|
في أسس الدين والقانون من رؤية قرآنية جودت سعيد. من كتاب ((الدين والقانون)) |
بحث
|
|
|
للبحث في
القانون والدين ينبغي أن نبحث في الإنسان الذي يفرض كينونته الخاصة: الدين
والقانون. وسأحاول تناول الموضوع من جانبين: 1- من
الناحية البيولوجية والنفسية والتاريخية. 2- من
الناحية الدينية كما يعرض القرآن لهذه القضية، من وجهة نظري الخاصة في التفسير
فقد يتداخل الجانبان أثناء البحث، وإن كنت سأحرص على البقاء في الفصل بينهما
والاستعانة بهما معاً. في البدء
ينبغي أن نحدد هذين الجانبين اللذين أتحدث عنهما والذين سميتهما الناحية
البيولوجية والناحية الدينية، ولأحدد هذين الجانبين بدقة أكثر يمكن أن أقول: إن
الموضوع يتعلق بالواقع الذي نتعامل معه، فهو أمامنا بذاته وبماديته، والذي نحن
جزء منه أيضاً، وتعلق بتصورنا نحن لهذا الواقع، فمن هذا الجانب أجعل الدين أيضاً
تصوراً مهما كان مصدره، لأنه لا يمكن أن يصل إلينا إلا تصوراً وبواسطة الرموز. ولأزيد
الموضوع وضوحاً أكثر ليكون انطلاقنا من أرضية صلبة وواضحة ينبغي أن نفرق بين
الموضوعات التي أمامنا وبين الصور الذهبية التي تتكون عندنا
نحوها، ولأزيد الموضوع وضوحاً ينبغي أن أضرب مثلاً: ففي الإنجيل: « كلم به يسوع
الجموع بأمثال، وبدون مثل لم يكن يكلمهم » متى (13:24). وفي
القرآن: (وتِلكَ الأمثالُ نَضْرِبُها للناسِ وما يعقلُها إلا العالمونَ) ] العنكبوت: 29/43 [. ومن غير
أن نخوض في الجدلية القائمة بين القاعدة والمثال، ينبغي أن نعرف أن الأمثلة منها
تستنبط القواعد، وأن القاعدة مصدرها الوقائع، والوقائع هي الأمثلة، والمثل الذي
أريد أن أضربه هنا لأفصل بين الوقائع والصور الذهنية الشّمسُ التي يضرب بها
المثل في الوضوح والظهور في جانب كم كانت الصُّور الذهنية للبشر خاطئة في تفسير
ظاهرة الليل والنهار، وكيف أخطأ البشر جميعاً في فهم الظاهرة التي كانوا
يعيشونها. حتى إن
الإنسان هو الذي كشف خطأ تصور الناس في ظنهم أن الشمس تدور حولنا، وأن الأمر
بالعكس تماماً، فنحن الذين ندور حولها وأمامها، وليست هي التي تدور حولنا. إن هذه
الصورة الذهنية القديمة كان الناس حريصين عليها، وعندهم استعداد لأن يموتوا من
أجلها، وأن يرسلوا الآخرين إلى الموت بسببها. فإذا كانت
هذه الشمس مضرب المثل في الوضوح صارت أيضاً مضرب المثل في الخفاء، إذا كان في
الإمكان الوقوع في الخطأ إلى هذه الدرجة من قبل الناس جميعاً، فما هو التفسير
الذي يمكن أن نقول عنه: إنه لا يتطرق إليه الخطأ حتى نسمح لأنفسنا بأن نحكم على
الناس بالموت لأجل أفكارهم (صورهم الذهنية)؟ كما حدث مع جاليلو الذي أظهر
تراجعه، ويده على الكتاب المقدس أمام العالم الذي أنكر رؤيته. بهذا
التسلسل الذي قدمته، والمثل الذي ضربته، يمكن لنا أن نفرق بين العالم الذي نعيش
فيه ونحن جزء منه أيضاً. فهذا الاتصال والانفصال بين العالمين عالم الواقع
والخيال، أو الصورة الذهنية البيولوجية بواسطة الجهاز العصبي عند الإنسان موضعُ
جدلٍ وبحث من قبل الإنسان. ويمكن أن
نشبه فكر الإنسان في هذا الموضوع برؤيته البصرية فالأشياء البعيدة جداً تنفصل
عنا، ولا نراها، ولا نحس بها، ولا نعترف بها، والأشياء القريبة جداً قد ننغمس
فيها، ولا تعود لنا القدرة على رؤيتها لقربها وانغماسنا فيها، فلابد من مسافة
معينة لتكون في متناول إحساسنا وتأملنا وتعاملنا معها. ويوسع الإنسان هذه
المسافة التي يمكن فيها من التعامل مع الوجود المحيط به وذاته. والآن سأتناول ما سبق أن طرحته عناوين
بالإضاءة مستعيناً بالرؤية التاريخية للإنسان، والرؤية الدينية النبوية من خلال
القرآن، ويهمني إضاءة مشكلة العنف التاريخي والديني حيث إن الإنسان محور أساسي
في بحث أي مشكلة وجودية. فمن دون الإنسان لا يوجد بحث. |
|
|