التغيير كما يطرحه الأنبياء

جودت سعيد. من كتاب ((كن كابن آدم))

 

مفهوم

كم هو صعبٌ الوصول إلى عمق التوحيد، وهو إلا يستبه علينا الخالق بالمخلوق، لأننا مهما حَلَّقنا فإن القياس الذي يقوم به ذهننا يخذلنا.

إن سؤال إبراهيم عليه السلام: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) ] البقرة: 2/260 [، وسؤال موسى عليه السلام: (رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ) ] الأعراف: 7/143 [، هذان السؤالان، والجوابان اللذان ردَّ بهما الله تعالى عليهما ؛ يقولان لنا: انظروا إلى الواقع الذي خلقه الله، ولا تحاولوا أن تنظروا إلى الله فتقعوا في الخطأ والّلبس والقياس، فالله خارج القياس، خارج المثلية.

لقد جاء الأنبياء بفهم جديد للإنسان، جاؤوا بشيء قلب فهم الإنسان، فالإنسان غدا عَلَماً جديداً له قوانينه الخاصة، وتغييره يكون بتغيير ما بنفسه، وتغير نفسه صار ممكناً دون قتل للنفس، ودون سفك للدماء.

لقد صار ممكناً أخذ العسل دجون قتل النَّحل، وإن مجرد الإيمان بإمكان تغيير ما بالأنفس صار موقفاً يفتح لصاحبه طريقاً إلى تغيير وإزالة ما بنفس الإنسان من غير إزالة نفسه.

هذه النقلة هي ما جاء به الأنبياء حين فصلوا إزالة ما بالنفس عن إزالة النفس، فزال بذلك النزاع والخلط بين الأمرين.

هل يمكن أن يكون هذا هو الفرقان الذي آتاه الله تعالى لأنبيائه؟، وأنه لأنهم جميعاً جاؤوا به فنحن: (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) ] البقرة: 2/136 [.

هل يساعدنا هذا الفهم  على إدراك أن النفس صارت محرومة لأنه صار بالإمكان إزالة ما بالنفس دون إزالة النفس؟ نعم صار بالإمكان إزالة المرض دون إزالة المريض بقتله.

إن هذا الفهم خبر عجيب ونبأ عظيم لم يتوضح إلى الآن، وإن كنت في ريب من ذلك فارجع إلى نفسك: هل تشعر أن هذا المفهوم صار واضحاً لديك، وأنك قادر على أن تفكر به جيداً وتتأمله؟

هل نستطيع أن نكشف أنفسنا، وأن نغير ما بها في هذا الموضوع؟

هل ما تزال فكرة إزالة النفس بدل إزالة ما بها هي المسيطرة علينا؟

تحدثتُ إليك سابقاً عن ذلك الطبيب الذي لا يجد علاجاً لمرض المريض إلا بإزالة الجسد لا المرض، فهو دائم التفكير في الكيفية التي يتخلص بها من المريض، لا الكيفية التي يتخلص بها من المرض.

هل تشعر معي أن الأفكار المسيطرة علينا وعلى ثقافتنا، والأحقاد والأغلال التي في قلوبنا ؛ إنما نتجت عن عدم فهمنا لهذا الموضوع، وهو إمكان معالجة النفس وإزالة ما بها من مرض دون إزالتها؟

إننا حين نكشف المرض، ونكشف إمكانية إزالته دون قتل المريض، وبدون قتل المخطئ، فسيصبح هذا العلم كبيراً ونبأ عظيماً: (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، عَنْ النَّبَأ الْعَظِيمِ، الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ، كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ) ] النبأ: 78/1-5 [.

إن ما جاء به الأنبياء لم يتحقق بعد في حياة الناس، ولم يصر مفهوماً متداولاً فيما بينهم، بل (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) ] يس: 36/30 [. هل نستطيع أن نفهم أننا لا نزال نستهزئ بالأنبياء وبما جاؤوا به، وأن ما جاؤوا من اجله لم يأت عهده في حياة الناس بعد؟

إن القرآن لَيُلحُّ على هذا المفهوم، وقد جاءنا نبؤه، ولكننا لم نفهمه، ولم يحصل لنا علم بما جاؤوا به: (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) ] ص: 38/88 [.

إننا لا نزال نعرض عنه، ولا نستطيع أن نتفكر فيه: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ: أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ) ] سبأ: 34/46 [.

هل تساءل الناس عن النبأ العظيم فعلاً؟ لماذا يقول الله تعالى: (قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ، أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ) ] ص: 38/67-68 [؟

ما هذا الشيء الموحّد، والنبأ العظيم الذي جاء به الأنبياء جميعاً؟

ما هذا الفرقان الذي أنوله الله ونزّله على عبده ليكون للعالمين نذيراً: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) ] الفرقان: 25/1 [، (إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً) ] الأنفال: 8/29 [.

اللهم اجعل لنا فرقاناً!!..

واجعل لنا ميزاناً!!.. نميز به بين الخطأ والصواب، بين الغي والرشد، بين الضلال والهدى، بين الفساد والصلاح.

اللهم لا تجعله ملتبساً علينا فنضل، واجعل لنا نوراً وفرقاناً نخرج به مما نحن فيه من الفساد والأحقاد وسفك الدماء.

إنني أخاف، ولا أجرؤ على أن أقول: إنني بصرت شيئاً لم يره الراؤون، ومحمد إقبال رحمه الله كان يشعر بهذا، وقد صرت أفهم عليه انه كان يرى أشياء لم يرها الناس، ومن يقرأ ديوان الأسرار والرموز يشعر أن إقبالاً كان يتأجج حرقة وتوقداً، لقد كان يرى في الرماد شعلة، وفي عروق البدر دورات الدم، ويقول:

ما فَشَى ذا السِّرَّ غيري في البشر                        لم يثقِّب ناظم مثلي الدُّرَر

صيد أفكاري ظباء لم ترم           لم تسيب بعد من قيد العدم

أنا في يأس من الصحب القديم                           مشعل طُوري ليغشاه كليم

وكان يشكو أن أفكاره لا تروج في هذه الأسواق، لأن هذه الأسواق ليس فيها من يشتري يوسفه ويقول:

أنا لحنٌ ضرب صَعَدا                         أنا صوتٌ شاعري يأتي غداً

دون عصري كلُّ قد خفي                      ما بهذا السوق يُشْرى يوسفي

لقد عشت مع إقبال وأفكاره زماناً طويلاً، كنت أدور معه في الصحارى والبراري والأفلاك، فعن أي شيء كان يبحث إقبال؟

إنه كان يبحث عن قوة الذات وأسرار إثباتها، وعن مواطن الضعف في الذات ورموز نفيها، لقد كان يبحث في معاني (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) ] الشمس: 91/9-10 [، في: (أسرار إثبات، ورموز نفي الذات).

إن الذي تعب في البحث يقّر قيمة التعب في البحث، ويعرف أن انشراح الصدر يسبقه ألم.

حين كان إقبال يريد أن يوجز فكرته ؛ كان يقول:

نكتة خذها كسيف مخزم             وانصرف عني إذا لم تفهم

النزاع الفكري والنزاع الجسدي:

ما هي النكتة التي أريد أن أقولها لك؟ ما الذي جاء به الأنبياء من الفرقان والهدى والذكرى والرحمة والموعظة والنجاة؟ ما هو الشيء الذي دعوا إليه حين نادوا: حيَّ على الفلاح؟ ما هذا الفوز المبين، وما هذه التجارة الرابحة؟

إنهم حرّروا الإنسان، وفرقوا بين النزاع الفكري والنزاع الجسدي، وأدخلوا الناس إلى عالم جديد، وأوجدوا عالماً من الحوار وتغيير ما بالأنفس.

لقد خرجوا من عالم التحدي بالعضلات التي نوع آخر من التحدي، وابن آدم الأول هو أول من تحدى عضلات اليد، وانتقل إلى مجال آخر من التحدي، والأنبياء جميعاً دعوا إلى هذا الانتقال من عالم الحيوان الذي تحكمه الظافر والأنياب والعضلات، إلى عالم آخر ومستوى مختلف. (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ) ] البقرة: 2/256 [، هل حقاً قد تبين الرشد من الغي؟

إن فرقان الأنبياء لازال مشتبهاً وملتبساً علينا، ولابد لنا من إضاءته، وفهم العلاقة التي تربط الفرقان بالضياء في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ) ] الأنبياء: 21/48 [.

وبمجرد أن يفهم الإنسان أن صراع الأفكار مختلف عن صراع الأجساد ؛ يكون قد دخل عالماً جديداً، وحين يميز ويفصل عالم الأفكار عن عالم الأجساد ؛ يكون قد أمسك بالفرقان، وبالقول الفصل الذي ليس بالهزل، وبالميزان: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) ] الرحمن: 55/7 [، وامسك بـ (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ] البقرة: 2/256 [، فلا يعود يستخدم قوة الأجساد لفرض الدين والعقيدة، ولا يستخدم الإكراه الجسدي في فرض الأفكار، وما لم يتحرر الإنسان ويتطهر ويفصل معركة الفكر عن معركة الجسد لا يكون قد دخل في التوحيد.

إن إشراك وخلط معركة الجسد في معركة الفكر ؛ هو إشراك فيما يجب توحيده. إن القوة الاكراهية نُسخت في عالم الأفكار بـ (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ولكنا نعيش المنسوخ.

إن المنهزمين فكرياً يحاولون جَرَّ أصحاب الأفكار إلى المعارك الجسدية، ولذلك ينبغي على أصحاب الأفكار أن يكونوا من الوعي والوضوح بحيث يستطيعون فصل الأمرين عن بعضهما فصلاً تاماً، ولا يقعون فيما يسعى الآخرون إلى إيقاعهم فيه، وبالقدر الذي يكون فيه أصحاب الفكر غامضين وغير صريحين ولا واضحين، فإن أصحاب الصراع الجسدي لن يكفوا عن التلويح بالجسد، وسيتمادون في اتهام الآخرين بأنهم يريدون القضاء على الجسد.

دعني أتحدث إليك عن ميلاد الأفكار وتطورها ورسوخها، دعني أتحدث عن تاريخ الأفكار، عن تاريخ العلم، عن تاريخ الإيمان.

إن الإيمان هو العلم الراسخ الذي وقر في القلب وصدقه العمل، ولا يشترط أن يكون هذا الذي وقر في القلب وصدقه العمل صواباً، لأن الإيمان قد يتعلق بالخطأ كما قد يتعلق بالصواب، فهو قد يكون إيماناً بالحق، وقد يكون إيماناً بالجبت والطاغوت.

ولكن ما شان تاريخ الأفكار وتاريخ العلم والفهم؟

فالفكرة تتكون جنينً في البداية، ثم يأتي المخاض المفاجئ فتولد ولادة هشةً، وعندها تكون بحاجة إلى رعاية وتربية ودعم.

عن ميلاد فكرة فصل معركة الجسد عن معركة الفكر، كان مرافقاً لولادة الإنسان، بل قبل ذلك حين كان الإنسان مشروعاً للإيجاد: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً، قَالُوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ؟ قَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا) ] البقرة: 2/30-31 [.

لقد كان الإنسان مشروعاً وخطة وهدفاً، ولم يكن منبعثاً إلى الوجود، كان نموذجاً في الوجود، خلقاً آخر من الإبداع المحير والتطور غير القابل للفهم والمحير للإدراك، كان يحمل إمكان الفساد وإمكان الصلاح، ولكن الذين عاصروا ميلاده لم يتمكنوا من فهمه، وقد عذرهم الله، واكتفى بان قال: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا).

إن المتشائمين معذورون لأنهم لم يعرفوا قانون الخلق ولم يدرسوا تاريخ الخلق، ولم يدركوا أو إبداع مستمر، ولذلك فهم لا يستطيعون أن يتصوروا إبداعاً.

إنهم لم يفهموا سنة الخلق وتاريخ الإبداع، وإمكانية استمرار الإبداع، لم يفهموا المرجع والقانون، ولهذا كان جواب الله مقتضباً وممتداً وغير قابل للإغلاق: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ).