|
جودت سعيد. من كتاب ((كن كابن آدم)) |
قراءتان
|
|
|
هنا أطرح موضوعاً
متصلاً بمشكلة الرشد، وكنت قد عرضته مرات عدة، وبعناوين مختلفة، لقد عرضته في
كتاب (حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)، ولكنني الآن أطرحه بشكل مختلف
وبعنوان جديد هو: إمكان قراءة القرآن قراءتين مختلفتين. نقرؤه مرّة على أن
التاريخ ووقائع الأيام من صنع الله تعالى، ومرّة على أن التاريخ والأحداث
والتغيرات التي تحدث خلال التاريخ وبين الناس من صنع الناس أنفسهم. وعلينا أن
نهتم بالتمييز بين هاتين القراءتين، لأنه يترتب عليهما مواقف العرض الذي قدمه
محمد أركون في تاريخية الفكر العربي الإسلامي، حين قال: « إن التاريخ بحسب
القرآن من صنع الله وليس من صنع البشر، بما فيهم الأنبياء والمصلحون » ثم يذكر
آيات على ذلك. فإذا وصل الالتباس
في هذا الموضوع إلى هذه الدرجة، فإنني أشعر بضرورة بحثه وتوضيحه. ولتوضيح هذا
الأمر أذكر هنا المثل الذي يقدمه القرآن حين يتحدث عن كل من الزراعة والتناسل
البشري، فيقول: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا
تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟) ] الواقعة: 56/63-64 [. (أَفَرَأَيْتُمْ مَا
تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ؟) ] الواقعة: 56/58-59 [. في الواقع إن الله
هو الذي خلق النباتات والأشجار، وهو الذي خلق التربة والماء، ولكن نحن من صنع
البستان، نحن من وضع البذور في الأرض وقلب التربة، إلا أننا لم نصنع، ولم نضع،
ولم نخلق سنن الإلقاح وتكوّن الأجنة في الأرحام، ولكن بدون تزاوج الناس سوف لن يخلق
الله الإنسان. هكذا نستطيع أن نرى
الجزء الذي يرجع إلى الله تعالى في حدوث الأحداث التاريخية، والجزء الذي يرجع
إلى الإنسان في حدوثها، فنقول: إن الله هو الذي
انبت الزروع، وخلق الأجنة في بطون أمهاتها. ونقول أيضاً: عن الناس هم الذين
يفلحون الأرض ويضعون البذور، وهم الذين يتزوجون ويضعون النطاف في الأرحام. فالفعل يرجع إلى
الله من جانب، وإلى الإنسان من جانب آخر، الخلق يرجع إلى الله، ووضع البذور في
الحقل، والنطاف في الأرحام ؛ يرجع إلى الإنسان. وينبغي أن نميز بين هذين
العملين، بين السنن التي تعود إلى الله، وبين ما يعود للإنسان من ممارسة هذه
السنن، والله تعالى هو الذي خلق السنن والنتائج، والبشر هم الذين مارسوا السنن
وسخروها لتحقيق النتائج، وعلى هذا الأساس نستطيع أن نقرأ القرآن قراءتين اثنتين،
قراءة تشير إلى أن التاريخ والتغيير الذي يحدث في حياة الناس ؛ يخلقه الله تعالى،
وقراءة تشير إلى أن أحداث التاريخ تنتج عن ممارسة سنن الله في التاريخ، هكذا
يُنسب الحدث إلى الله من جانب، وذلك بخلقه للسنن وجعلها قابلة للتسخير من قبل
البشر، وينسب إلى الناس الذين يتصرفون بهذه السنن ويمارسونها من جانب آخر،
وممارسة الناس للسنن هي التي تكون سبباً لحدوث هذه الأحداث، وبون هذه الممارسة
لا يبرز الله تعالى الأحداث إلى الوجود. ينبغي على المسلمين
أن يتأملوا هاتين القراءتين، وأن يعلموها لأطفالهم، وأن يدربوهم عليهما، كما
يعلموهم ويدربوه على الأحرف الهجائية، على تجويد القرآن، كي لا تلتبس عليهم هذه
التفصيلات، وكي لا ينتج عن هذا الالتباس مذاهب وعقائد متضادة ومتضاربة ومتقاتلة،
وكي لا ينتج عن التباسها افتراء على الله وتكذيب لآيات الله، أو تأليه للبشر، أو
إضاعة لقيمة سعيهم وجهدهم. إن إبراز هاتين
القراءتين ضرورة كبرى، بل لعلنا، إن لم نوضح هاتين القراءتين والالتباس الحاصل
بينهما ؛ نضيع الفائدة من دراسة القرآن الكريم، ويتحول إلى عامل إلغاء وحذف
لجهود البشر كما فهمه محمد أركون اعتماداً على الصور الذهنية الموجودة عند أكثر
المسلمين، أو في الثقافة الإسلامية التي اختلط فيها أمور كثيرة، والتبست
التباساً شديداً. هاتان القراءتان:
قراءة خلق الله للسنن، وقراءة ممارسة البشر لهذه السنن، تُذكران أحياناً بوضوح
وجلاء، كما في قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً
نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) ] الأنفال: 8/53 [، وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى
يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) ] الرعد: 13/11 [. عن النعم التي يتمتع
بها البشر، من الصحة في الأبدان، والغنى في الأموال، والتعاون على البر والتقوى
في الشدة والرخاء، هذه النعم لها قوانين وسنن، وينبغي على الناس أن يفهموها
ويمارسوها، كي تبقى هذه النعم عليهم ولا تزول عنهم، وإذا زالت فإن الله لن
يعيدها إلى الناس إلا إذا غيروا بجهدهم وسعيهم وتبصرهم ما بأنفسهم. هنا في آيتي التغيير
هاتين ؛ نسب الله إلى ذاته تغييراً، ونسب إلى الناس تغييراً، ولكنه جعل التغير الذي
نسبه لأي ذاته متعلقاً بالتغيير الذي نسبه إلى الناس، فعلى الناس أن يغيروا ما
بأنفسهم أولاً، كي يغير الله ما بهم ثانياً، وهذا واضح وجلي غاية الوضوح والجلاء
في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا
مَا بِأَنفُسِهِمْ)، ولكن ومع وضوحه وجلائه لا زال يشوبه الغموض في نفوس الناس،
ولا زالوا ينتظرون من الله أن يغير ما بهم وما بأنفسهم. ينبغي أن نتمسك بهذه
الآية، ونعض عليها بالنواجذ، ونجعلها آية مفتاحية لفهم القراءتين بوضوح وجلاء،
وينبغي أن نقوم باختبارات وتدريبات على هاتين القراءتين، لأن عدم الانتباه
إليهما يخلّف إشكالات كثيرة وكبيرة. الارتباط الوثيق بين
القراءتين إن الجهد والممارسة
ومحاولة التعليم والتفهيم والتذكير يزيل الالتباس بإذنه تعالى. وبين هاتين
القراءتين ارتباط شديد بحيث إذا ذكرت إحداهما، استلزم ذلك وجود الأخرى حتماً،
فإذا قلنا: أن الله أنعم على قوم بالغنى والصحة والحب والإيثار، فكأننا نقول: إن
هؤلاء القوم غيروا ما بأنفسهم من عوامل الفقر والمرض والبغضاء والأنانية. كذلك
إذا قلنا: عن الله ابتلى قوماً بالفقر والمرض والبغضاء والغدر، فإن ذلك يعني أن
هؤلاء القوم يحملون في أنفسهم عقائد ومفاهيم ومذاهب تورث هذه العواقب والثمرات،
ويعني أن الله لن يغير ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وللتدريب على ربط
هاتين القراءتين، نقول: إذا قال الله تعالى مثلاً: (قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ
الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ
وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ] آل عمران: 3/26 [، عند هذه الآية نقول: إن الله تعالى لم يذكر إلا العمل الذي
يرجع إليه من خلق السنن وخلق العواقب والثمرات من تطبيق السنن، وإذا كان الله
تعالى لم يذكر العمل الذي يقوم به الناس للحصول على الملك والعز وتحصيل الخير ؛
فهذا لا يعني أن الله يؤتي الملك من يشاء جزافاً، وينزعه ممن يشاء جزافاً، بل
إنه تعالى لا ينزع الملك إلا من الذين غيروا ما بأنفسهم، فالذين يعرفون السنن
ويمارسونها يحصّلون ثمراتها، ويتمتعون بالصحة والغنى والحكم الراشد، والذين
يجهلون السنن، ولا يمارسونها ؛ تزول عنهم النعم، وتحلُّ بهم النقم، وصدق الله
القائل: (وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ] النحل: 16/33 [. وحين نقرأ قوله
تعالى: (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَلَّفَ
بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ
بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ ) ] الأنفال: 8/62-63
[، نقول: نعم لقد ألف الله بين قلوبهم، ولكنه لم يؤلف بينها
بخوارق بل بسنن، وعدم فهم هذا يجعل حياة الناس مظلمة: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ
اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا
مِنْ حَوْلِكَ) ]آل عمران: 3/159 [، فالذين يمارسون سنن تأليف القلوب لا يحصل
الانفضاض من حولهم. ومهما كان الجهد
الذي يبذله البشر تافهاً وسهلاً وقليل المؤونة، فإن النتائج الباهرة لا تتحقق
إلا ببذله، فالخلق الذي يقول عنه الله تعالى: (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي
مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) ] لقمان: 31/11 [، هذا الخلق البديع المكرم لا يخلقه الله إلا إذا مارس الناس
التزاوج. موقف القرآن من
الذين ينسبون أخطاءهم إلى الله وإذا أردت أن تتدرب
على فهم هذا الموضوع، فانظر إلى ما يقوله الله تعالى عن الذين أعلنوا أنهم
يحذفون جهد الإنسان ولا يرون إلا عمل الله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا
لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ
شَيْءٍ) ] الأنعام: 6/148 [. لقد حذف هؤلاء القوم
ما يرجع إليهم في حدوث هذه العقائد والممارسات، ونسبوا كل شيء إلى الله، ولكن
ماذا أجابهم الله على أقوالهم هذه؟ أجابهم بقوله: (كَذَلِكَ
كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا، قُلْ: هَلْ
عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا؟ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ
الظَّنَّ، وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ) ] الأنعام: 6/148 [. انظر إلى هذه الردود
الخمسة التي رد بها الله على الذين ينسبون أخطاءهم التي ارتكبوها إلى الله،
ويبرئون أنفسهم منها ويدفعون المسؤولية عنها. إن هذا الأسلوب في
الاحتجاج ليس جديداً في التاريخ، لأن الذين من قبلهم كذبوا هذا التكذيب. هذا الفهم، وهذا
النظر، يُنتج نتائج الخراب التي سوف يذوق وبالها أولئك المكذبون، وسيصابون
بالمصائب، وهذا معنى قوله تعالى: (حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا). (قُلْ: هَلْ
عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا؟)، إن هذه الدعوى ليست مبنية على
علم يمكن إخراجه إلى الوضوح والجلاء، كي تصير علماً. هذه الدعوى ظن
واتباع للأهواء فقط. وهذه الدعوى ليست
سوى حرص وأماني يخدعون بها أنفسهم. ثم قال تعالى بعد
ذلك: (قُلْ: فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ
أَجْمَعِينَ) ] الأنعام: 6/149 [. لا تظنوا أنكم حين
ضللتم كان ضلالكم رغماً عن الله، إنه قادر على أن يسيّركم تسيير الأجرام العظام
كالشمس والقمر، فلا تحيدون عن المسار الذي رسمه لكم، ولكنه تعالى أعطاكم الأمانة
فخنتموها وضيعتموها. لقد أفردت لهذا
الموضع مؤلّفاً خاصاً بعنوان (حتى يغيروا ما بأنفسهم)، ولكنني لا ازعم، إلا هنا
ولا هناك، أنني قلت أو فهمت عن هذا الموضوع ما يكفي ؛ بل إن على العقول والقلوب
المؤمنة الفتية في العالم الإسلامي وفي العالم كله أن يتفهموا هذا الموضوع
ليحملوا الأمانة ويحققوا ما علم الله في الإنسان، لأن ذلك لن يتحقق إلا بجهد
البشر وتغييرهم لما بأنفسهم، ولن يغير الله العواقب حتى يغير الناس ما بأنفسهم،
وسيظل الناس يذوقون بأس ما بأنفسهم حتى يغيروه، ولن يملّ الله حتى نملَّ، وإذا
لم تكفِ المثلات التي خلت في التاريخ ؛ فستكرر أمثالها، وفي هذا المعنى يأتي
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا
يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ
الألِيمَ) ] يونس: 10/96-97 [، وقوله تعالى: (لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ
الألِيمَ) ] الشعراء: 26/210 [. إن الإيمان لا يحصل
لهؤلاء حتى يروا العذاب الأليم، وقد لا تكفي رؤية العذاب الأليم، بحيث يحتاج
الأمر إلى أن يذوقوا العذاب، ولكن بعض الناس لا يرجعون حتى حين يذوقون العذاب،
إلا حين يتكرر العذاب في الأجيال المتعاقبة. أيها الشباب أيها
المسلمون! أيها المؤمنون! اجتهدوا وتنافسوا في إبراز الحقائق وتوضيحها، وفي
اكتساب العلوم والمعارف ونشرها، ولا تكتموها. كيف ومن سيبسط هذه
المفاهيم؟ من الذي سيجلو ويمحو الظلمات، ويضع أبناء المسلمين على سبيل العلم
الذي ينبغي أن يسلكوه. كيف ومن الذي سيقيم
الدورات التدريبية لتدريب أبناء المسلمين على هذه القراءات، ولتصحيح المفاهيم
المغلوطة والغامضة؟ كيف سنحول المساجد إلى أماكن تشع بالعلم والنور لإزالة ما
بالنفس من مفاهيم أورثت المسلمين الذل والحرمان، وجعلتهم يذيقون بعضهم بأس بعض؟
كيف نحوّل حياتنا إلى الأمن والهدى، ونكون من الذين قال الله عنهم: (أُوْلَئِكَ
لَهُمْ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) ] الأنعام: 6/82 [ ؟ إنني أرى المستقبل
الذي تتحقق فيه هذه الآمال بعين البصيرة، وحين نفهم طريق الهدى لن يتمكن أحد من
أن يقف في وجهنا، وسيشع النور، وسيحل الأمن والهدى. لقد ذكر الله تساؤل
إبراهيم عليه السلام بعد محاجته قومه، قال: (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ
بِالأمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا
إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ، أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) ] الأنعام: 6/81-82 [. عن المر لقريب،
وسيتعجب الناس بعد أن يستيقظوا ويفهموا! كيف كان يغيب عنا، وكيف بقينا في
الظلمات، وكيف علينا هذا الأمر خلال كل هذا التاريخ الطويل المضني؟!. نعم لقد كنا غائبين
عن رؤية ما يحدث، ولا زلنا غائبين. لنعد إلى الرشد،
ولنبحث كيف وبماذا يتبين الرشد من الغي، وكيف التبس الرشد بالغي، وكيف قبلنا
الدخول إلى صراع الغي بالغي مع الغي، وكيف سجلنا في التاريخ لحظة ضياع الرشد
والدخول في الغي.. ينبغي أن نكثر من
العودة إلى المكان الذي فقدناه فيه. حدثني صديقي فاروق
الأدهمي بقصة فلسفية قال: كان هناك يبحث في الأرض عن شيء أضاعه، فجاء إليه رجل
وسأله، عمّ تبحث؟ قال: أبحث عن مفاتيح فقدتها، فسأله: أين فقدتها؟ فقال: هناك،
وأشار إلى مكان آخر غير المكان الذي يبحث فيه، فقال له: إذا كنتَ أضعت مفاتيحك
هناك، فلم تبحث عنها هنا، ولا تبحث هناك؟ فقال: هنا يوجد ضوء، وهناك لا يوجد
ضوء. هذا الرجل لم يخطر في باله أن يأخذ الضياء إلى حيث فقد مفاتيحه. دعنا نبحث عن الرشد
حيث فقدناه، دعنا نحمل معنا الضياء إلى حيث كان عهد الظلام، وهل من ضوء ابيض
لنبحث عما فقدناه، لنبحث عن الرشد؟ ولكن ما هو الرشد؟ الرشد هو الاهتداء إلى
الحل الأرشد (سبيل الرشاد)، إلى الحل المثل، إلى الحل الأقل كلفة والأعم نفعاً،
الرشد هو الحل بدون معاناة، هو الحل بطريقة اللعب المغري. كم هو مهم اكتشاف
الطرق الراشدة لتعليم الأطفال واستغلال حب الاستطلاع غير القابل للإطفاء لديهم،
لا شك أن حب الاستطلاع الذي لا ينضب عند الأطفال يمكن استخدامه حين نكون ماهرين
في إبداع الوسائل الجديدة والحلول المبتكرة. |
|
|