ما بالقوم نتيجة لما بالنفس

من Jawdat Said

اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

حتى يغيروا ما بأنفسهم


Change.gif
تحميل الكتاب
مقدمة مالك بن نبي
مدخل كتاب حتى يغيروا
سنة عامة للبشر
سنة مجتمع لا سنة فرد
سنة دنيوية لا أخروية
في الآية تغييران
مجال كل من التغييرين
الجانب المهم هو التغيير الذي يقوم به القوم
ما بالقوم نتيجة لما بالنفس
لتحقيق التغيير لا بد من تغييرين
مفهوم التغيير عند الآخرين
علم النفس الفردي والاجتماعي
العلاقة بين سلوك الإنسان وما بنفسه
ما بالنفس يتفاوت في الرسوخ
كيف تلقى السنن القبول عند المسلمين
العقل والسنن في القرآن
الفعل والانفعال
المنهج والتطبيق


تغيير ما بالقوم تابع لتغيير ما بالنفس

إن الله سيغير ما بالقوم حتما ً، إن هم غيروا ما بأنفسهم، سنَّة الله:

« فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً » فاطر - 43.

إذ أن هذا التغيير الذي يحدثه الله في القوم، من نوع التغيير الذي يحدثه الله من الحرق عند السقوط في النار، والغرق عند الرسوب في الماء.

وهنا وإن كنا ندخل في موضوع كلامي، لا حرج أن نبين أن علماء الكلام اختلفوا في: هل النار هي التي تحرق، أم أن الله تعالى يحدث الحرق عندها؟

وهل السكين هي التي تقطع أم أن الله يحدث القطع عند حز السكين؟ … الخ.

ليس المهم الآن بحث هذا الموضوع بهذا الشكل. وإنما المهم أن نعرف أن من سنَّة الله تعالى، أن جعل المادة القابلة للاحتراق تحترق حين تقع في النار، وأن يخلق الشبع عند تناول الطعام، والشفاء مع الدواء، والإنبات عند توفر الشروط للبذرة.

فصفات المادة من صنع الله تعالى، فصفة الذَّرة وصفة مركباتها، هذه الصفات والسنن من خلق الله. وهذه الصفات الموجودة في عالم الصغائر والمركبات الميتة منها والحية، كل هذه الصفات من صنع الله، الذي وضع لها سننا لا تتغير ولا تتبدل.

لا جدوى من بحث العلة في ارتباط النتائج بالأسباب وإنما في الكيفية التي ارتبطت بها

وليس من مهمة العلم والعقل أن يفهم العِلَّة في هذا، أي عِلَّة لماذا تشكل الماء مثلا من الهيدروجين والأوكسجين بالذات دون غيرها.

أن جدوى البحث في هذا المجال قليل، كما يظهر لنا. ولعل قوله تعالى:

« يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة … » القصص - 68 - إنما يتناول مثل هذا السؤال وما يشبهه.

الطب التجريبي: (فالعالم الذي سار بالتحليل التجريبي إلى الحتمية بالنسبة لظاهرة ما، لا جرم يرى في وضوح أنه يجهل هذه الظاهرة في علتها الأولى، وإن كان قد بسط سلطانه عليها. فهو يجهل الأداة التي تعمل وتتصرف، وإن يكن يستطيع الانتفاع بها » ص 85.

فالاتجاه إلى هذا الأمر في التفكير غير مجد. ولكن السؤال عن كيف؟

كيف نحصل على الماء؟ وكيف نصنع النار؟ وكيف نربي الإنسان ونعطي له أخلاقاً؟ وكيف ننشئ المجتمع الصالح؟ …

فهذه أسئلة مفيدة، لأن معرفة الإجابة عنها، تجعل للإنسان سلطاناً على الكون المسخر له. لهذا يأمرنا الله أن نسير في الأرض، وننظر كيف بدأ الخلق:

« قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بَدَأ الخَلْقَ » العنكبوت - 20 -.

لأن معرفة كيفية تكُّون الخلق تظهر سننه، ومعرفة هذه السنن، هي التي تعزز سلطان الإنسان على هذا الكون المسخر له.

وهنا سؤال ثالث هو: ما الغاية من الخلق؟

قد يتفاوت الناس في إدراك الحِكَمِ والأهداف، وهذا السؤال لا يقال عنه أنه لا جدوى منه، بل هو قصد أهل العلم والحكمة، وأن خفي ذلك على كثير منهم:

« يؤتي الِحكمَةَ من يشاء ومن يؤت الحكْمَةَ فقد أوتي خيراً كثيراً » البقرة - 269 -.

ليس من مهمة البشر خلق السنن، أنهم لا يقدرون على ذلك وإنما على البشر أن يكتشفوا هذه السنن، وأن يجتهدوا في البحث عنها شوقاً إلى كشفها والاستفادة منها، وأن يشكروا الخالق المنعم بها.

فهذه الصفة التي يثبتها الله تعالى للنفس، من إمكانية أن يغير الناس ما بهذه النفوس، هي من صنع الله ومن إلهامه. وتتولد من الأفكار التي يضعها البشر بالنفس، صفات تتعلق بالقوم، وهذه الصفات أيضاً من خلق الله تعالى، كالغنى والفقر والعزة والذلة …

فهذه الصفة الفريدة للنفس الإنسانية هي التي وصفها الله بقوله:

«ونفس وما سواها، فألهمها فُجُورها وتقواها، قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها» الشمس - 8،10.

إن الله ألهم النفس البشرية فجورها وتقواها، ولكن الإنسان هو الذي يزكي فيفلح، ويدسي فيخيب. فكما أن اجتماع الذرات المختلفة بنسب معينة يعطي مركبات خاصة مختلفة. كذلك فان اجتماع الأفكار المختلفة بنسب معينة، تعطي الإنسان والمجتمع مسلكية معينة متميزة.

ويجدر بنا في هذا المقام، أن نلفت النظر إلى أن الله جعل للإنسان سلطاناً على تغيير ما بالنفس، الذي هو مجال جهد الإنسان الذي نحن بصدد البحث عنه، والذي نريد أن نقيم الأدلة والبراهين عليه.

وفي الواقع إن الذي جهل هذه الحقيقة، ووضع في نفسه فكرة غامضة أو مخالفة لهذه الحقيقة، لا شك أنه يحل به الكسل والخمول، والعجز والجبن، وهذا ما كان يستعيذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم « اللهم إنَّي أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل » فهذا الدعاء، والتوجيه به إلى الله، يجعل الإنسان حذراً من أن تحدُثَ لديه أفكارٌ تنتج الكسل والخمول، فإن لم يحذر هذه الأفكار، فهو كمن يرفع يديه إلى السماء يقول: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وغذَّي بالحرام ».. فإن كان غذاء نفسه وعقله، من نوع الأفكار الجاهلية والخرافية التي تبطل جهد الإنسان وتسيء الظن بالله، بالاعتقاد بأن الله لم يعط هذا الإنسان الإمكانيات الملائمة، إن كان كذلك فأنى يستجاب له!

لقد جعل الله هذه الصفات (الكسل والخمول …) تتولد ذاتياً من تلك الأفكار الخرافية والجاهلية. ولكن الله تعالى بِمَنِّه وكرمه جعل لنا سلطاناً على تلك الأفكار، كما جعل سلطانَنَا على الحديد والنار، فهذا هو التكريم الحق لابن آدم.

وهذه الرابطة بين ما بالقوم وما بالأنفس رابطة ينبغي أن نستحضرها في كل الأمور، لأنه في اللحظة التي تختفي فيها هذه الرابطة، لا يمكن إلا أن نكون جبريين شئنا أم أبينا. فنكون من الذين ينكرون جهد الإنسان وسلطانه. وهذا الإنكار متفاوت إذ لا يكفي أن نعترف بعدة خطوات من جهد الإنسان ثم نقطع رجليه في بقية المراحل. وإنما ينبغي أن نسير به إلى المدى الذي أعطاه الله له.

خطر خفاء الرابطة بين ما بالنفس وما بالقوم

فإذا خفيت علينا الرابطة بين ما بالأنفس وما بالقوم، وخفي علينا سلطان الإنسان على ما بالنفس، حين ذاك إمَّا أن نكون جبريين نلقي خطايا البشر على الله، وإمَّا أن نكون غير معترفين بنعمة الله على البشر، والتي تستوجب الحمد والشكر، والتسبيح والتقديس لمالك الملك، واهب القوة مكرم الإنسان، سبحانه وتعالى عما يشكرون. وسنوضح ذلك فيما يأتي بإذن الله تعالى.