فصلت: 41/34 [. هذه ليست
أمنيات وخيالات، ولا طوباويات. هذه حقائق وعلم ويقين عند الأنبياء وعند الله،
وهذه الحقيقة سنكتشفها بل العلم بها صار ممكناً. بشروا العالم، ملكوت الله قادم
بلغة العلم ليس ببشارة النبوة فقط، وأن الدماغ الإنساني والجهاز العصبي قابل أن
يصنع ما يوضع فيه. هل يمكن أن أصرخ في البرية كما فعل يوحنا المعمدان: « قد جاء
يوحنا المعمدان يكرز في اليهودية قائلاً توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات..
صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب اِصنعوا سُبُلَهُ مستقيمةً » متى (3: 1-3). هل يمكن
أن أصرخ وأقول إن الذي قام بالتفجير في (أوكلاهوما سيتي)، والذي فجر الغاز في
أنفاق (طوكيو)، والذي اغتال السادات، والذي قتل (إسحق رابين)، وكل الذين اتخذوا
قرارات الحروب في النصف الأخير من هذا القرن، من حرب كوريا وفيتنام وحرب الخليج
الأولى والثانية، كل هؤلاء يصرخون بأنهم يجهلون التاريخ والتطور الذي حدث في
العالم؟ وأن كل الذين قُتلوا في هذه المعارك قرابين بشرية لا يدعمهم إلا أن
آباءنا كانوا من أكلة لحوم البشر يوماً ما؟. لما كان
الناس يجهلون أسباب الأوبئة التي كانت تجتاح العالم لم يكونوا يعرفون كيف جاء
الوباء، ولا كيف ذهب، وإنما يترك الموتى ويذهب. ولكن بعد أن عرف الناس وتمكنوا
من رؤية الكائنات الحية الدقيقة التي تسبب الوباء، يتمكنون الآن من إيقافها
ومعافاة الناس منها. وإذا أصيب بلد بالوباء الآن، يمكن أن نقول عنه إنّه بلد لا
يعرف النظافة، وبالمثل يمكن أن نقول: إن الحروب التي تندلع هنا وهناك أسبابها
جهل بالكائنات الفكرية المقدسة التي تدفع الناس إلى القيام بالمذابح. إن أغذيتنا
الفكرية لا تزال ملوثة وكأننا نزعم أننا نحرم الأسلحة الجرثومية، ولكننا نحمي
الجراثيم الفكرية. إنني لم أعد في حيرة، إن العلم بالنافع والضار سيرغمنا على حل
المشكلات، وغن العلماء سيكشفون هذا وسيصيرون قادرين على الإقناع، وحتى علماء
الاقتصاد والصناعة بدؤوا يكشفون أهمية الصدق ليكون التعاون مثمراً، إنني أشفق
على الذين لا يتمكنون من فهم هذا، وألوم نفسي لأنني لم أتمكن من توضيح الموضوع،
وسأظل أجتهد وأبحث لأتمكن من التوضيح، ولن أملّ. لقد علمنا المسيح أن لا
نمل. « كم مرة
يخطئ إليَّ أخي وأنا أغفر له. هل إلى سبع مرات. قال له يسوع لا أقول لك إلى سبع
بل سبعين مرة سبع مرات » متى (18: 21 - 22). |
|
|