الحروف ولغة المعاني

جودت سعيد. من كتاب ((كن كابن آدم))

 

لغة

« كن كابن آدم »(1) أو » كن كخير ابني آدم »(2).

ما هذا الكلام، وما معناه؟ ومن الذي تكلم به ومتى ؟ ولمن ولأي زمان كان هذا الكلام موجهاً؟!

هل حقاً أن هذا الكلام قاله رسول الله r؟ فإذا كان الذي قال هذا الكلام هو رسول الله، فلماذا كان هذا الكلام موضع استهزاء وسخرية؟

ويقول لي قائل أمام الملأ، منكراً هذا الكلام: أنا أريد أن أدخل الجنة شاهراً سفي، مرفوع الرأس، لا مطأطئ الرأس مستسلماً كابن آدم. والكلام الذي من هذا النوع كثير وكثير جداً.

إذا كان « كن كابن آدم » كلاماً قاله الرسول r ؛ فلماذا هذا الكلام منبوذ ومستهجن إلى هذه الدرجة، وبهذا الشكل من الإجماع؟ ثم ما معنى الإجماع، وكيف يتكون؟

لماذا لم يذكر المسلمون هذا الحديث، ولم يستشهدوا به في شروحاتهم؟ بل لماذا يكتبوا حوله كتاباً خاصاً ما كتبوا حول أحاديث أو آيات معينة؟

لِمَ هجر المسلمون هذا الحديث إلى درجة أنَّ أحداً لم يستشهد به في كتاب قديم أو حديث، إلاّ أن يكون من الكتب التي تحصي أقوال الرسول r؟ أما أن يُستشهد به كأمر، والأمر يقتضي الوجوب، كما يقول علماء الأصول ؛ فلا، ثم ما مقدار جدوى قواعد علم أصول الفقه، وما جدوى قواعد علم مصطلح الحديث التي تثبت أن حديثاً ما قد قاله الرسول ؟ وما هي القواعد والأصول والأعمال والممارسات التي تُمكَّننا من رفض ما قاله الله ورسوله، وتجاهل ما قالاه وأكّداه؟ وما جدوى أن يكون القول موجوداً في القرآن أو في كتب الحديث؟

متى يفقد الكتاب معناه وجدواه؟

ليس إثبات أن هذا الكلام موجوداً في القرآن أو كتب الصحاح هو الجهد الذي ينبغي أن يبذل الآن، بل ما ينبغي أن تبذل الجهود فيه هو اكتشاف (علم جديد) يبين كيف يفقد الكتاب والكلام قيمتهما، بل تفقد الفكرة معناها وجدواها، وكيف يضل سعي الناس في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعاً.

هذا علم جديد، لا ليس جديداً! إنه شيء قديم جداً، ولكن كيف نستطيع أن نحول هذا القديم إلى علم واضح. كيف يمكن أن تذهب أدراج الرياح جهودُ كل الذين يسعون بك إمكاناتهم، ويستحضرون كل أسلحتهم ؛ ليثبتوا صحة حديث أو فكرة أو مفهوم معين؟

إن هناك تغيراتٍ تحدث في النفوس، وعملياتٍ تحدث للأفكار، لا يبقى معها أي قيمة للكتاب والحديث. وتجارب الأقدمين والخسائر الحديثة، كل هذه الأمور تفقد قيمتها إزاء أوضاع معينة، في بيئة أو مناخ معين.

وبعبارة أخرى أقول: متى يفقد الكتاب ؛ القرآن بالذات، الانتفاع به ومنه؟! ما هو التغير الذي يجرف كلام الله، وكلام الرسول، وحكمة الحكماء، ويأتي كقوة ضاغطة متحكمة بكل المقدسات؟.. كيف يتسلل هذا الوباء دون أن يُرى، ودون أن يُحسَّ به؟ ليلوي الأعناق، وليغلق القلوب والأفئدة، وليضع الغشاوات على الأعين والأوقار في الآذان، وليسد جميع المنافذ.

كنت قد ذكرت قصة تدل على شيء من هذه المعاني في مقدمة كتاب (أيها المحلفون! الله لا الملك)، وتمنيت أن يتوافر الدارسون للانتباه إلى هذا الجانب من المشكلة في مستواه الأبعد، وفي المحيط الذي يُلغي فيه الله الرسول والفكر والفهم والإدراك: (وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً) ] الكهف: 18/57 [.

كثيراً ما أذكر قول الرسول في الكيفية التي يَفقد الناس فيها الانتفاع بالكتاب، واستشهاده r بالتاريخ دليلاً على ذلك، ولكن كيف يصل الإنسان إلى درجة لا يجد فيها سبيلاً إلاّ أن يقذف بنفسه إلى العذاب، وحقاً ليس غير العذاب موقظاً لأمثال هؤلاء ؛ عذاب الله، وعذاب البأس الذي يذيقه بعضهم لبعض.

عن زياد بن لبيد أنه قال: ذكر النبي r شيئاً فقال: « وذلك عند ذهاب العلم »، قلت: يا رسول الله! وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا، وأبناؤنا يقرئونه أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال: « ثكلتك أمك يا زياد / إنْ كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أوليست هذه اليهود والنصارى بأيدهم التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء »(1).

لو اطّلعتُ على كتاب صيني مكتوب بالأحرف الصينية ؛ لم أكن لأفهم حرفاً واحداً مما فيه، وإلى الآن لم أعلاف، ولم أستوضح كيف أن اللغة الصينية أو حروفها يمكن للذين لا يعرفون لغة بعضهم أن يقرؤوها، وكيف أن الحروف واحدة، والمعنى الذي يفهمونه واحد، ولكنهم لا يتكلمون لغة واحدة!

لعل ما يقرب هذا الأمر وحدة الحروف العربية والفارسية، وكيف أنه رغم وحدة الحروف لا يمكن فهم المعنى، وقريب من هذا ما يقال لنا من أن اثنين من الصينيين، رغم أنهما لا يعرفان لغة بعضهما ويقرآن الرموز بلغتين مختلفتين، ولكنهما يفهمان من الكلمة أو الحرف معنىً واحداً، فمثلاً صورة السرير تدل على مكان النوم، وإن كان اسم السرير مختلفاً لدى كل واحد منهم، ولكن هذا الرمز يدل على السرير بجميع اللغات.

هذا نموذج سبق لتقريب المعنى، فماذا أريد أن أقول؟!!

لغة الحروف ولغة المعاني:

هل أستطيع أن أقول: إن هناك لغة معانٍ لا تتصل بالحروف والرموز، لغة مفاهيم خارجة عن الكلمات؟ أي أن المفاهيم والمعلومات والعلاقات تغدو غير مفهومة وغير مقبولة وغير معلومة من خلال الكلمات التي سيقت للتعبير عنها،  ومثال ذلك أن موقف ابن آدم وعلاقته مع أخيه هي من نوع العلاقات المفاهيمية المرفوضة.

إذن، هذه العلاقة المرفوضة بهذا المستوى غير قابلة للدخول إلى مفاهيمنا، والرسول r حين جاء إلى قريش لم تكن المشكلة بينه وبينهم مشكلة لغة عربية أو فارسية أو رومانيو، بل كان النزاع نزاعَ مفاهيم علائقية تصورية للوجود، ما لا يدخل إلى هذه اللغة المفاهيمية لا يمكن القبول به، هنا توجد مرجعية أخرى، مرجعية تتمثل في منظومة من العلائق والمفاهيم تؤدي دوراً معيناً، وخدمة خاصة للمجتمع، أياً كانت هذه الخدمة.

إن بحث المشكلة بهذا المستوى قد بدأ يدخل إلى الوعي الإنساني، فهذه المشكلة قديمة قدم الإنسان، ولكن الوعي بها درجات، وإنَّ أدنى درجات هذا الوعي هو الإحساس بهذه الظاهرة، الذي يتمثل في قول الإنسان العادي: لو ولدت في بلد كذا ؛ لكنت على دين أهله، أي على منظومتهم المفاهيمية في تفسير مبدأ الكون ومصيره، وطرق النجاة، والمقدسات النصّيّة، والشخصيات المرجعية المتوارثة. هذه سنة حياة الأمم، فحين يقول: لكنت على دينهم، نفهم منه أن من الممكن له أن يفهم الوجود بأُسلوب فهمهم، وأن يرى العالم والقيم والخطأ والصواب بطريقتهم.

هذا الوعي يتمتع به كل فرد، إلاّ ذلك الذي يكون على درجة معينة من الفلسفة تجعله يلغي هذا المنطلق الذي يدركه كل الناس.

إن الانطلاق من مبدأ  مفهومٍ وواقع تحت الوعي والملاحظة مساعدٌ جداً على بناء قاعدة للانطلاق الصحيح، ولكن المتابعة بعد الانطلاق قد لا تتيسر، والتاريخ هو الذي يعلمنا كيف يكون الانطلاق صعباً والمتابعة أصعب.

أليس علماً جديداً أن نكتشف كيف أن الكتاب يفقد أن يكون نافعاً، وأن يكون وسيلة للمعرفة، وكيف انه يتحول بدلاً عن ذلك إلى أداة لمنع المعرفة؟!!

هذا العلم هو أحوج ما نحتاج إليه لنستيقظ من سباتنا، بل من نومنا العميق الذي لم تساعدنا القرون على التخلص منه.

إن العلوم كلها تتكون خلال التاريخ، والعلومُ الإنسانية لازالت حديثة العهد، والمسلمون إلى الآن يشكون فيها، وكل علم حين يبدأ، يبدأ منكراً، حتى علم الفلك بدأ منكراً. والمسلمون، وإن كانوا أرحب صدراً في تفهم العلوم المادية، إلا انهم يخافون خوفاً شديداً وحساساً ودقيقاً من العلوم الإنسانية، خشية أن يظهر أن تصوراتنا عن الإنسان التي أعطيناها القداسة الإلهية ليست صحيحة، فيظهر لنا أن تصوراتنا عن الإنسان التي أعطيناها القداسة الإلهية ليست صحيحة، فيظهر لنا أن هذه التصورات التي بنيناها وجعلنا لها صفة القداسة الإلهية خاطئة، لأننا نظن انه إذا ظهر خطأ فإن الذي ظهر خطؤه هو المقدس، هو الله، لا أن أهواءنا المدنسة هي التي ظهر خطؤها!

لهذا لابد من إقامة العلم المتصل بالإنسان، ومعرفة الكيفية التي يصنع بها الإنسان والمجتمع شرنقة يحبس نفسه فيها، وينسب لهذه الشرنقة كل الحماية والقداسة، إلى درجة انه يدافع عن شرنقته حتى الموت.

من هنا نستطيع أن نفهم كيف أن المنظومة الني لملمها المسلمون بعد أن فقدوا الرشد ليس فيها « كن كابن آدم » وليس فيها حديث ذهاب العلم، بحيث جهلنا إمكان ذهاب العلم ؛ بدليل اعتراض المعترض، وقوله: كيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن، ونحفظ كلماته، ونميز محكمة ومتشابهة، وعندنا مفسرون كبارٌ، ولا يمكن أن نكون مثل اليهود والنصارى فغي إمكانية الضلال.

لقد وصل بنا الأمر إلى أننا أخرجنا التوراة والإنجيل، من أن يكون فيهما شيء ينتفع  به، وإلى الآن كل الذين يبحثون فيهما، يبحثون عما يمكن أن يكون فيهما من التحريف والتبديل والتغيير والخطاء، ولم نتوجه بعد لنرى ماذا فيهما من النور والهدى والأمور التي يمكن أن تكون نافعة. فهل يمكن أو لا يمكن أن نرى في التوراة والإنجيل ما قاله الله عنهما: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) ] المائدة: 5/44 [، (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) ] المائدة: 5/46 [؟ ولكن في منظومتنا التي صنعناها نبذنا كل ذلك وراءنا بسهولة مدهشة، وقلنا: أولئك ضلوا لأنهم غيروا كتبهم، ولم يعد فيها هدى ونور، أما  نحن فعلى المحجة البيضاء التي حفظها الله تعالى!!!..

إن محاولة الإصلاح انطلاقاً من النصوص فليلة الجدوى، ولابد من صناعة منظومة مفاهيمية جديدة تمكننا من الانتفاع بالكتاب، وتبصرنا بالشيء الذي حدث حتى فُقد الانتفاع من التوراة والإنجيل، والشيء الذي خاف منه الرسول r، وانذر بأن حدوثه للمسلمين سيجعلهم لا ينتفعون بالكتاب الذي بين أيديهم.

هل يمكن عند هذه النقطة أن ننتبه إلى وجود حالة يفقد الناس فيها الاستفادة من الكتاب، لنبحث بعد ذلك عن الكيفية التي تمكننا من حصر هذه الحالة وعزلها وتحديدها، ومعرفة العوامل التي تؤدي إلى تكوينها وترسيخها، والظروف التي تضطر أهلها للمراجعة والتصحيح، وكم من الزمن يحتاج هذا، لا بل كم من العذابات المؤلمة التي يبذلها أهل هذه الحالة لنفسهم فيما بينهم، وفيما بينهم وبين غيرهم، حتى يضطروا للوصول إلى المراجعة التصحيح.

 

 

 

 



(1) رواه الترمذي في الفتن ، باب : ما جاء أنه تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم ، رقم (2195) وأبو داود في الفتن ، باب : النهي عن السعي في الفتنة ، رقم ( 4259 ) وهو حديث صحيح .

(2) رواه أبو داود في الفتن ، باب في النهي عن السعي في الفتنة ، رقم ( 4259 ) وإسناده صحيح .

(1) رواه الترمذي في العلم ، باب : ما جاء في ذهاب العلم ، رقم ( 2655 ) وابن ماجة في الفتن ، باب : ذهاب القرآن والعلم ، رقم ( 4048 ) واسناده حسن .