و(لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)

جودت سعيد. من كتاب ((كن كابن آدم))

 

القرآن

(لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ، فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ] البقرة: 2/256 [.

كيف سأتبين الرشد من الغي من هذه الآية؟ كيف أعيد إليها المعنى؟ كيف سأحولها إلى آية ناسخة وقد جعلها المسلمون آية منسوخة؟

لقد جاءت هذه الآية في سورة البقرة بعد آية الكرسي مباشرة، وآية الكرسي هي الآية التي جعلها المسلمون التعويذة التي تحفظ الإنسان من الشرور، ونحن نجدها معلقة في بيوت المسلمين في كل أنحاء الأرض، وفي سياراتهم لتحميها من العين الحاسدة ومن الحوادث. وهي آية تعظيم الله وتقديسه وتنزيهه، « وقد قال رسول الله R فيما صح عنه أنها أعظم آية في كتاب الله »(1): (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) ] البقرة: 2/255 [، و (لا إله إلا الله) هي أول ما يطلب من الإنسان النطق به ليدخل إلى الإسلام، ومن قالها موقناً بها دخل الجنة، وكل ذنب قابل للغفران إلا ذنب الذي يشرك، أي الذي ينكر (لا اله إلا الله): (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) ] النساء: 4/48 [، ومن كانت آخر كلامه قبل أن يغادر الدنيا، كان دليلاً على أنه مات على الإيمان، كما أن دخوله إلى الإسلام كان بالنطق بها.

ميزان الزبد والنافع

ما معنى التوحيد؟ ما معنى الشرك؟ ما معنى الرشد؟ كيف نفهم الأمور؟ ما معنى الفهم، وكيف يحصل الفهم، وكيف نعلم أننا فهمنا، وكيف نثق بفهمنا؟

هنا أعود إلى القول للمرّة الألف أن ادعاءك صحة الفهم ليس دليلاً على صحته فعلاً، وعليك أن تعرض فهمك على المسطرة لتقيسه بها، وعلى الميزان لتزينه بها، فإن صح هناك كان صحيحاً، وإلا فهو زبد جفاء لا خير فيه.

اعرض فهمك على ميزان الزبد والنافع، لتعرف هل هو صحيح حقاً، فالصحيح هو الذي يمكث في الأرض، والزبد هو الذي يذهب جفاءً: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) ] النساء: 4/123 [، ومن يفهم سوءاً يجز به. كيف نتبين الفهم الصحيح من الفهم السقيم؟ كيف نبين الذئب من الحَمَل؟ كيف نتبين الرشد من الغي؟ من ثمارهم تعرفونهم. كيف نعرف الثمار؟ نعرفها من التاريخ، من حوادث الدهور، فالتاريخ لا يحوّل الخطأ إلى صواب، بل يفرزهما بميزان دقيق، فيذهب بالزبد جفاءً، ويبقى النافع، ربما يشتبه علينا الأمر مدّة من الزمن، قد تطول وقد تقصر، ولكن القانون لا يضيع أبداً، والتاريخ شاهد على ذلك، وحوادث التاريخ شاهدة أيضاً، وإذا لم تكن كافية لغفلتنا عنها، فإن التاريخ مستعدٌّ لأن يعيد نفسه ويستوفي الثمن ويُخضع رقابنا، فالتاريخ لا يمل من التكرار ولن يمل الله حتى تملوا.

 

 

 

 



(1) رواه مسلم في صلاة للسافرين ، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي ، رقم ( 810 ) .