وتلك الأيام نداولها بين الناس

من Jawdat Said

اذهب إلى: إبحار, بحث

جودت سعيد. مقالات ((مجلة المجلة))

تداول الأيام بين الناس قانون بشري اجتماعي يتم خلال التاريخ تلقائيا سواء كانت المداولة للسلطة أو للمعرفة. والعالم الآن مشغول في دراسة المعرفة والسلطة. كيف تفهم المعرفة والسلطة في العصر الحديث؟ كيف يمكن كشف قوانينهما؟ إن السلطة هي نتيجة المعرفة، "تعرفون الحق والحق يحرركم"، "وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". إن الذين يدرسون التاريخ يتعمقون في فهم سنن الله وتداول السلطة أو تداول الأيام وتاريخ تحولات المعرفة والسلطة في الأسر الحاكمة أو المجتمعات التي تطلق عليها الحضارات.

لم يخلق الله العالم في يوم واحد بل خلقه في ستة أيام، حيث حدثت التحولات الكبيرة في تهيئة الظروف المادية، الفلكية، البيئية، المناخية في توليد الحياة. وبعد تكون البيئة المناخية التي ولدت الماء الذي جعل الله منه كل شئ حي جعل الله من الإنسان الذي أصله الماء والطين خليفته في الأرض. وكان هذا في مشهد يوم عظيم حيث كان وجود الإنسان من أيام الله المشهودة التي دارت عنها الحوارات في إمكانات هذا الإنسان الخليفة. ولقد علم الله في هذا الخليفة المتهم بالفساد وسفك الدماء بأن له دوراً في تحقيق أمر الله وعلمه وفق سنن وقوانين المادة والحياة والمجتمع. ولا بد من تصور صحيح لهذه الكائنات الثلاث لمعرفة قوانينها وسننها والارتباط بينها: المادة والحياة والمجتمع. قوانين المادة في الذرة والكهرباء. وقوانين الحياة في الصحة والمرض. وقوانين المجتمع وسننه في الصحة النفسية الفكرية، وفي فجورها وتقواها.

وكانت رسالة الأنبياء في الاهتمام بهذا القسم الأخير. ونحن رأينا كيف أن القدرة المعرفية عند الإنسان سخرت له الطاقات المادية والمعرفة لقوانين الحياة ففتحت له أبواب صحة الأجساد وقوانين مرضها.

ولكن الإنسان يتلكأ في التقدم للاعتراف بسنن وقوانين المجتمع. والقرآن يقول لنا إن قوانين المجتمعات يمكن الاهتداء إليها بالسير في الأرض والنظر إلى العواقب. ليس على أساس الغيب وإنما على أساس الشهادة. لهذا يقول الله في تداول الأيام بين الناس "قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين. هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين.

و لا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين. إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا منكم ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين". جاءت هذه الآيات بعد غزوة أحد في سورة آل عمران بعد يوم من أيام المسلمين ولكن القرآن يسوق هذا التعقيب على ذلك الحدث ضمن قانون المجتمعات والتاريخ والعواقب التي تمحص السنن والقوانين الاجتماعية، ومكان هذه السنن في الأرض في تاريخ المجتمعات ليس غيبا لا يمكن الاطلاع عليه، بل إنها في الأرض، في التاريخ، في الأحداث الاجتماعية البشرية. وهذا الأسلوب في فهم الحياة الاجتماعية في صحتها ومرضها هو الأسلوب الذي ليس هناك أسلوب غيره.

"هذا بيان للناس لكل الناس"، وهذا هداية ليس غيرها هداية وموعظة للمتقين، أي الذين يحذرون الوقوع في العذابات الاجتماعية وهلاكها.

بعد أن تفهموا هذه السنة والقانون لا تهنوا ولا تذلوا وتمسكوا بهذه السنن وسوف لن تحزنوا، بل إذا تمسكتم بهذه السنن فأنتم الأعلون إن كنتم تؤمنون بثبات سنن الله التي لا تتبدل ولا تتحول. وبهذا القانون يداول الله الأيام بين الناس فيظهر الذين فهموا السنن وتمسكوا بها وكانوا شهداء على صحتها وثباتها، وليعلم الناس أن الظلم هو سبب الهلاك وابتعاد عما يحبه الله.

هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين. إننا نشعر أننا على بينة ورحمة وهداية. والذين لا يمكنهم أن يفهموا هذا، يقول الله لهم إن العذاب الأليم الذي ينتج عن الاستمرار في الخطأ وعدم الاعتبار بالتاريخ سيضطركم إلى الإيمان بصدق سنن تاريخ المجتمعات. فالذين لا قدرة لهم على كشف هذه القوانين أو يرونها غير معقولة سيظل ينزل عليهم العذاب ويحيق بهم. يقول الله : "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم". يقول الله لنا عن عاد وثمود وفرعون ذي الأوتاد أنهم طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب.

إن ربك لبالمرصاد وقانونه الآن بين المجتمعات هو نفس القانون والمصير الذي كان في المجتمعات الغابرة، فمن لم يصدق فلينظر إلى الاتحاد السوفيتي، وماذا حدث لها وإلى شاه إيران، ماذا حل به، وإلى البلاد العربية، كيف لا قدرة لهم على التلاقي لبحث مشكلاتهم. ولن يغير الله سننه وقوانينه "ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

والذي كان بنفسي لما بدأت هذه المقالة هي الفكرة التي عولجت في كتاب (فجر العلم الحديث: الإسلام، الصين، الغرب)--الطبعة الثانية وبترجمة جديدة في سلسلة عالم المعرفة الكويتية-- ويتساءل المؤلف بعد أن يقرر أن الإسلام والصين هما اللذان كانا مؤهلين لكشف عصر العلم الحديث فلم تتمكن الصين ولا الإسلام وتمكن الغرب من ذلك. هذا سؤال مهم وقد كنت قرأت بحث هذا الموضوع عند المؤرخ أرنولد توينبي حين وضع قانونه في العلاقة بين الحضارات من أن الذي ينجح في التحدي في سباق الحضارات يترك النجاح لخصومه في الجولة القادمة، لأن الذين ينجحون ينامون على السكر الذي يصيبهم من النجاح الذي أحرزوه، وضرب المثل بالمتسابقين في تسلق المرتفعات أو العبور إلى الشواطئ الجديدة عندما يلقون بمجاذيفهم ويستلقون على الشاطئ ويتركون الفرصة للنجاح التالي لخصومهم.

ربما هذا هو الذي جعل الصينيين والمسلمين ينامون على أمجادهم وتركوا الجولة للغربيين. والقرآن يعرض هذه المشكلة وهذا الداء في عبادة الأسلاف الذين يسميهم القرآن الآباء، لأن الفخر بالآباء وإنجازاتهم يحول بينهم وبين أن يتمكنوا من رؤية الجولة القادمة أو اليوم الجديد الذي يداوله الله بين الناس.

وتوينبي سمي يحيى عليه السلام لما يبحث هذا الموضوع في تداول الأيام ويطرح الأحداث ويتساءل من الذي سيقوم بالجولة القادمة، حيث الغرب تسنم الدولة الأخيرة وهو يشعر بأن الغرب بدأ ينام على أمجاده، ولكنه يتساءل أيضا عن الذين سينجحون لأن الذين يقومون بالإبداع في السباق هم المضطهدون في العالم وفي هذا بذكر السود في أمريكا كإمكانية على القيام بدور جديد ويتساءل، هل يمكن أن يتوقف التداول بين الناس في الأيام، وهل يستطيع الغرب يستطيع أن يستيقظ ويتدارك الأمر. إن توينبي يبحث هذا الموضوع بأسلوب شيق ولكنه يرى الطريق مظلما ويقول كل الحضارات تواضعت قليلا أو كثيرا ما عدا الحضارة الغربية فإنها لا تزال تنشد نشيد أنهم أبناء الله وحدهم فقط من بين مخلوقاته.

ولكني أرى أن العالم في مرحلة مدهشة الآن. لقد صار العالم موحدا والصين لم يعد وراء سد السور العظيم الذي بنته ضد الغزاة، والعالم الغربي ليس في طريق الفناء بل عنده استعداد كامل للتكيف مع الأوضاع الجديدة إذا استيقظ خصومه التقليديون الذين هم مستضعفوا الأرض، والعالم لم يعد التداول فيه للسلطة والمعرفة تلقائيا بل البشر بوعي منهم سيطروا على أسلوب التداول. والغرب –وربما أكثر في أوربا من أمريكا—بدأ يتهيأ، وسكرة أمريكا ليس استغراقا في النوم وإنما تمسكا لآخر لحظة باستكبارها. إن العالم يتهيأ لقبول كلمة السواء وإلغاء حق الفيتو وحان قطاف العالم للتوحيد الذي قتل الأنبياء من أجله. وعلى العرب أن يفهموا ذلك، ويخرجوا من الحنين إلى سلطان هارون الرشيد الذي كان يخاطب السحاب مطالبا بالخراج. هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين. متى نفهم أن محمدا بعث هاديا وليسجابيا؟

buy cheap generic viagra online