مدخل كتاب حتى يغيروا

من Jawdat Said

اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

حتى يغيروا ما بأنفسهم


Change.gif
تحميل الكتاب
مقدمة مالك بن نبي
مدخل كتاب حتى يغيروا
سنة عامة للبشر
سنة مجتمع لا سنة فرد
سنة دنيوية لا أخروية
في الآية تغييران
مجال كل من التغييرين
الجانب المهم هو التغيير الذي يقوم به القوم
ما بالقوم نتيجة لما بالنفس
لتحقيق التغيير لا بد من تغييرين
مفهوم التغيير عند الآخرين
علم النفس الفردي والاجتماعي
العلاقة بين سلوك الإنسان وما بنفسه
ما بالنفس يتفاوت في الرسوخ
كيف تلقى السنن القبول عند المسلمين
العقل والسنن في القرآن
الفعل والانفعال
المنهج والتطبيق


في شباب العالم الإسلامي من عندَهُم استعدادٌ لبذل أنفسهم وأموالهم في سبيل الإسلام، ولكن قل أن تجد فيهم من يتقدم ليبذل سنين من عمره ليقضيها في دراسة جادة، ليُنضِجً موضوعاً، أو يصل به إلى تجلية حقيقية،

الشباب المسلم والدراسة الجادة

في شباب العالم الإسلامي من عندَهُم استعدادٌ لبذل أنفسهم وأموالهم في سبيل الإسلام، ولكن قل أن تجد فيهم من يتقدم ليبذل سنين من عمره ليقضيها في دراسة جادة، ليُنضِجً موضوعاً، أو يصل به إلى تجلية حقيقية، مثلاً كمشكلة الانفصال الذي يعيشه المسلم بين سلوكه وعقيدته، إذ كثير من الأسئلة التي تطرح، ولا جواب شافياً لها، من أنه لا يمكن التغيير من وضع إلى وضع، إلا بعد إجابة موضوعية عن هذه الأسئلة، ولا يمكن ذلك إلا بعد الدرس والتحصيل.

والسبب في بطء نُموه دراسات من هذا النوع، هو أنه لم تكشف بعدُ قيمة الدراسة في الوسط الإسلامي، الذي ظل وقتاً طويلاً يرى ؛ السيف أصدق أنباء من الكتب، ولم يكن اتجاهه إلى أن الرأي قبل شجاعة الشجعان.

وظلت هذه الآراء المختلطة، في ظلمات بعضها فوق بعض. ولم يروا العلاقة الصحيحة بينهما ولا الترتيب الطبيعي لها.

كما لم تُدرس بعدُ في العالم الإسلامي شروط الإيمان، وليس معنى هذا أنهم لم يحفظوا أركان الإيمان والإسلام، ولكن نعني بشروط الإيمان ؛ الشروط النفسية، أي ما يجب تغييره مما بالنفس، لأن هذا التغيير هو الذي ينتج ثمرات الإيمان، أي شروط مطابقة العمل مع العقيدة، وموانع إعطاء العقيدة ثمراتها.

وإلى الآن يُنظر إلى بذل المال وبذل النفس، على أنها أعلى المراتب، دون مراعاة ما يجعل بذل المال والنفس مجدياً. إذ ليس الأمرُ مجرد بذلٍ وكفى، لأن البذل لا يعطي نتائجه إلا بشروطه الفنية.

إن هذا النظر، يساعد على إمكان أن يبذل الشاب المسلم ماله ونفسه، بينما لا يتيسر له حبسُ نفسه، على بذل الجهد المتواصل للدرس والفهم.

وهناك سبباً آخر، وهو أن بذل المال وبذل النفس، يمكن أن يتم في لحظة حمس وتوتر، ولكن طلب العلم لا يتم في لحظة حماس، وإنما في جهد متواصل، يحتاج لنوع من الوعي كوقودٍ، يجعل الاستمرار ممكناً.

نعم: كثير من الشباب، في لحظةٍ من لحظات الحماس، بيدؤون أعمالاً ودراسات في مواضيع مختلفةً، ولكن بعد جلسة، أو جلستين، أو أكثر من ذلك، يفترُ الحماسُ، وينزل الملل، ثم ينقطع ما بدأ من عمل، كما ينطفئ المصباح حين يفقد وَقُوْدَهُ.

فلابد من درس هذه النظرات المعوقة، وكشف عوامل الغفلة عن الدراسة، أو الانقطاع عنها بعد البدء، لأن ذلك يحدث ضمن شروط معنية دقيقة، تخفى عن النظرات العجلى.

وكذلك من الأمور الخفية الجلية معاً، على شباب العالم الإسلامي، خفاءُ ما يجعل مثل إنتاج، المودودي، وسيد قطب، وإقبال، وغيرهم من الكتاب، الذين يوصي المربون بدراسة إنتاجهم الفكري – والتي على أساسها يُعرض الإسلام مجدداً – ما جعل هذا الإنتاج، ينال هذه الخطوة والتقدير، هو أن وراء هذا الإنتاج، نوعاً من الدراسة والاطلاع، الذي تجاوز المصادر التي تعود عليها الموجهون التقليديون، مع ما يصحب هذه الدراسة من السير في الأرض، ورؤية هذا العالم المعاصر الذي نعيش فيه ونتأثر به. وليس الذي جعل إنتاج هؤلاء في هذا المقام، لأنهم كتبوا حاشية، أو تقريراً، أو متناً للفقه التقليدي، وإنما لأنهم طرقوا شيئاً جديداً، ليس في الأسلوب فقط، بل بما يمس الواقع المتجدد، بل ولأنهم رأوا من آيات الآفاق والأنفس ما شهدت لآيات الكتاب، مما لم يتيسر لغيرهم.

ولكن المشكلة ؛ أن لا نرى بدقة، السبب الذي جعل في كتاباتهم إبداعاً جديداً، وهو، هذا الاطلاع والدرس الذي حصلوه. ونحن، إذا كنا نريد أن ننمي هذا الاتجاه، علينا أن نعرف، من أين جاءهم ما امتازوا به، لا أن نقف عند إنتاجهم.

وقد لا يُلاحظ من كتاباتهم، ما يعطي لهم هذه السمة التي يمتازون بها، وقد يكون من أسباب خفاء ذلك – مع تفاوت درجة الخفاء – طمأنة القارئ بالأصالة. إلا أن الحق بذاته، أينما كان، له أصالته الخاصة التي تعلو كل أصالة.

وكذلك من المفارقات، أن نتطلع بشوق إلى تغيير الواقع، دون أن يخطر في بالنا، أن ذلك لن يتم، إلا إذا حدث التغيير قبل ذلك، بما بالأنفس. ونحن مطمئنون إلى ما بأنفسنا، ولا نشعر أن كثيراً مما فيها، هو الذي يعطي حق البقاء لهذا الواقع الذي نريدُ أن يزول، ونحن نشعرُ بثقلِ وطأتهِ علينا، ولكن لا نشعرُ بمقدار ما يساهم، ما في أنفسنا، لدوامه واستمراره.

فهذا ما يريد القرآن أم يعلَّمهُ للبشر، في تفسير ما يحل بهم، حين يلحُّ في إظهار: أن مردَّ المشكلة، إلى ما بالنفس، وليس من الظلم الذي يحيق بالإنسان من الخارج، بل، من الظلم الذي يُنز له الإنسان بنفسه. وهذا هو لبُّ التاريخ، وسنة الاجتماع، الذي يقرره القرآن، وبإغفاله تُظلم الحياة، وتنشأ الفلسفات المتشائمة الخانعة، أو الفلسفات المتسلطة المارقة.

للعقل موقفان إزاء المشكلات

ومن أكبر الظلم الذي ينزل الإنسان بنفسه، أن لا يرى العلاقة التسخيرية، الموجودة بين الإنسان والكون والمجتمع «الآفاق والأنفس»، فيهمل نفسه، ولا يضعها في المكان الذي يُسخرُ الآفاق والأنفس على أساس السنن المودعة فيهما، وبناءً على هذا يمكن أن نقول:

إن العقل يمكن أن يتخذ أحد موقفين إزاء المشاكل؛ إما أن يفرض فيها أنها تخضع لقوانين، وبالتالي يمكن أن تخضع المشكلة للسيطرة عليها وتسخيرها، وإما أن يفرض فيها أنها لا تخضع لقوانين، أو لا يمكن كشف قوانينها. وبين هذين الموقفين، مواقف متعددة، يتفاوت فيها القرب من أحدهما والبعد من الآخر.

إن لكلٍ من الفرضيتين نتائج عملية، تظهر في مواقف البشر وسلوكهم، بصور متفاوتة، على حسب الخضوع لأحد الموقفين.

وعجز المسلمين أن يعيشوا وفقاً للعقيدة الإسلامية، مشكلة لا يجتاح إثباتها إلى بذل جهد كبير.

ولكن بعد التسليم بأنها مشكلة، يبقى أن يظهر: أي الموقفين يتخذ المسلمون لإزاءها؟ هل يتخذون الموقف الأول؟ بأن يفرضوا وجود قوانين تخضع لها المشكلة، وبكشفها يمكن السيطرة عليها وتسخيرها؟ أم يعتقدون أن المشكلة لا تخضع لقوانين يمكن أن يكشفها الإنسان، وبالتالي لا جدوى من جهد الإنسان للبحث عن هذه القوانين، لا القوانين التي تخضع لها المشكلة، حسب اعتقاد البعض، « تعمل في حياة البشر بطريقة سحرية خارقة، غامضة الأسباب».

إن طرح هذا الموضوع بصيغة تجعله تحت وعي المسلم، يفيده لأن يحدد عن وعي موقفه من المشكلة، ويخرج من الموقف الغامض الذي يتخذه. وفي أحيان كثيرة، يختلط الموقفان بصورة مشوشة في ذهنه، بحيث يشل أحدهما مفعول الآخر، فيبقى الموضوع في غموض وشلل.

إن لسلامة النظرية، أثراً هاماً في الوصول إلى الحل، بل يتوقف الحل، على صحتها ومقدار وضوحها.

وهدفي من هذا البحث، هو محاولة إلقاء أضواءٍ على الموضوع، نعتقد أن تكون لصالح الموقف الأول. مع إدراكنا ضآلة ما نسهم به.

إن المسلم حين يسأل – ويلح في سؤال لا يمل من طرحه، كأنه اللازمة التي يرددها في مطلع وخاتمة كل بحث وحديث – عن المشكلة: ماذا علينا أن نعمل؟

إنه حين يسأل هذا السؤال، يحمل معه ضمناً، موقفاً غامضاً عن موقفي العقل إزاء المشاكل. فهو لم يحدد بعد بوضوح، عقيدته الموقفية. هل يعتقد أن المشكلة لها سنن؟ وهل يمكن كشفها؟ وهل يمكن على أساسها السيطرة على المشكلة وتسخيرها بجهد الإنسان؟

إننا لا نتحدث عن الذين يجيبون سلباً عن هذه الأسئلة، مع اعترافنا بوجودهم، وأنهم يمثلون مركز الثقل في المشكلة، وهم عامة الأمة، الذين ينتظرون المهدي أو أشراط الساعة، وقد رسخ في أذهانهم أن المشكلة: ليس لها من دون الله كاشفة، وأن سعي العالمين ضلال.

ليس حديثنا عن هؤلاء، وإنما عن الذين خرجوا من هذه الحال، ولم يُثبتوا أقدامهم بعد، ولا يجيبون عن تلك الأسئلة بالسلب، مهما تفاوت ما يحمل الجواب من معنى الإيجابية.

إن الذين لا يرون أن للمشكلة قوانين، أو يفرضون لها تفاسير خاطئة، لا يمكن أن يصلوا إلى نتائج. فعدم اعترافهم بالقانون لا ينفي القانون ؛ وإنما يمنعهم من السيطرة عليه وتسخيره، ويجعل منهم أداة يلعب بها الآخرون الذين علموا القوانين الصحيحة.

معرفة القانون تمنح قدرة تسخيرية

إن القدرة التسخيرية التي يمنحها امتلاك ناصية القانون، تتبين بمقارنة المشكلة في مجالين:

المجال الأول:

مجال القوانين التي يخضع لها الكائن الحي، والموقف الذي يتخذه من يعرف هذه القوانين ويسيطر عليها، إزاء مشكلة اختلال توازن الكائن الحي. إن الطب، بما وصل إليه في كشف قوانين الصحة والمرض العضوي للكائن الحي، مكَّن الطبيب من السيطرة بواسطة هذه القوانين وتسخيرها، فالذي يعلم هذه القوانين يمكِنُه، باستخدام وسائل مختلفة، من مقاييس الضغط، والحرارة، والنبض، والتنفس، ومختلف التحاليل، التي يكشف بها مقدار الخلل الذي حدث في الجسم من النقص أو الزيادة في النسب التي تحفظ توازن الكائن الحي، هذا التناسب الذي يجعله سليماً معافى. إن من يعرف ذلك، يمكن أن يتخذ إزاء هذا المرض إجراءات فورية، في الدواء والغذاء والعمل، وأخرى مرحلية لإعادة التوازن إليه. إن الذي يمكن أن يقوم بمثل هذا العمل هو من يعرف القوانين التي تخضع لها سلامة الكائن الحي. بينما إنسان آخر لا يعرف هذه القوانين، ولا كيفية التدخل لإعادة التوازن، فهو ينظر إلى المريض ويرى آثار المرض، من الآلام والعجز عن الحركة، وعن القيام بمهمات الحياة اليومية، بينما يرى هذه الآثار واضحة مؤلمة، لا يستطيع أن يتدخل فيها، ولا يمكنه أن يدرك مقدار الخطورة ولا الوسائل القريبة أو البعيدة التي ستنفذ هذا المريض أو تحطمه، إنما يملك فقط، أن يذرف الدمع بغزارة على آلام من يحب … وهذا واضح في واقع الحياة.

المجال الثاني:

فإذا انتقلنا من هذا المجال، الذي ربما كان إدراكه أقرب مثلاً، إلى المجال الثاني الذي يتصل بالمشكلة التي نبحثها، مشكلة المجتمع الذي تبدو عليه آثار المرض الاجتماعي ؛ من الانحلال، والتنازع والتدابر، والعجز عن القيام بالواجبات الاجتماعية المشتركة، ظهر لنا أن الجسم الاجتماعي، أو كيان الأمة، يخضع لقوانين يمكن كشفها وتسخيرها لصالح المجتمع. وقد قلنا سابقاً، إن مشكلة عجز المجتمع عن أن يعيش وفقاً لعقيدته لا تحتاج لإثبات. وعلامة المرض الاجتماعي ظاهرة عليه يراها كل فرد، كما يرى آثار المرض الجسمي على المريض، ولكن لا يعرف القوانين التي يخضع لها المرض في كلا المستويين إلا الأخصائيون.

لهذا نرى غالب الناس، يشكون من انحلال قوى المجتمع، وعجزه عن القيام بمهمته، كما يمكن أن يرى كل فرد علائم تدهور الصحة في لون البشرة، وامتعاضات الألم. والناس وإن كانوا يسعون عند الإصابة بالأمراض العضوية إلى الأطباء، إلا أنهم لا يجدون بالمقابل أطباء أمراض المجتمع، الذين يمكن اللجوء إليهم للقيام بالمعالجة، على أنهم إن وجدوا، فقدرتهم على المعالجة، كقدرة أطباء المرض الجسمي قبل كشف قوانين الأمراض، الذين إن لجأ إليهم المريض فلن يجد فائدة عندهم.

إن هذه المشكلة، هي الداء الذي أعيا الطبيب المداوي، لا لأن الداء غير قابل للشفاء، وإنما المداوي هو الذي أعياه أن يعلم القوانين التي تسيطر على سلامة المجتمع … ومن ثم ينسبون المرض إلى القضاء والقدر، كشأنهم في كل الأمور التي لا يعرفون سننها. بينما لا فرق في خضوع كل المشاكل للقضاء والقدر، سواء عُرفت أسبابها أم لم تُعرف.

إن هذا الخلط في هذه الأمور، هو الذي جعل قول المعري كالمثل السائر:

كم عالمٍ عالمٍ تلقه مفتقراً وجاهلٍ جاهلٍ تلقاه مرزوقاً

هذا الذي ترك الأفهامَ حائرة وصيرَّ العالمَ النحرير زنديقاً

ولا شك، أن تركيب المجتمع، وغنى فئة فيه وافتقار أخرى، أمور خاضعة لقوانين وسنن اجتماعية، إذا خفيت عن عيني الإنسان اشتبهت عليه الأمور، وتداخلت في ذهنه المشكلات، وظن أن القضية فوضى لا ضابط لها، ولا عدل فيها، ولا تصدر عن حكيم عليم، فيكون ذلك سبباً لهرطقة وزندقة من نَظُنُّهُ عالماً نحريراً.

إن الذي عرف قوانين المجتمع، يمكن أن يستخدم وسائل مختلفة لقياس صلابة المجتمع، وسلامة شبكة علاقاته، كما يمكن أن يستعين بمختلف التحاليل التي يجريها على الأحكام التي يصدرها المجتمع على تفسير الأحداث، ليحدد نوع الخلل الذي يعانيه المجتمع. إن الخبير بسنن المجتمعات، يمكن لن يدرك، ويتخذ إجراءات في تغيير نظرات المجتمع، ويفرض نظام الحمية، على الأغذية الفكرية التي يتناولها، لما تحمل هذه الأغذية من جراثيم فكرية تعطل قوى المجتمع وتماسكه. وكما يمكن استخدام الحجر الصحي لإيقاف الأوبئة في مستوى المرض الصحي، يمكن استخدامه في مستوى المرض الاجتماعي. كما يمكن إعطاء اللقاحات والمناعات الفكرية ضد أفكار مرضية.

فإن ما يُرى، من تدابر المجتمع، وعجزه عن التعاون في أصعب الظروف، واتهام أفراده بعضهم بعضاً بأنواع التهم، وبحث الكبار فيه عمن يحمل عنهم وزر فشلهم، وعدم شعورهم بوخز الضمير حين يتخلفون عن أداء الواجب.. والكسل الذي يعم الجميع عن السعي لزيادة المعرفة، والإعراض عن الاستفادة من أحداث التاريخ ؛ كل هذه أمراض اجتماعية، لا تقل خطورة عن الأمراض العضوية، التي تصيب أجسام البشر. إن هذه الأمراض العضوية، تصيب عقول الناس فتعطلها، وعواطفهم فتلبدها. ومصدر تلك الأخطار، البيئة الملوثة بالأمراض الفكرية المتوطنة، القديمة منها والطارئة.

إن القرآن الكريم، يذكر المرض في القلب في عدة مواضع، ولكن لا يذكره على أساس أنه مرض عضوي في جسم الفرد، وإنما على أساس أنه مرض اجتماعي في نفس المجتمع. وحين يذكر مرض القلب، لا يعني به ما يمكن أن يصاب به من روماتيزم، أو تسارع، أو انسداد الشريان الذي يغذي القلب، مما يحدث الموت المفاجئ بالسكتة القلبية، وإنما يقصد القرآن بمرض القلب ؛ مرضاً « فكرياً » يصيب الإنسان في علاقته بالمثل الأعلى، مما يجعل الجسم عاجزاً عن مواجهة أي عمل يتطلب جهداً، كذلك الضعف الذي يصيب مراكز الفكر في المجتمع، يجعله لا يقوى على مواجهة أية مشكلة تتطلب بسطة في العلم والجسم.

والآن: إن معنى القانون والتسخير، الذي يمكن إدراكه في مستوى سلامة الجسد، يجب أن ينتقل إلى مستوى سلامة المجتمع.

ويقول الكاتب الجزائري مالك بن نبي، في هذا الموضوع في مستوى الآلة المادية: (فقد تعودنا بالنسبة إلى الآلة على الواقع القائم في أن عمله لا يمكنه أن يتحقق إذا نقصتها (حزقة) أو صامولة. ولكننا لم نُقرَّ في أذهاننا نفس القاعدة بالنسبة إلى العمل البشري، بينما يبدو جيداً في حالات معينة. أن الإنسان تنقصه هذه الصامولة (الحزقة) بالذات حيثما فقد نشاطه، تَمكُّنه من الأشياء، فكان نشاطاً رخواً، آو هو لا يندمج بطريقة منتظمة مع النشاط المشترك للجماهير)(1).

هذا التشبيه، يسوقه الأستاذ مالك ليوضح فيه، أن النشاط البشري يخضع للسنن، وأن اختلفت هذه السنن عن سنن الآلة المادية. وهو تشبيه آخر يعضد تشبيهنا المجتمع بالكائن الحي من حيث سنن مرضِهِ، وسنن شفائِه. وأحب الآن أن أذكر أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع لنبين أن هذا التشبيه ليس من بِدَعِ العصر الحاضر.

بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، ما كان أحرصه على المسلمين وأرأفه بهم، حين كان يبدئ ويعيد لُيِقرَّ في الأذهان، التشابه بين المادة والحياة والمجتمع، من حيث خضوع كلٍ منها للسنن ؛ في السنن التي تفسر تماسك الجسم الصلب، والسنن التي تبقي الكائن الحي في الوضع السليم، والسنن التي تحمي المجتمع من الانحلال. فيذكر عليه الصلاة والسلام المثل المادي، ويقرن به المثل الاجتماعي ثم يذكر المثل العضوي فيشبه به العلاقة الاجتماعية.

يقول صلى الله عليه وسلم في التشبيه الأول: « أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضا. ثم شبك بين أصابعه ».

ويقول في التشبيه الثاني: « ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضواً تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى »(1).

معرفة سنن المجتمع وقيمتها في تغييره

إن معرفة السنن التي تشد البنيان بعضه إلى بعض، هي التي تمكن من بناءٍ يبقى على مر الزمن. إن مهندس البناء هو الذي يعرف مقدار التماسك لكل مادة وطاقة تَحَمُّلِها، وكذلك يعرف ما يحتاج بناء الجسور والأنفاق والأبراج … إذ لا يمكن أن يقوم بناءٌ بناهُ من يجهل سنن تماسك البنيان، وقوانين الضغط، والمقاومة. فكما يمكن لمهندس البناء أن يعرف خطورة نوع التداعي الذي أصاب البناء، ويمكن أن يعرف أسبابه وما ينبغي أن يقوم به من إصلاح، كذلك مهندس بناء المجتمع، إذا نظر إلى المجتمع فإنه يعرف ما يتمتع به المجتمع من تماسك، وما يطرأ عليه من خلل، وما يتعرض له إذا استمر إهماله من خطر السقوط في أجل محدود:

« لكل أمةِ أجلٌ إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون » يونس – 49.

هذه المقارنة إنما تهدف لتقريب الموضوع، وهذه طريقة القرآن الكريم والحديث فإنهما يذكران المثل المعروف عند الناس ليقارنا لهم ما جهلوه سبيه بما عرفوا سننه من حيث الخضوع للسنن:

« وتلك الأمثال نضربها للناس، وما يعقلها إلا العالمون » العنكبوت – 43.

والرسول صلى الله عليه وسلم، يضرب مثلاً آخر تمتزج فيه السنَّة المادية بالسنَّة الاجتماعية، في مثل السفينة وركابها، وعلاقة سنن المركب بسنن المادة تارة، وبسنن البشر تارة أخرى. هذا المثل يذكره الرسول صلى الله عليه وسلم ليبين أن للمجتمع قانوناً يترابط به ليحميه من الغرق.

من السهل إمكان إدراك نتائج الخرق الذي يحدث للسفينة، ولكن ليس بمثل هذه السهولة إمكان إدراك نوع الخرق الذي يحدث للمجتمع. إن هذا علم، وأي علم! وبمقدار ما هو علم، أنه ظن، وأي ظن عندنا نحن الآن، كما يقول إقبال:

كل شيء فيه قانون سرى كيف في هذي المعاني يمترى

ولئن ذهب وقت المعجزات، إلا أن العلم قد تقدم لخدمة الإنسان، ولو علمنا نحن المسلمين كيف نستفيد من العلم في خدمة إيماننا لأدركنا، أن نتائج استخدام العلم أجدى من وصفنا الإسلام أنه دين العلم، لاسيما أننا بعد ذلك لا نثق بالعلم بل نخاف منه، بل نتهمه.

ولو عرفنا التعامل مع العلم لوجدنا أنه يدعم ما نهدف إليه بأسلوب أرقى، ونتائج أنفع من الحرص الطفولي لرفع شأن الإسلام. إن الغيورين يبكون على الإسلام الذي أخذ أهله ينحسرون عنه، كما يبكي المحب الجاهل على المريض الذي أشيد عليه وطأة المرض، ذلك أن الله ما أنزل من داء إلا وأنزل له دواءً، وما يقال في مجال أمراض الجسم يقال في مرض النفس ومرض المجتمع.

علينا أن نتعلم ما العلم؟ حتى نميز ما هو علم مما ليس بعلم بدلاً من أن نقول إن العلم لا يوثق به. ولكن الطريق التي توُصلنا إلى ما نميز به العلم عن غير العلم أصعب مسلكاً. وقولنا عن العلم إنه لا يوثق به أسهل كلفة ولا يحوجنا إلى عناء، ولكن نتيجة هذا السهل صعبة، ونتيجة ذلك الصعب أقوم سبيلا.

إن اعتناق الموقف الأول من المشاكل يعطي نتائج معينة، ويتدخل في سلوك الإنسان. إن من يعلم أن المشاكل خاضعة للسنن، ويمكن كشفها، تسم سلوكه بالإيجابية والإقبال على العمل بجد، بينما يظل الآخر الذي أنكر أو جهل السنن في حيرة، وإذا بدأ يعمل، يمكن أن يتركه في منتصف الطريق، ويمكن أن يصرفه عنه أي صارف تافه، ويسهل عليه ذلك، لأنه لا يشعر أنه ترك أمراً يتوقف حلُّ المشكلة عليه، فهو لم يتعود حل المشاكل وإنما يراها معلقة ومُزمنة. وكلما تعود الإنسان التعامل مع السنن، ازداد ثقة وطمأنينة.

والإنسان الذي يواجه مشكلة، ويعتقد بإمكان حلها، هو إنسان يؤمن بالتغيير. والتغيير هو انتقال من حالة لا يرضى عنها إلى أخرى خيرٍ منها، وهذا الانتقال، يخضع لقانون يتخذ علاقة بين الهدف والوسيلة، وطاقة الإنسان. وبين هذه الأركان توازن. ويجدر بنا أن نطبق هذه القاعدة على المجتمع الإسلامي، متذكرين، أن هدف الإنسان في هذا المجتمع استئناف حياة إسلامية، ووسيلته كل ما يمكن أن يصل إليه فكره ويده.

إن العلاقة بين هذه الأركان تخضع لاعتبارات متعددة تقربها من الواقع أو تبعدها عنه. فلابد من كشف هذه الاعتبارات، وجميع أعمال البشر تخضع لهذا القانون، من أدنى ما يسعى إليه الفرد في نشاطه اليومي، إلى مستوى إقامة المجتمع الصالح الموحد في العالم كله.

العقل المتبصر لا يرى غموضاً في الأسباب

ومن الاعتبارات التي تفسد العلاقة، ظن أن النجاح فيه يخضع لقوانين « تعمل في حياة البشر بطريقة سحرية خارقة غامضة الأسباب » كما يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في كتابه (هذا الدين). إن مثل هذه النظرة تفسد العلاقة بين الأركان المذكورة آنفاً. هذا اعتبار معوق يتعلق بنظرة الإنسان إلى نفسه نظرة سلبية، وكذلك فيما يتعلق بالوسيلة التي تمكنه من الانتقال من الموجود إلى المقصود، فإن المسلم يقع في متاهة حين يريد الانتقال، فلا يبصر تعلق الموجود بالمقصود، ولا يرى أن الموجود هو الذي يول إلى المقصود، فهو يحقِرُ الوسيلة الموجودة ويضع من قيمتها، وأما الوسيلة التي يتوق إليها، ويرى لها الفائدة والجدوى فإنه لا يتمكن منها(1)، فالموجود غير مفيد في نظره، والمفيد غير متوفر لديه. إذن لا فائدة من العمل فيما لا يفيد أو فيما هو غير متيسر. ولذا فهو في إجازة مفتوحة حتى تتدخل القوى الخارقة الغامضة الأسباب. بينما العقل المتبصر لم يعد يرى غموضاً في الأسباب حتى في مستوى إنزال الملائكة للتأييد والنصر، إنه يخضع لقانون وسبب واضح وهو اتخاذ الرب إلهاً والاستقامة منهجاً:

« إن الذين قالوا برنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألاَّ تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة … » فصلت –30.

إن النظرات الخاطئة التي تعرقل الحركة، وتوقف السير ليست كبيرة ضخمة، ولكنها دقيقة لا يقف الفكر عندها، بل يتجاوزها قفزاً دون أن يلمحها، ولكن هذه الغفلة اليسيرة توقف سير التاريخ، كما يقول محمد إقبال:

لحظةً يا صاحبي إن تَغْفُلِ ألفَ ميلٍ زاد بُعدُ المنزلِ

فالإنسان يتجاوز الخطأ الدقيق في حركته المهتاجة الشغوفة إلى الهدف، ولكن الصدمة تكون محيرة إلى درجة كبيرة، مما تجعل الصفوة تقابل مثل هذا الموقف بقولهم: (أنَّى هذا؟) آل عمران – 165 -.

فكما لم يلاحظ الإنسان الشروط الدقيقة الواضحة والخفية بآن واحد، أثناء هجمته، فكذلك يعجز أن يلاحظها في مأساة تحطمه بعد أن يُخفق، فلا يظن أن ذلك الذي لم يلمحه هو سبب هذا التحطم الشديد، أو البعد الكبير عن الهدف.

إن السلوك الذي ينتج عن مثل هذه الخبرات، حين يفقد مراعاة السنن ؛ سلوك يتسم بالحذر والحيرة، وعدم الثقة، والعجز مع الحقد، بينما إدراك سنن الانتقال من الموجود إلى المقصود بصورة محددة، يقي الإنسان من هذه المضاعفات، فلا يجعله يظن بنفسه ما لم يؤهلها له، ولا يحاول أن يستر عجزه، وإنما يسعى بكل جد إلى استكمال ما ينقصه.

واليوم حين أعرض هذا البحث في مشكلة التغيير من خلال قوله تعالى:

« إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » الرعد – 11 -.

أكتب وأنا معتقد أن إدراك المسلم لهذه القضايا، يجعله يقبل على ما بين يديه من وسيلة موجودة بكل صبر وجد واستمرار، دون أن يتمكن أحدٌ أن يصرفه عن غايته، لأنه يعرف ماذا يعمل، وأين يؤدي عمله. وكلما اكتسب من سعيه موجوداً جديداً لم يكن عنده، زادت طمأنينته، وخرج من الحيرة التي يعيش فيها، حيث كان ينتقل من سراب إلى سراب، ويقضي شبابه في هذه الحركة، التي تشبه حركته من أصابته لوثة، ثم يركد ساكناً بعد أن يئس دون أن يكون قد خطر في باله أن الدراسة الصابرة تفتح أبواباً للعمل لا ينتبه إليها عادة. ويقول في هذا الأستاذ مالك بن نبي:

« وبعض المسلمين الذين ما زالوا يحسون بقلوبهم بالمأساة، ولكن ليس لديهم ما يكفي من الصبر والأناة لدراستها، هؤلاء يترجمون دائماً عن المأساة قائلين: (إننا لم نعد مسلمين إلا بشهادة الميلاد. إنهم ليقررون حقيقة، ولكن ربما فعلوا شيئاً أكثر فائدة لو أنهم لاحظوا ملاحظات أولية في وسطنا »(1).

أنا أعتقد أنه إذا أدرك المسلم سنن المشاكل سيخرج من هذا الإدراك بالسلوك الجاد بدل التشتت الذي يعيشه.