في الدين والقرآن

جودت سعيد. من كتاب ((الدين والقانون))

 

الإنسان

وهنا قبل أن أبدأ بعرض الفكرة الدينية عن الوجود والإنسان بعد العرض التاريخي، مفيد أن نلفت النظر إلى أهمية التطور الحاسم الذي فصل الإنسان عن بقية الأحياء، وهو الجهاز العصبي المستوعب، وجهاز النطق المرسل، حيث ترتب على هذا الإبداع المبهر إمكانية نقل الخبرة (المعرفة) من الجهاز العصب إلى الجهاز العصبي الآخر بالرمز الصوتي، فإن الجهاز العصبي يستوعب الأشياء بالرمز الضّوئي (رؤية الأشياء)، ولكن ما استوعبه الفرد بخبرته الخاصة ورؤيته الضّوئية، يمكن أن ينقله إلى الآخر بالرمز الصوتي الكلامي. ثم ابتكر الإنسان المبدع تحويل الرموز الصوتية إلى رموز ضوئية بالكتابة، فهنا حدث اقتصاد كبير للتبديد الذي كان يتم بموت الإنسان وموت خبرته معه، فقد ابتكر وسيلة يحفظ فيها خبرته ولا تموت بموته، وهذا الابتكار حديث في حياة البشر، حيث لا يزيد عمر الكتابة عن خمسة آلاف عام، أما عمر الورق الذي سهل الكتابة فمنذ ألف عام أو يزيد قليلاً، وأما الحفظ الإلكتروني فمنذ عقود قليلة.

فالخبرة لا تنتقل من دماغ إلى آخر إلا بواسطة الترميز بالضوء أو الصوت، ومع إمكان الخطأ في تفسير المرئي والمسموع فإن هذا الخطأ يمكن تلافيه، وهذا شيء مهم جداً أرى أنه لم يتم الانتباه إليه، ففقدوا الثقة وتشككوا في إمكان الفهم، ووصلوا إلى العدمية الحديثة كالسوفسطائية القديمة.

فقد نخطئ في فهم ورؤية حركة الشمس ونخطئ في فهم العبارة التي تدل على المعنى. ولكن الشمس لن تخطئ في حركتها من أجل خطئنا في فهمها، ولن تبالي بخطئنا بل ستظل تتبع قانونها.

وقد نخطئ في فهم الكلام المسموع والمقروء ولكن لن يخطئ المعنى الذي يتعلق بالوجود الذي يحتفظ بقوانينه، فهذا الخطأ المحتمل في قصور الرمز ونقصان كفاءته في نقل الخبرة، يكمل ويصحح بالعودة إلى المرموز إليه، وليس إلى الرمز، ولا إلى الصورة الذهنية، وإنما إلى الواقع الخارجي الحي النابض الذي لن يخرج على قوانينه، وكلما عدت إليها تجدها كما هي، فقوانين الوجود لا تخطئ مهما أخطأنا نحن في فهمها وتفسيرها، وبهذا نكون حللنا مشكلة النص والرمز والدلالة وهو شيء مهم جداً في الدخول إلى عالم الدين.

ولقد قلت من قبل العبارة التالية وأعيدها هنا لتأكيدها:

(إن الموضوع يتعلق بالواقع الذي نتعامل معه، فهو أمامنا بذاته وبماديته والذي نحن جزء منه أيضاً، ثم بتصورنا نحن لهذا الواقع. فمن هذا الجانب أجعل الدين أيضاً تصوراً مهما كان مصدره ؛ لأنه لا يمكن أن يصل إلينا إلا تصّوراً وبواسطة الرموز).

ويكون التأكد منه بالعودة إلى الموضوع الذي يتحدث عنه.

وهنا يمكن أن نرى العلاقة بين الوجود الذي يحتفظ بقوانينه التي لا تتغير، وبين صورنا الذهنية وكلامنا المنطوق أو المكتوب علاقة لا فكاك منها، فلا فائدة من الرموز من دون خبرات، ولا فائدة من الخبرات إلا إذا أمكن نقلها بالرموز، فهذا موضوع الإبداع في الإنسان الذي تحرر من قيود نقل الخبرة بواسطة الجينات، إلى التمكن من النقل بواسطة الرموز الضوئية والصوتية.

إذن فالوحي أو الفكرة المتولدة من الخبرة كلاهما لا يمكن نقلهما إلى الآخر إلا بواسطة الرمز الضوئي أو الصوتي. فالنبي المرسل والكتاب المنزل، والإنسان الذي يستقبل ذلك، معرض لما تعرضت له الشمس من الفهم الخاطئ نفسه، وبغير العودة إلى الواقع الذي كونّا عنه صورنا الذهنية، لا يمكن التعويل على صورة ذهنية، ولا رمز ضوئي، ولا صوتي. وحتى سمعنا وبصرنا لا يغني عنا شيئاً حين نفقد التعامل مع الوقائع، وهذا الفصل والوصل في آنٍ واحدٍ، بين الوقائع والصور الذهنية أمر جوهري في حياة الإنسان، وخاصة في المجال الديني حيث كان الفصل أصعب، ويمكن أن نقول: إن الدين أو المتعالي أو المقدس خاطبنا بلغتين: لغة الوقائع والقوانين التي تحكم وجودنا، ولغة الرموز التي تعبر بالتأويل عن الوقائع، ولابد من الفصل بينهما وأنهما ليسا شيئاً واحداً، ولو كانت كلمة النار ناراً واقعية لحرقت اللسان الذي ينطق بها، والورق الذي يكتب عليه، ولابد من الوصل بين النار الموقدة خارج كلمة النار، وكلمة النار التي لا يمكن نقل المعلومات والخبرات عنها إلا بواسطة الكلام. وليكون الفصل والوصل حقيقياً ومفيداً، فإن المرجع هو الوقائع لزيادة المعرفة، والرموز أو الكتب هي المرجع في تحصيل المعرفة التي سبق أن حصل الناس عليها.

فهذه المزدوجة هي ما امتاز بها الإنسان ليخرج عن بقية الكائنات الحية، وليستمر في معرفة سنن التسخير وحفظ قوانينه بالرموز، وبالكتب، بوسائل نقل المعرفة وحفظها.

والتعامل مع الوقائع له قوانينه ومراجعه بإحصاء العواقب النافعة، وكذلك التعامل مع الرموز له قوانينه، ومع عظم فائدته واستحالة الاستغناء عنه، فإن المرجعية الحقّة إنّما ترجع إلى إحصاء العواقب النافعة. وعلم الرموز والدلالة والألسنيات والسيميائيات، ألقت أضواء نافعة على كيفية حدوث الوقائع، وأسلوب التواصل لنقل المعرفة وتعميمها.

والتمكن من عرض هذا الموضوع بتبسيط مقنع واختصار للجهد والزمن ورفع للمردود غاية تحقيق إنسانية الإنسان وإبراز إمكاناته التي لما تبرز إلى الوجود إلا قليلاً.

وبعد هذه الرؤية التاريخية للوضع الإنساني سأحاول إلقاء بعض ما توصلتُ إليه من الرؤية الدينية للمشكلة الإنسانية من خلال القرآن.

وفي بادئ الأمر ينبغي أن نفصل ونصل أيضاً بين المتعالي الخالق الأعلى، وبين الكون الذي نعيشه، كما فصلنا ووصلنا بين الوجود الكوني والمتعالي، بين الرمز والمرموز إليه ويمكن أن نعتبر الكون كله رمزاً للخالق المتعالي المقدس. ولكن في هذه المرة الأمر بالعكس فإن التعرف على المتعالي يكون بواسطة الكوني، ومن خلاله تحصل لدينا المعرفة بالمتعالي.

الآن سأبدأ التعامل مع نصوص القرآن للتعامل مع الوجود الكوني والإنساني.