بلال ومذهب ابن آدم

جودت سعيد. من كتاب ((كن كابن آدم))

 

مذهب

أين أنت يا بلال؟؟

أخبر الناس بأحوالك، هل أنت مثل سكر الصوفية؟ ما نوع سكرك؟ هل أنت مسحور؟ هل أنت أسطورة؟ هل أنت خارق، هل أنت ممكن أم مستحيل؟ متى سنتعلم منك سرك وسر من صنعك؟ ولكن من الذي صنعك، الله أم محمد؟ هل أستطيع أن أفهم شيئاً ما فيك صنعه الله، وشيئاً آخر صنعه محمد r؟ هل أنت مثل سائر الناس وسائر النفوس؟ هل أنت داخل في قوله تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) ] الشمس: 91/7-10 [.

هل أنت خارق يا بلال؟؟ هل أنت معجزة؟؟

 

أريد أن أعرفك، أريد أن أحللك، أريد أن أفكّكَكَ، أريد أن اكشف سّرك، أريد أن أنشر مذهبك.

كيف أدخل إلى مذهبك يا بلال؟ ما هي خصائص مذهبك؟ هل أنت سُنِّي أم شيعي أم معتزلي أم تنويري أم أرثوذكسي؟ هل أنت آدمي؟

دعوني والهوى يغتال عقلي           فعقلي أن اجن بكم جنوناً

أنت سرّ الله، فيك سرّ آدم وحواء، أنت حامل الأسرار، أنت مستودع النبوات.

هل أنت من المبشرين بالجنة؟ هل سمع رسول الله صوت نعالك في الجنة؟

أخبرني يا بلال عن مذهبك، عن دينك، عن سرّك، عن عرقك، ما الذي جعلك تجن جنونك بمجرد أن آمنت بمحمد؟ ماذا رأيت فيه؟ هل أستطيع أن أرى ما رأيت؟ ألا تحسب حساباتنا؟ ما هي حساباتك؟ مع أي (كمبيوتر) كنت تتعامل حين اتخذت القرار الصعب؟ كيف حسبت إمكاناتك؟ كيف تجاوزت العزوة العشائرية وأنت لا عشيرة لك ولا مال ولا عيال، وأنت الغريب المملوك، هل يكمن سرك في فقرك؟

اعذرني يا بلال لأنني أتحدث عنك، بما أسأت إليك، ولكنني أشعر أن سرّك ينبغي أن يكشف ويذاع ويعلن بين كل السود والفقراء والمحرومين، وأشعر انه ينبغي أن يفهمك كل البيض والأغنياء والمترفين.

أنت يا بلال بحاجة إلى اكتشاف، أظن أم جلال الدين الرّومي كان يبحث عنك حين كتب المثنوي، في كل أناته، وفي كل ما أخرجه نايه من حنين وأنين، واعتقد أن إقبالاً كان يريد أن يقترب منك، حين جعل مولانا جلال الدين الرومي أستاذاً وشيخاً له.

حين خرج الرومي هائماً على وجهه، يبحث عن شمس الدين التبريزي، هتف قائلاً: أنا لم أكن ابحث عن شمس، أنا كنت ابحث عن ذاتي. لقد كان يبحث عنك دون أن شعر، وآنا أبحث عن شيخ، عن صوفي، عن صاحب قلب، ولكن سعيي وقف عندك في النهاية.

من ذا الذي سيتابع سعيي في التعرف عليك؟ أنت تحمي نفسك بالجهل، بالظلام. إن العالم اليوم يعيش في الظلام، فكيف نتعلم النفخ في الصور؟ كيف نتعلم إحياء الأموات.

ليست المعجزة الحقة في أحياء الأجساد التي فقدت الحياة، وليس هذا ما نسعى إليه، ولكننا نسعى إلى أحياء موتى الأفكار، موتى العلم والفقه والفهم، موتى الإدراك.

كيف نخلعُ الأوثان؟ كيف نزيل الرعب؟ كيف نبعث الأمن؟ كيف نقترب من (مملكة بلال)؟ كيف نفهم بلالاً وكيف نحلله؟ كيف نخرج بلالاً من عالم الأسطورة والغيب، إلى عالم الحضور والشهادة؟.

يا بلال! هلاّ علّمت الناس ما حلّ بك، وما حصل لك!!..

ما السرّ الذي احتوى عليك صدرك؟ من أنت يا بلال؟ هل أنت فيلسوف؟ هل أنت عالم تاريخ؟ بماذا آمنت؟ ما نوع إيمانك؟ ما الشيء الذي رأيته وغاب عن الناس؟ هل خرجت من بطن أمك حاملاً العلم والمعرفة؟ هل أنت معجزة؟ ألست مثل سائر الناس؟ ألست داخلاً في قوله تعالى: (أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تعْلَمُونَ شَيْئًا) ] النحل: 16/  78 [؟.

ممن تعلمت وماذا تعلمت؟ هل يكن أن تخبرنا بسرك؟ هل لديك سر؟ هل يمكن أن تكشفه؟ هل ذهب هذا السرُّ بذهابك أم أبقيته للعالم من بعدك؟ كيف اختزلت فيك رسالات الرُّسل؟ كيف تحديت فلسفات الفلاسفة؟ من أنت يا بلال؟! ومن الذي يستطيع أن يخبر عن سرّك؟ هل أستطيع أن ادعي أنني اطمع في أن أكشف سرّك للعالم الذي غابت عنه فلسفتك ورؤيتك؟ هل أنا مجنون حتى ازعم لنفسي أنني أدركت سّرك، وأنني أطمع في أن انشره وأذيعه بين الناس؟ هل أنت كأبي الهول لا يكشف سرّك؟

لست سرّاً يا بلال، بل أنت علانية، وستصير بضاعتك قابلة للتداول. أنت عينة من مصنع معين، أنت لست معجزة، أنت تخضع للقانون والسُّنَّة، لست مستحيلاً، أنت ممكن يا بلال. إنهم لا يفهمونك، إنهم يظنون موقفك عجزاً عن الدفاع عن النفس، وضعفاً، واستكانة، يظنوك مسكيناً لا تفهم الصواب، ويعتقدون أمك لو سلكت طريقاً آخر كان أفضل، يظنون انك لو لم تعلن إيمانك لكان أفضل، ولكن هل فهموا إيمانك؟ هل فهموا بماذا آمن؟

من الكاتب الذي سيكتب عنك يا بلال، يا سيدنا، يا بن باح؟ إنني أُسيء إلى اسمك، وإلى إيمانك بمحاولتي تناولك وتحليلك وتفسيرك وتأويلك، وإذاعة سرك.

كيف ستعلم العالم الأسود المضطهد دروسك؟ كيف ستعلم الأحرار معنى عبوديتك؟ كيف نقتبس من نورك؟ كيف استطعت أن تفهم ما غاب عن الناس؟ كيف استطعت أن تصير أعظم اقتصاديي العالم؟ كيف ميزت الربح من الخسارة؟

عن العالم اليوم يهتم بالاقتصاد، ولكن ما معنى الاقتصاد؟ الاقتصاد هو اختزال الجهد والوقت، وتكثير المردود.

لقد ضربت يا بلال المثل في الاقتصاد، وتجاوزت كل نماذج الاقتصاد في العالم، ضربت المثل الاقتصادي الأعلى في صناعة الإنسان، في تحويله، في تغيير ما بنفسه، فماذا حلّ بنفسك، وما الذي تغير فيها؟ هل أستطيع أن أفهمك وأن أبلغ عنك؟

لقد وقف الرومي وتحادث مع شمس الدين، وقال بعد ذلك متعجباً مما عند شمس:

هذه النار فما قصتها                  أحرقت ما عندنا وقدتها

كيف يُحَوَّلُ الإنسان؟ كيف يوقظ؟ كيف يُختزل الإيقاظ والتحويل؟ كيف تختزل التربية؟ كيف يختصر الزمن؟ كيف يضاعف الإنتاج في مجال التربية والتغيير؟

إن هدف الكون إبراز الخير والأبقى، فكيف يُمُّ زمن الخير النافع، وكيف يختصر زمن العناء؟

بلال وتغيير كا بالأنفس

أيكون اكتشاف الأسلوب الذي به تم تحويل بلال وتغييره ؛ سبيهاً إلى باكتشاف النار؟ كيف اكتشف الناس النار؟

كانت النار توقد تلقائياً في الطبيعة، ثم بدأ الإنسان ينتبه إلى اشتعال النار، ثم تعلموا إشعالها، ولكن كم استغرق الإنسان من الوقت حتى تعلم إيقاد النار؟ هل نستطيع أن نتأمل هذا الأمر؟

هل كان ظهور بلال، كالاشتعال التلقائي للنار، أم أنه كان تحولاً من الإيقاد التلقائي إلى الإيقاد الصناعي؟ما شان الكهرباء؟ كيف كانت ظواهر الكهرباء في الطبيعة؟ كيف كان الإمساك بها صعباً؟ كم من الوقت الطويل احتاج اكتشاف الكهرباء وتسخيرها؟

هل نستطيع أن نقلص زمن التحويل والتغير والتربية؟ ما هي الجهود التي ينبغي أن نبذلها لتحويل الإنسان؟

أمامنا تعرض نماذج من التحويل والاختزال التلقائيين، فالطفل الذي كان يولد قبل عشرة آلاف عام، مثل الطفل الذي يولد الآن، وما يتعلمه خلال السنوات الخمس الأولى من حياته تلقائياً، هو اختزال لجهود الناس خلال عشرة آلاف عام، إنه يمتص خبرات ومعلومات السابقين خلال خمسة أعوام. هذا من ناحية اختزال التربية التلقائية، وتحويل الطفل في الصغر بحيث يحتوي تجربة عشرة آلاف عام. ولكنّ قصة بلال لم تبدأ من الطفولة، بل هي عملية تحويلية أعقد وأصعب، ومع ذلك فهي عملية ليست خارقة.

هذا ما ينبغي أن نراقبه ونكشف سنته وآليته، إنه تغيير لما بالأنفس، وباستطاعتنا أن نضيئه ونضيء احتمالاته، ونزيد أو نخفض هذه الاحتمالات، وهذا معنى قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ،  إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ] الجاثية: 45/13 [.

هل لي أن أدعي كشفت أموراً، واقتربت خطوات، وتقدمت مسافات في هذا الطريق؟

يقول إقبال:

ما فشى ذا السر غيري في البشر                لم يثقِّب ناظم مثلي الدُّرر

كانت النار قديماً تشتعل تلقائياً، دون أن يعرف البشر سنتها، ولكن للنار سنة يمكن الإمساك بها، وإذا أمسكناها استطعنا تكرارها كلما أردنا.

كيف سأنقل إليك ما يداعب خيالي؟ كيف سأجعلك تصاب بالعدوى، عدوى العافية، عدوى الصحة؟ إن العدوى إنما تكون من طرف واحد، ولكن حيث لا يمكن أن يصاب المريض بعدوى الصحيح ؛ لا يمكن جعل الصحة عدوى في الأمراض الجسدية، أما قانون الصحة النفسية ؛ فهو قابل لتحقيق العدوى، لأن قانون الأنفس ساري المفعول في الاتجاهين: فالصحة النفسية تعدي، والمرض النفسي يعدي أيضاً. القانون الجسدي يسير باتجاه واحد والقانون النفسي الفكري يسير باتجاهين.