مفهوم التغيير عند الآخرين

من Jawdat Said

اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

حتى يغيروا ما بأنفسهم


Change.gif
تحميل الكتاب
مقدمة مالك بن نبي
مدخل كتاب حتى يغيروا
سنة عامة للبشر
سنة مجتمع لا سنة فرد
سنة دنيوية لا أخروية
في الآية تغييران
مجال كل من التغييرين
الجانب المهم هو التغيير الذي يقوم به القوم
ما بالقوم نتيجة لما بالنفس
لتحقيق التغيير لا بد من تغييرين
مفهوم التغيير عند الآخرين
علم النفس الفردي والاجتماعي
العلاقة بين سلوك الإنسان وما بنفسه
ما بالنفس يتفاوت في الرسوخ
كيف تلقى السنن القبول عند المسلمين
العقل والسنن في القرآن
الفعل والانفعال
المنهج والتطبيق


بحثنا في فصول هذا الكتاب، فكرة التغيير مستهدين بهداية الآية الكريمة:


« إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » الرعد – 11 -.


وبيَّنَّا التغيير الذي يحدثه الله في خلق النتائج، والتغيير الذي يقوم به البشر في تهيئة الأسباب، والتعامل معها، وضربنا لذلك مثل خلق الإنسان، وزرع النبات، وفي مجال سلوك الإنسان طبَّقنا هذه القاعدة بالتفصيل، كيف يتغير سلوك الإنسان حسب ما في نفسه، كما بحثنا إمكانية تغيير ما بالنفس وأنها من مهمة البشر.كما بينا أن التغيير الوارد في القرآن، سنة عامة لكافة البشر، كما أنها سنة اجتماعية لا سنة فردية على عمومها، كما سنبين تفاوت ما بالنفس في الرسوخ وما يترتب على ذلك، وكذلك خضوع بعض سلوك الإنسان إلى فكر راسخ غير متذَّكر … الخ.


دعوى الشيوعيين أنهم أول من جعل تغيير المجتمع علماً موضوعياً

وموضوع تغيير المجتمعات له مقام الصدارة في بحوث هذا العصر. ويعتبر الشيوعيون أنفسهم أنهم أبو عُذرة هذه الفكرة، وعلى أساسها يطلقون على أنفسهم مفهوم التقدمية ويَعِيْبُون فَهم كُل البشرية بأنه ميتافيزيقي رجعي طوباوي، معتبرين أن غيرهم يسلب نفسه القدرة على تغيير التاريخ.

وقد لخصوا تاريخ المعرفة البشرية في مقدمة الديالكتيك، واعتبروا، أن ماركس وانجلس بيَّنا: أن الفلاسفة فسروا العالم بينما المهم تغييره.

وفي كتاب « الناس والعلم والمجتمع » الذي ألفه ستة من علماء الروس، جاء في هذا لكتاب جواب عن التساؤل التالي: « ما هو دور الناس في مجرى التاريخ ؟ فهل الضرورة (الحتمية) التاريخية شبيهة بقدر الآلهة، ففيم العمل إذن ؟ وهل أحدنا يناضل لكي يأتي الربيع والصيف ؟ إن قانون التاريخ غير قانون الطبيعة، حيث تشق الطريق بواسطة نشاط الناس. وقوانين التاريخ لا تعمل أتوماتيكياً، وأن الناس هم الذين يصنعون تاريخهم بنشاط الناس الذين يعون بدرجة متفاوتة من الوضوح حاجات التطور الاجتماعي المختمرة … » صفحة 69. وفي صفحة 87 من نفس الكتاب: « إن الماركسية بكشفها عن قوانين التطور الاجتماعي، وإعطائها صورة علمية عن العالم تحولت إلى سلاحٍ روحي للبروليتاريا ».

وفي الديالكتيك: « في المزية الثالثة للفلسفة الماركسية: كما أمكن معرفةُ قوانين تطور الطبيعة، يمكن معرفة قوانين تطور المجتمع، ولها دلالة موضوعية. وبالتالي رغم تعقد حوادث الحياة الاجتماعية وتشابكها من الممكن أن يصبح علماً فيه من الدقة ما في البيولوجيا. وقادراً على استخدام قوانين التطور الاجتماعي في تطبيقات علمية، وبالتالي تصبح الاشتراكية علماً»(1).

الاهتداء إلى سنن المجتمع لا علاقة له بنفي الإيمان بالدين

هذه الميزة التي رأوها لأنفسهم. وجدوها حجة كافية انبذ كل فكرة إيمانية على الإطلاق كما قالوا في الديالكتيك: « إذا كانت الطبيعة هي وحدها القادرة على إعطائنا الحقيقة الموضوعية، أصبح من الواجب نبذ كل نظريةٍ إيمانية على الإطلاق ».

وإذا تذكرنا ما سبق أن ذكرناه، من أننا حين نتعلم كيف نقرأ آيات الله في الآفاق والأنفس، لم يعد هناك ما يجعلنا نخاف على آيات الله في الكتاب، لأن آيات الآفاق والأنفس ستبين أن آيات الكتاب هي الحق.


وكذلك إذا تذكرنا أن علينا أن لا نبخس الناس أشياءهم، وأن الحكمة لا تضر من أي وعاء خرجت، فإن الاعتراف بجانب الصواب الذي في النظرية الماركسية لا يضرنا شيئاً. ولكن رفضنا جانب الصواب بسبب جانب الكفر الذي عندهم لا نكون مصيبين.

وحين يقول الماركسي: إن دراسة التاريخ الاجتماعي أصبحت علماً، ينبغي أن لا نقول له أخطأت، بل نقول له هذا حق، وإذا اعتبر أن مظاهر الطبيعة قادرة على إعطائنا حقائق موضوعية، علينا أن نراه تقريراً بأن آيات الآفاق تعطي حقائق موضوعية. ونزيدُ له أيضاً بأن آيات الأنفس كذلك تعطي حقائق موضوعية.

ولكن حين يصل من أقواله هذه إلى القول بأنه: « أصبح بناءً على ذلك. من الواجب نبذ كل نظرية إيمانية على الإطلاق ».

هنا نقول له: إن هذه النتيجة من تلك المقدمة، هي الفكرة الطوباوية الناشئة عن الكراهية والعاطفة، لا عن الدراسة الموضوعية.

والواقع أن الأمر كما قال العقاد: عن مؤمني وملاحدة القرن السابع عشر من أن كلا الطرفين كانا يصلان من مقدمة واحدة إلى نتيجة واحدة ؛ المقدمة هي: إذا ثبت أن الأرض تدور. النتيجة: لم تعد حاجة إلى الله.

كان كلا الفريقين: الملحد والمسيحي يصلان إلى هذه النتيجة من تلك المقدمة. ولكن لم يكن يخطر في بال الطرفين إمكان أن تدورُ الأرض ولا يلزمُ من ذلك نفيُ الإيمان.

وكذلك الأمر الآن في النظرية الماركسية، من إثبات سنن الاجتماع، فإذا اهتدوا إلى سنن وآيات في سير المجتمعات، كم اهتدى قبلهم علماءُ الفلك إلى سُنن سَير الأجرام، فإن ذلك لا علاقة له بنفي الإيمان. كما قال أبو حامدٍ الغزَّاليُّ في كتابه المنقذُ من الضلال:

« فإذا عَلٍمْتُ أن العشرة أكثرُ من الثلاثة. فلو قال لي قائل: لا بل الثلاثةُ أكثرُ بدليل أني أقبلُ هذه العصا ثعبانا، وقلبها وشاهدت ذلك منه، لم أشكّ بسببه في معرفتي، ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه، فأما الشك فيما علمته فلا ».

وكذلك اليوم حين تبرز الأدلة على إمكان تغيير المجتمع باتخاذ الأساليب العلمية، ويصلون من ذلك إلى نفي الإيمان، علينا أن لا يثيرنا هذا …….. ولكن علينا أن نتأمل السنن التي يستخدمونها في تسخير المجتمع لهدفهم الذي اتخذوه. ونحن في هذه الحالة نكون حصلنا المناعة الني نحن في حاجة إليها..

ولكن قبل هذا وذاك علينا أن نتعلم كيف نتعامل مع آيات الله في الآفاق والأنفس. وبدون هذا فسنظل نَعْمَهُ في غيِّنا. ونتنازع في: هل هو ملكٌ أو شيطانٌ ؟