|
جودت سعيد. من كتاب ((إقرأ وربك الأكرم)) |
الموقف
|
|
|
ونرى من الضروري أن نقوم بإلقاء ضوء على
الموقف العلمي، أي الموقف من المجهول، الموقف من الذي لم يصر علماً بعد.
والإنسان عادة يختزل الماضي ويمد خياله إلى المستقبل، فكأنه يطير بين جناحي
الماضي والمستقبل، بين جناحي المعلوم والمجهول. فعلى قدر هضمه للماضي وكيف بدأ
الخلق يلقي الأضواء على المستقبل والمجهول، وعلى قدر ما عنده من خبرات وعلوم
متراكمة فإن موقفه من المجهول يكون متفائلاً، ويقيس ما يجهله الآن بما كان يجهله
سابقاً ثم تعلمه،فلا يكون عنده اليأس والقنوط والغموض إزاء المجهول، وغنما معه
خبراته ومكاسبه القديمة وتجاوزاته الماضية، أي أن المشكلات التي حللناها تساعدنا
وتلقي لنا أضواء على المشكلات التي لم نحلها. وهذا الموضوع متصل بموضوع ( سيروا في الأرض
فانظروا كيف بدأ الخلق) فالذي يعرف كيف بدأ الخلق يحصل لده تصور لمصير الخلق
والمستقبل ولو بشكل غامض، وهذا التصور مستمد من السابق، إنه لن يبقى كما هو،
وإنه يمكن أن يتغير كما تغير الماضي، وكما خُلق الماضي يمكن أن يخلق المستقبل،
وكما أن الخلق الحالي له بداية ليست كما هو الآن فكذلك له مستقبل ليس كما هو
الآن … ( ويزيد في الخلق ما يشاء) ( فاطر / 1)، ( كل يوم هو في شأن) ( الرحمن /
29). ومن الأمور التي تَحْرمُ الإنسان من الموقف
العلمي: أن يظن الإنسان أن العالم خلق في لحظة واحدة كما هو الآن، هذه الصخور
والجبال والنجوم والمجرات والنباتات والحيوانات.. لها تواريخ وكيفية لبدء خلقها،
فمعرفة هذه الكيفية لبدء خلقها تلقي ضوءاً طويلاً على كيفية صيرورتها في
المستقبل.. وهذه الكيفية الماضية أمر القرآن بالنظر إليها والسعي بهضمها
وتأملها، وبعد أن تتحقق هذه الكيفية الماضية يحصل لنا تلقائياً التصور للمستقبل
وما يحتويه من إمكانات. إن من لا يملك معرفة ( كيف بدأ الخلق) لن يستطيع أن
يتخيل وأن يتصور المستقبل الذي يضمره الحاضر. لقد ترسخ في أذهان المسلمين كيفية معينة لنشوء
الخلق من خلال الوقوف عند حرفية النصوص المقدسة، وليس من السير في الأرض. وهذا
الرسوخ كان سبباً في موقف المسلمين العدائي من فكرة التطور التي دخلت العالم
الإسلامي منذ مئة عام، كما كان سبباً في إهمالهم وعدم التفاتهم إلى الآية
الواضحة التي تحدد مصدر معرفة كيف بدأ الخلق من السير في الأرض: ( قل سيروا في
الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) ( العنكبوت / 20) وإنني لم أجد عند المسلمين بحثاً
واحداً أدخل هذه الآية على أنها متصلة بهذا الموضوع. ونحن هنا لسنا بصدد إثبات
فكرة التطور أو نفيها وإنما في تحديد منهج البحث. كما أن شعورنا بالمشكلات الحالية وعدم تصورنا
جيداً لمشكلات الماضي، جعل المشكلات الحالية مزمنة بل وتشلّ جهد الإنسان وسعيه
الصحيح لإزالتها. إذن الموقف العلمي ( أي الموقف التاريخي
والسنني) موقف السائر والمتطلع إلى كيف بدأ الخلق، هو الذي يعطي الموقف المتماسك
الفعال الذي لا انفعال فيه، والثقة التي لا شك فيها ولا تردد، ويكتسب الإنسان من
هذا الموقف التبصر والبصيرة ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن
اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين) ( يوسف / 108)، فمن هنا ندرك أن الذين
يحلون مشكلات الحاضر بفعالية. ومن هنا يتبين لنا مقدار حاجتنا الملحة ليكون لنا
منهج واضح لمعرفة الماضي بخطوطه العريضة الواضحة، وبشكل يعم كل الناس وبخطوطه
الدقيقة الواضحة لكل من يريد التخصص. إن من أكبر الخدمات التي تقدم للعلم معرفة
الماضي وهضمه والقدرة على تقديمه بشكل ميسور واضح التسلسل قريب المنال ؛ فلابد
من معرفة تاريخ كل خلق - مخلوق - آفاقاً وأنفساً، ونحن كالذين من قبلنا حصل لنا
ما حصل لهم.. طال علينا الأمد وقست قلوبنا وجمدنا عند رؤية اللحظة الحاضرة رؤية
لا سننية، ورؤية جبرية قدرية مبتورة من عبر الماضي، ومبتورة من التطلعات إلى
المستقبل والآمال في تخليصها من الآصار والأغلال التي ترسف فيها المجتمعات
والبشرية جميعاً. إن خلاص الجميع إنما يتم في التوجه إلى إدراك الماضي ومعرفة ما
كان وكيف كان. لتحصل لنا قدرة على التعاون لبناء ما سيكون وكيف يكون. وعند هذا
سندرك كيف تكون مساعدة الله لنا للقيام بالمهمات الموكولة إلينا ونفهم معنى رحمة
الله في أسلوب امتحان ذكائنا، ونبدأ بعد ذلك بالشكر لله على ما بين أيدينا من
آيات لنتبوأ مقام سلطان العلم وسلطان التسخير.. وبهذا يكون لشكرنا وحمدنا لله
معنى، وبهذا يعود المعنى الحي لفاتحة الكتاب حين نتوجه بالصلاة إلى الحمن
الرحيم. إن من حُرم الموقف العلمي يقف موقف المغلق
المتشائم المحروم من الآمال ومن الرحمة والتسامح ؛ وهو موقف الفاشلين المغلق
عليهم آفاق حل المشكلات. إنهم حملة الحقد والساعون إلى الانتقام والناهجون سبيل
( علّي وعلى أعدائي)، وهم الذين يعالجون المشكلات بقطع الرؤوس بدل ترشيدها
وهدايتها.. هذا إذا كانوا من المستكبرين في الأرض، أما إن كانوا من المستضعفين
في الأرض فيظلون يجترون أحقادهم ويتحينون الفرصة للإحاطة بالرؤوس التي عجزوا عن
تقديم ما يهديها ويرشدها. إن العلم هو الذي يعطي الرحمة، والعفو، والصفح
والتسامح، والعلماء هم الذين يبنون الحق ويرحمون الخلق كما يقول ابن تيمية. أما
الجهل فهو الذي يعطي الفظاظة والغلظة، وهو الذي يجعل الناس يتلمظون إلى السحق
حتى العظم، وهم الذين لا يهدأ غليلُهم ولا يروي عطشهم إلا الدماء والدمار. لابد
من أن تهدم قرطاجنة. فإذا حصل لك يوماً شعور بالانفعال جعلك تضرب
شيئاً أمامك لعجزك عن حله بسبله الصحيحة، أو رأيت من يفعل ذلك ثم أتبع عمله
بقوله: هذا أمر غير قابل للحل، فاعلم أن هذا الموقف غير علمي، وغير تاريخي وغير
إنساني، لأن العلم والتاريخ رحمة، وعفو، وصفح، وتسامح، وهداية، وأمل مشرق، وليس
يأساً مطبقاً. وهذا معنى كون السموات والأرض خلقت بالحق، أي قابلة لحل مشكلاتها
وتسخيرها لا هدمها. وإذا رأيت الناس
يائسين من تغيير أوضاعهم وحل مشكلاتهم، وإذا رأيت الناس غير ميالي للاستماع إلى
سيئ.. فاعلم أن سبب ذلك هو اليأس المبين واليأس قرين الكفر ( إنه لا ييأس من روح
الله إلا القوم الكافرون)، والعجز والكسل والجبن والبخل من ذراري الجهل.. وإن
الفعالية، والنشاط، والشجاعة، والكرم، من نتائج العلم والفهم. والعلم بالتعلم،
والحلم بالتحلم، وليس ثروة جاهزة، وإنما قدرات إنسانية ومجالات تسخير وملكوت لا
نهاية لها.. فالبحر ينفذ وعطاء الله وكلماته لا تنفذ. |
|
|