موسى وفرعون وإبراهيم وآزر

من Jawdat Said

اذهب إلى: إبحار, بحث
مقالات ذات صلة
......................
انقر هنا لتحميل المقالات (Doc)

جودت سعيد. مقالات ((مجلة المجلة))

كنت أهيم في فهم الطاغوت في مجالات غير واضحة وغير بينة، إلى أن فهمت معناه من القرآن الذي يوضح الطاغوت بأطول القصص وأكثر الشخصيات ذكراً في القرآن، حيث يقول الله لموسى: "اذهبْ إلى فرعونَ إنه طغى" ويقول: "ألم ترَ كيفَ فعلَ ربكَ بعاد، إرمَ ذاتِ العمادِ، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد".

وصف الله عاد وثمود وفرعون وما تركوا من أثار خالدة بأنهم طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب. إن ربك لب المرصاد لإهلاك الطغاة كما هلكت عاد وثمود وفرعون، وإن ذلك لسنة. والله يقول عن الإنسان: "إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى". وهذه مسألة إنسانية كبيرة. إن البشر حين يعظمون إنسانا يتحول إلى طاغوت، وإلا فلماذا ترسخت الطاغوتية في العالم من أمريكا إلى أصغر دكتاتور؟ السبب يعود إلى الذين حولهم يعظمونهم ويرونهم فوق البشر.

ولقد كانت رسالة الأنبياء جميعاً أن: "اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت"، أي ليملككم الله وليس الطاغوت.

هذه الجملة رسالة الأنبياء جميعاً. يقول الله: ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن عبدوا الله واجتنبوا الطاغوت.

ولفهم الطاغوت قص الله علينا قصة أكبر الطواغيت في التاريخ، الذي ترك الأهرامات، أكبر الآثار في الدنيا، كل منها قبر لشخص واحد بهذا الحجم. والفراعنة لم يبنوا هذه القبور كفراً بالله، ولكن لينجوا في اليوم الآخر. وقصة فرعون مع موسى من أطول قصص القرآن وأكثرها تكراراً حتى لا يبقى شيء من أمر فرعون خفياً، حتى يكون الطاغوت مجسداً مشخصاً يمكن أن نرى نموذجه في هذا العصر.

ذكر في القرآن اسم فرعون أكثر من سبعين مرة وذكر اسم موسى الذي أمره الله أن يذهب إلى الطاغية أكثر من مائة مرة، أكثر من أي نبي آخر. في القرآن، يذكر اسم موسى من قبل أن يولد وكيف اصطنعه لنفسه وكيف دربه على الذهاب لمقابلة فرعون وكيف خاف موسى. إنها تفاصيل دقيقة مهمة يمكن تحليلها، خطابه الشعوري واللاشعوري وما وراء الكلمات من مسلمات وأسس يبنى عليها وهي ليست ظاهرة بل خفية تحت الأبنية التي أقيمت عليها، حيث يقول الله: "آتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وآتاهم العذاب من حيث لا يشعرون".

وسيكون هذا موضوعاً شيقاً للدراسة والمقارنة ومعرفة طبيعة الإنسان، وعلى علماء الإنسانيات أن يقارنوا بين آيات الأنفس البشرية وقصة فرعون في القرآن وامرأة فرعون وحوارات فرعون مع موسى وهارون ومع ملئه ومع السحرة وكيف وقع هامان. يمكن دراسة ثقافة ودين فرعون ووسائله في الترغيب والترهيب لمعرفة ملة الكفر وملة الإيمان.

هناك حوار طويل بين موسى وفرعون وهناك حوار هام بين إبراهيم وأبيه آزر، يوجز فيها قصة الطغيان والنفس الإنسانية القابلة للطغيان. في هذا الحوار الإبراهيمي نقرأ: "واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً إذ قال لأبيه يا أبت لما تعبد ما لا يسمع ولا يبصر". ويطيل النقاش وهو يقول في كل مرة: "يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فتبعني أهدك صراط سويا …" وكان أبوه يجيب: "أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنتهي لأرجمنك وهجرني مليا قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا". هذا الحوار الإبراهيمي مع أبيه ومع النمرود الذي آتاه الملك هو نفس حوار موسى مع فرعون، ومحمد مع قريش، وكل النبيين مع أقوامهم.

وفي سورة إبراهيم يجري الحوار ليس مع نبي معين وإنما مع جميع الأنبياء في مواجهة جميع الأقوام، فيقول الله: "ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم وإنا لفي شك مما تدعونا إليه مريب. قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما يعبدون آباؤنا فأتونا بسلطان مبين قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده…" وهكذا يطول الحوار إلى أن يقول الرسل: "نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون". فيقول الذين كفروا لرسلهم في موقف حاسم. "لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا".

هذه هي الملة الفاصلة والقول الفصل بين الرشد والغي، بين الرسل والأقوام. "فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ونسكنكم الأرض من بعدهم ذاك لمن خاف مقامي وخاف وعيد". هكذا قانون الله ووعد الله للرسل الذين يحملون رسالة "لا إكراه في الدين"، التي ستعم الأرض. وهذا علم الله في الإنسان، لأن الأنبياء مبدأهم "لا إكراه في الدين" بينما مبدأ الأقوام "لنرجمنك واهجرني". إنها جملة آزر، يرددها الأقوام خلال التاريخ. "ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم ولا يحصيهم إلا الله".

ونحن في هذا العصر علينا أن نفهم هذا الحوار وكل الحوارات التي قيلت في القرآن مثل قول فرعون "آمنتم له قبل أن أذن لكم لأقطعن أيدكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذاب وأبقى". هذه الحوارات التي نشعر الآن أن لا معنى لها هي التي ستزلزل العالم القادم، وقد زلزلت فعلاً في بعض الأرض، وسيعم هذا الحوار الأرض. إن الذين من قبلنا لم يتمكنوا أن يروا ما نرى، وكثير من الناس يعاصروننا ولا يستطيعون أن يفهموا ماذا حدث. وسيذهب الطاغوت كله جفاء وسيتحقق ما تحقق من قبل "انظر إلى إلهك الذي ظللت عليه عاكفاً لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا". وقال الرسول (ص): رحم الله أخي موسى أوذي أكثر من هذا فصبر. "ولما جاوز موسى البحر ببني إسرائيل أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى أجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال أنكم قوم تجهلون أن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون".

وفي مثل هذا الموقف قال محمد ويلكم قلتم كما قالت بنوا إسرائيل اجعل لنا آلهة كما لهم آلهة. ولما ذهب موسى عجلاً لميقات ربه أخرج لهم السامري عجلاً جسد له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى قال موسى لهارون يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعني وقال هارون يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأيي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل.

هذه مشكلة التاريخ البشري في عبادة الأوثان والطواغيت. إننا نرى الآن كيف يتخلص البشر من الأوثان البشرية. رأيناه يحدث في روسيا وأوربا الشرقية وأمريكا الجنوبية. ونراه يحدث في أفريقيا والعرب الآن في ألام المخاض والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.