|
الرابعة (مرتبة التعليم
بالقلم) جودت سعيد. من كتاب ((إقرأ وربك الأكرم)) |
المرتبة
|
|
|
معنى التعليم بالقلم: مرتبة التعليم بالقلم، وهي تأليف رقوم تدرك
بحاسة البصر، وتدل على الفظ، وهي الكتابة، فالكتابة تبع للفظ، واللفظ تبع للعلم
- الصورة الذهنية - والعلم تبع للمعلوم؟ أي أن الصورة الذهنية تبع للحقيقة
الخارجية. اعتبرنا اللغة أو القدرة على وضع الأسماء،
المقام الذي رفع الله آدم - عليه السلام - إليه حين علّمه الأسماء كلها ؛ وهذا
ما جعل الملائكة يعترفون بنقصان علمهم عنه، ومن هنا تطرق الخلل إلى حكمهم على
آدم بأنه لا يستأهل خلافة الأرض، فهو يفسد فيها ويسفك الدماء. والقدرة التي
نتحدث عنها هي اللغة ؛ أي نقل الأفكار والتجارب بالألفاظ والحديث. فحين وضع آدم
الرموز اللفظية - الأسماء - للأشياء والأحداث، اعترفت الملائكة بنقصان علمهم.
فاللغة موغلة في القدم مئات الآلاف من السنين، وربما الملايين، بينما قدرة وضع
الرموز الدالة على الألفاظ - الكتابة - متأخرة وحديثة في حياة البشر، لا تتعدى
بضعة آلاف من السنين، واعتبر المؤرخون ظهور هذه القدرة عند الإنسان بدءاً
للتاريخ. ومهما حاولنا أن نظهر أهمية هذه القدرة، فإننا لن نوفيها حقها.. إنها
قدرة القراءة، قدرة القدرات وآية التكريم، ومظهر كرم الله ( اقرأ وربك الأكرم) (
العلق / 3)، إنها التعليم بالقلم.. إنها ( ن. والقلم).. إنها الرمز، الأداة..
الرمز الخالد الباقي.. الرمز الذي يقي الإنسان من أن يلدغ من جحر مرتين حين يحسن
استخدامه، فالإنسان يحمي نفسه من الشر بالاعتبار ولا يتم الاعتبار إلا بالرمز
الذي يحفظ المثلات. وأكاد أن أقول: إن الكتابة تمنح الإنسان القدرة على اجتناب
الخطأ الذي وقع فيه السابقون حين نقلت الكتابة خبراتهم، وسجلت أخطاءهم. اقرأ يا إنسان باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان
من علق، فصار قابلاً أن يتعلم بالقلم. اقرأ ورب الأكرم. إن القراءة ينبوع العطاء.. ينبوع كل المكاسب..
ينبوع التسخير إلى الأفضل دائماً.. بـ نون والقلم وما يسطرون: دخل الإنسان عهداً
جديداً، وبهذا أضيفت إلى الإنسان خزائن معلومات … أضيفت ذاكرة جديدة غير قابلة
للعطب والنفاذ. واكتسب كرم الله الخلود والاستمرار … اقرأ وربك الأكرم … اقرأ …
فإن من أعطاك القراءة قد أعطاك سلطاناً واستخداماً وتسخيراً، فيما له من عطاء،
لمن تأمل، وتفكر، وتدبر. تأمل الإنسان، والقدرة على القراءة والكتابة
كامنة فيه( 1)، وقد عاش آلاف السنين
محروماً من أن تبرز هذه القدرة الكامنة فيه إلى الواقع.. فسترى بذلك تأخر ظهور
سلطان الإنسان، وظهور مقام: ( سخر لكم) ( إبراهيم / 32). وحين كان بعض المسلمين يقولون - وهم يستمطرون
رحمة الله - بسر ( كاف ها يا عين صاد) لم يكونوا يدركون إلى أي درجة أنَّ رمز
الرمز هذا كامنة فيه رحمة الله وكرمه، وعطاؤه الذي لا ينقطع. إن الحروف المقطعة
في فواتح سور القرآن الكريم، تناولها المفسرون بما تيسر لهم، ولا يزالون
يتناولونها.. وكل واحد من هؤلاء المفسرين قد رأى في هذه الفواتح السرّ الذي
يناسبه وينسجم مع فكره وفهمه، وإني أرى أن سر القدرة على استخدام الرمز على
مخلوقات الله كلها، مرتبط بالقراءة ( اقرأ
باسم ربك الذي خلق) فالقراءة رمز على المخلوقات المادية والمعنوية. وإن
إمكان وضع الرمز على المخلوق، جعل الإنسان سيد المخلوقات ومسخِّرها. بالرمز أمسك
الإنسان زمام الخلق - المخلوقات - وبالرمز قنص الإنسان المادة والمعنى، وجعلها
طوع أمره ( سخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه) ( الجاثية / 13). ثم
انتقل الإنسان من وضع الرمز اللفظي، إلى وضع الرمز على الرمز، أي وضع الحرف الذي
يدل على الأصوات المختلفة. إن وضع رمز على مخرج حرف معين، وجعل القراءة
على هذا الأساس، نهاية لعصر الرموز بالصور على المعاني. وكأن اللغة الصينية واليابانية لا تزالان في
مرحلة متخلفة عن جعل الكتابة بالرموز على المقاطع الصوتية، وكأن اللغة
الهروغلوفية كان بدؤها كذلك. إن علمنا ببداية تعلم الإنسان إطلاق الألفاظ
والأصوات على المخلوقات المادية أو المعنوية - أي نشوء اللغة - علم قليل قابل
للزيادة، ولكن علمنا بوضع الصور الكتابية على الصور الذهنية - أي الكتابة -
أكثر، سواء كان الرمز صوراً للألفاظ أو صوراً للمخلوقات - الحقائق الخارجية -
ويستخدم هذا النوع من الرمز الآن في إشارات المرور وإشارات الفنادق والمطاعم
لتأخذ معنى العالمية. إنني أطيل البحث في شيء لا يبدو متصلاً بتعريف
العلم، أو بمعنى العلم كما يظهر لأول وهلة، ولكن إدراكي لمعنى العلم، يجعلني
مضطراً لبحث هذا الرمز ؛ لأن الرمز، وقدرة الإنسان على حبس المعنى في الرمز،
وإبراز هذه القدرة إلى الواقع، أعطى الخلود للعلم. لقد كانت التجارب تضيع ويعاني
الإنسان دفع الأثمان الغالية، بإعادة التجارب التي كانت تموت مع من قام بها، إذ
لم يكن في الإمكان توريثها للخلف بشكل دقيق. وإن تغلب الوثنيات على الأديان
السابقة للإسلام وانحراف هذه الأديان عن مبدأ الوحدانية، راجع في الدرجة الأولى
إلى أن تعاليم تلك الأديان لم تسجل في حينها، وإن قوله تعالى: ( إنا نحن نزلنا
الذكر وإنا له لحافظون) ( الحجر / 9)، والتنفيذ العملي من الرسول الأمي r في الأمر بتسجيل الآيات فور نزولها، وما يعرف في السيرة النبوية
وتاريخ القرآن بكتّاب الوحي، دليل على تسجيل الأحداث بالرموز، التي تعطي معنى
الخلود: ( وإنا له لحافظون) ؛ موضوع التوثيق والوثائقية. فمن هنا كانت ميزة
ومكانة القرآن في تاريخ الأديان. إن الرمز بالقلم، جعل العلم خالداً، وحصَّنه
من التحريف، والضياع والنسيان، لهذا وصف القرآن السابقين بأنهم: ( فنسوا حظاً
مما ذكروا به) ( المائدة / 14)، حيث لم يكن التسجيل فور نزول الأحداث، وكان ها
سبباً لإغراء العداوات والبغضاء بينهم، بسبب قلة البيان. إن البيان يحدث برد
اليقين الذي يزيل الأحقاد، فبالعلم تزال الأحقاد وأسباب النزاع في العالم. إن آثار الإنسان قبل الكتابة موغلة في القدم
آلاف آلافٍ من السنن، ولكن عهد الكتابة قصير في تاريخ الإنسان يرجع إلى بضعة
آلاف فقط، وإن هذا العهد القصير حافل بتقدم الإنسان، بتقدم العلم، بتقدم
التسخير، بتراكم المعلومات، بتراكم الرموز على الخلق. ( اقرأ باسم ربك الذي
خلق). إن التاريخ من آدم إلى النبوات الكتابية تاريخ
غامض، لأنه تاريخ قبل عهد الكتابة، ولكن النور المسلط على نبوات عهد الكتابة
أكبر مع قصر المدة، إن صحف إبراهيم وموسى - عليهما السلام - لا ترجع إلى أكثر من
خمسة آلاف عام وإن المدة من آدم إلى إبراهيم - عليهما السلام - آلاف آلاف من
السنين، بينما الفترة الزمنية من إبراهيم - عليه السلام - إلى الآن وجيزة
بالنسبة للتاريخ وبالنسبة لأيام الله. وإن إقبالاً حين قال: ( الزمن حال
الإنسان، وليس دورة الفلك) ربما كان يقصد أن حال الإنسان من السلطان والتسخير
خلال هذه الفترة القصيرة جعل لها القيمة الكبيرة، بينما دورات للفلك بالملايين
غابت في الظلمات( 1). وإذا كان عمر
السكين سنة آلاف سنة فقط - حسب الآثار المتوفرة - فإن العهد من السكين إلى القمر
الصناعي عهد ضئيل بالنسبة لدورات الفلك والأرقام الفلكية. إنني حين أذكر هذه الأشياء، كأنني أبحث أساس
العلم، وتاريخه ومعايشته، ومعاصرته، وكيف كسب العلم الخلود. إن الله حين يقول
لنا: ( سيروا في الأرض فانظروا بدأ الخلق) ( العنكبوت / 20)، يضعنا على طريق
العلم الحقيقي. إن معرفة جزء ضئيل من تاريخ العلم كمعرفة جزء ضئيل من تاريخ
إنسان معين، لا تعطي معلومات كافية عنه. إن العلم الذي يغفل عن التطلع إلى كيف
بدأ خلق المخلوقات المادية والمعنوية، لا يخلو من الأوهام والأهواء، فيكون
مشتبهاً بالخرافات. وكم أشكو في العالم الإسلامي والعالم المعاصر عامة من اختلاط
العلم بالأوهام والأهواء، أي الظنون والرغبات. إن العلم لا يتحرر من الأوهام
والأهواء، إلا إذا حُصن بإدراك كيف بدأ الخلق: مادة ومعنى، طبيعة واجتماعاً،
آفاقاً وأنفساً. وبدخول قدرة القراءة إلى عالم الإنسان، اكتسب الإنسان سلطاناً
جديداً، واستأهل الخلافة، وملك قدرة وأداة للقضاء على الفساد والسفك. إن تذوق
وإدراك أهمية القراءة في حياة البشر، وإدراك ما أعطي الإنسان من خير وبركة
وسلطان ينفذ به من آفاقه المحدودة، إن هذا التذوق والإدراك التاريخي - أي كيف
دخلت هذه القوة إلى حياة الإنسان الذي كان خالياً منها - يحمل على التأمل ويفتح
آفاقاً جديدة أمام الإنسان وقدراته على حل المشكلات، وإمساك زمام سلطان التسخير
لما خلق له. إن أهمية القراءة تبدو في معجزة النبي الأمي،
فكون خاتم النبيين أمياً إشارة إلى أن أحداً من الناس بعد خاتم النبيين لن يكون
مصلحاً وهادياً في الناس بدون قراءة، وبخاتم النبيين النبي الأمي محمد r، خُتم عهد الأمية، وفُتح عهد القراءة في الحياة البشرية. بالقراءة يمكن اختزال التاريخ، بالقراءة يمكن
أن يختزل الإنسان عصور المعرفة والتجارب. إن الفرق بين الإنسان الذي يولد في
مجتمع القراءة والكتابة، وبين من ولد قبل ذلك العهد، أن إنسان عهد القراءة قادر
على حيازة تجارب آلاف السنين لآلاف البشر. فبالقراءة يمتلك الإنسان طاقة مختزلة
مركزة مليئة بالعلم، مختزلة في حجم إنسان اختزل حجم آلاف السنين في عمر إنسان
واحد. إن المسلم يحترم ويقدس الكتابة، ومازلنا نشاهد
بقايا نوع من الناس يرفعون القصاصات عن قارعة الطريق، ولا يعون جيداً القدسية
المعنية الموجودة في الكتابة، والحرف، والخط والقلم، والرقّ المنشور. إن هذا
الجلل وهذه القدسية، وهذه الكرامة، وهذا العطاء غير الممنون للإنسان، يمكن أن
يفهمه بشكل واضح جداً كل من أدرك وظيفة القراءة، وما يمكن أن تعطيه للإنسان
لبلوغ منزلة أحسن تقويم. لقد اخنُزل العلم باستخدام الرمز - الخط
بالقلم - ( ن. والقلم وما يسطرون) ( القلم / 2). وإن وضع المعاجم والموسوعات
ودوائر المعارف.. قد رفع من معنى قدرة الرمز وأعطاه فاعلية وكفاءة وسرعة، وبذلك
تمكن الإنسان من مراجعة ما يريده بسهولة ويسر، سواء في معرفة الأسماء، أو
التاريخ، أو شتى الحقائق.. ومثل ذلك الآلات الحاسبة وبنوك المعلومات، فهي في
حقيقتها استمرار لاختزال المعلومات وتقديمها بسرعة، وهذه إحدى نعم الله الكبرى
التي ارتبطت بالقلم والكتابة ( ن. والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون) (
القلم / 2-3) وإن الذين يتعاملون مع آيات الآفاق والأنفس، ويستغلون الرموز التي
تتحول بسرعة إلى حقائق ومعطيات علمية.. هم الذين يتسخر لهم ما في السماوات
والأرض. إن مشكلة الأمية، وما يخسره الإنسان بفقدانه
القراءة والكتابة، شيء لا يعوض، وإن البلدان التي تعاني من الأمية تعاني من
نقص في فاعلية الإنسان. إن الإنسان
الأمي منزوع منه الشريان الذي يمده بالسلطان، لأنه مفصول عن تجارب البشر، بل
يمكن القول: إنه غير قابل أن يبلغ الرشد. إن الصلة بالكتاب تغير من سحنة الإنسان، ومن
توتر عضلاته، وسمات وجهه، والذين يفقدون الصلة بالكتاب يفقدون السلطان ( كأنهم
خشب مسندة) ( المنافقون / 4) ذلك أن بلوغ مرحلة التقويم الحسن للإنسان التي
تفضَّل الله بها، لا يتم إلا عن طريق الصلة بالكتاب. فيا أيها الإنسان أن ربك
الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك.. إن ربك الكريم رفع من
قدرك، ومن خلقك ومن تسويتك، وتعديلك، غير من شأنك بالقلم والكتاب ( قل هل يستوي
الذين يعلمون والذين لا يعلمون) ( الزمر / 9). إن حل مشكلات الإنسانية، ونفي تهمة الملائكة
لبني آدم، وإخراج الإنسان من الفساد والسفك … لا يتم إلا بالتسخير الحق لقدرة
القراءة. إن التسخير الحق لقدرة القراءة، يجعل الإنسان
يطير بجناح القراءة، ويتغلب على المشكلات. لا يغرنك شيوع الفساد والسفك في
العالم. إن إنساناً أدرك كيف بدأ خلقه وكيف وصل إلى ما وصل إليه، وتجاوز ما
تجاوز، سيعلم كيف سيصل إلى ما لم يصل إليه بعد، وكيف يتجاوز العقبات التي أمامه،
كما تجاوز العقبات التي خلفها. إن الكاتب، والقارئ، والطابع والكتاب.. إن كم
وكيف كلٍ من هذه الأمور هي التي تعطي للمجتمع صورته التاريخية ومركزه بين
معاصريه.. إن هذا الكم والكيف مؤشر صادق لعدالة الصورة والخلق المسواة، والرصيد
من الحق. إن الاستخلاف في الأرض هو لمن يقوم بهذا النسك
أفضل قيام، إن من يقوم بهذا النسك على أحسن وجه يكون حظه أوفر من موجبات استخلاف
آدم في الأرض. |
|
|