كيف تلقى السنن القبول عند المسلمين

من Jawdat Said

اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

حتى يغيروا ما بأنفسهم


Change.gif
تحميل الكتاب
مقدمة مالك بن نبي
مدخل كتاب حتى يغيروا
سنة عامة للبشر
سنة مجتمع لا سنة فرد
سنة دنيوية لا أخروية
في الآية تغييران
مجال كل من التغييرين
الجانب المهم هو التغيير الذي يقوم به القوم
ما بالقوم نتيجة لما بالنفس
لتحقيق التغيير لا بد من تغييرين
مفهوم التغيير عند الآخرين
علم النفس الفردي والاجتماعي
العلاقة بين سلوك الإنسان وما بنفسه
ما بالنفس يتفاوت في الرسوخ
كيف تلقى السنن القبول عند المسلمين
العقل والسنن في القرآن
الفعل والانفعال
المنهج والتطبيق


كيف تلقى السنن القبول عند المسلمين

إن كل سنة ومثال في التغيير ينبغي أن يكون مُستنداً إلى القرآن الكريم ، لتكسب السنَّةُ فاعليتها عند المسلمين . إذ من الأمور التي تخص المسلمين في مشكلة تغيير ما بالنفس ، ولاسيما فيما يتعلق بالسنن وتطبيقاتها ، الحاجة الماسة التي ينبغي أن يراعيها من يمارس مشكلة التغيير أن لا ينسى في لحظة واحدة من اللحظات ، ضرورة ارتباط السنن والأمثلة والتطبيقات بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، من غير أن ينسى أيضاً سيرة السلف الصالح ما أمكن ذلك . كما عليه أن يكون حاذقاً في ربط الموضوع بهذه المصادر ربطاً وثيقاً ، وأن لا يمل من التذكير بكل مناسبة بمرجع سنن المجتمعات ، من آيات القرآن في الكتاب العزيز ، والسنة الصحيحة ، وتطبيقات السلف الصالح . وفي هذه المصادر لمن أحسن التعرف عليها ، مادة غزيرة تدعمه بما لا يشعر معه المصلح أنه في حاجة إلى مزيد . ولقد تنبه المستشرق صاحب كتاب حاضر العالم الإسلامي إلى ذلك . والأمر الذي يجعل هذا الارتباط ضرورياً – ولاسيما المرحلة الأولى – هو الحالة النفسية التي يعيشها المسلمون الآن ، والتي تحول بينهم وبين تذوق معنى سنَّة الله في خلقه . بل إن الالتباس في حاصل – بوعي منه أو بغير وعي – إن لم يسبقه أو يلحقه ما يدعمه من الكتاب الكريم والسنة النبوية . والذي يحول دون استفادة المسلمين من سنن التغيير وتطبيقاتها ، أن الذين يبحثون هذه الأمور ويمارسونها - إن كان هناك من يمارسها - لا يستطيعون ربطها بمبرراتها من كتاب الله وسنة رسوله . وذلك إما لجهلهم بالكتاب والسنة ، أو لاعتقادهم أن هذه السنن لا يعترف بها القرآن ولا السنة . بل ربما استخدموا هذه السنن لعزل المسلمين عن عقيدتهم بسبب جهلهم لحائق القرآن أو بسبب تجاهلهم لها . ولكن ما لنا ولهؤلاء الذين شأنهم هكذا ، فما بال أولئك الذين يتعلقون بالقرآن والسنة بكل ما أوتوا من حماس إيماني ، متوارث خلال العصور المديدة ! إن هؤلاء لهم مشكلة أخرى معاكسة لمشكلة أولئك ، فهم لا يعيرون اهتماماً للبحوث التي تعني بتغيير المجتمعات ، لا لأنهم لا يشعرون أن محيطهم لا يحدث فيه تغيير ، بل لأنهم إلى الآن لم يمكنهم أن يدركوا ارتباط هذا التغيير بالسنن النفسية على التغيير ، سواء في إيقاف التغيير أو إبطائه أو تغيير وجهة سيره في الجانب الذي يريدون . فمن هنا لا يخطر لهم أن يصرفوا جهداً في هذه الدراسات ، فضلاً عن أن يروا مواطنها وأصولها من الكتاب والسنة .

إلحاح القرآن على الاعتبار بسنة الأولين

وأهم شيء يحث عليه القرآن ومن أجله أنزل الله الكتب وأرسل هو تغيير المجتمعات . فلهذا كان الإلحاح في القرآن لينظر الناس إلى سنن الذين خلوا من قبل . والسنة (القانون) ، وهي التي على أساسها ترتفع وتنخفض المجتمعات ، وعلى أساسها يكافئ الله ويعاقب . وعلى البشر أن يتفهموا هذه السنن ، حتى ينالوا رحمة الله ويبتعدوا عن انتقامه . لهذا يقول الله تعالى : « وإن يعودوا فقد مضت سنَّة الأولين » الأنفال - 38 - أي وإن يعودوا لأعمالهم الفاسدة الناشئة عن تصوراتهم ، واعتقاداتهم الخاطئة ، فقد مضت سنَّةُ الله في نزول العقاب على أمثال هؤلاء . ويقول الله تعالى أيضاً : « ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين ، وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ، كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد خلت سنَّة الأولين . ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سُكرت أبصارنا بل نحن قومٌ مسحورون » الحجر - 11 - 15 . في هذه الآيات بين الله تعالى كيف أن ما بأنفس هؤلاء القوم من الأفكار ، راسخة ثابتة وجامدة ، وكيف أن نظر هؤلاء محدوداً جداً ، وأن هذه المحدودية في النظر تحول بينهم وبين أن يكون محتملاً عندهم وجود طريقة للحياة أفضل مما هم عليه . وهذا الجمود في النظر من غير برهان ولا هدى ولا كتاب منير ، يكون قوياً وصلداً كلما جهل الإنسان المواقف التي مر بها البشر السابقون أي سنَّة الأولين . ولو أن هؤلاء كان عندهم علم بأحوال الماضين وما حدث لهم ، وما كان بأنفسهم من أفكار ، وكيف ظهرت آثارها على مر الزمن ، لكانوا في جمود أقل ، وغرور غير بالغ حد اليقين ، ولكانت قدرتهم على تأمل ما جاءت به الرسل أوفر . ولكن الجهل الذي أطبق عليهم ، أعجزهم أن يروا إمكان وجود وضع أفضل مما هم عليه في الفكر والعمل ، وفي الغاية والوسيلة . وتعتبر سنَّة الماضين حسب نهج القرآن دعماً للبشر ، ومساعداً لهم في الابتعاد عن الوقوع في الخطأ مرة أخرى . وكل التجارب البشرية العريقة في القدم ، والموزعة على أقطار البسيطة ، تراثٌ من العبر لكل الناس إذا أرادوا أن ينظروا إليها . وكل الذين لا يتذكرون ما وقع فيه الماضون من أخطاء ، يكونون مُعرضين لإعادة دفع ثمن جهلهم اجتماعياً ، في حياتهم الدنيا ، كما هم معرضون لخسارة النفس في الآخرة حين يقولون : « لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير » الملك _ 10 _ . ومعنى سنَّة الأولين في الآية التي كنا ذكرناها … « لا يؤمنون به وقد خلت سنَّة الأولين . ولو فتحنا … » : غير مختص بالأولين فقط ، بل هذه السنَّة تشمل كل الذين كانوا قبلنا ، حتى الذين جاءوا بعد نزول هذه الآيات ، كما تشملنا نحن أيضاً . وسنصير يوماً ما من سنَّة الأولين لمن سيأتون بعدنا . والبشر في سيرهم ، تتراكم الأمثلة والنماذج أمامهم ليعتبروا بها ، ويستفيدوا منها . فلهذا يدخل في سنَّة الاعتبار ، الأحداث التي حدثت بع نزول القرآن ، خلال هذه العصور في كل أقطار الأرض ، سواء في المجتمعات المؤمنة ، أم الكتابية أم الوثنية .. وإدراك مثل هذه السنن وعلاقة ما بالأنفس بما يحدث للأقوام ، هو الذي جعل ولز يقول : « إن مصائب الحرب العالمية ، وما نزل بالناس من دمار وما حل عليهم من عذاب ، كانت الجزاء الوفاق لما يحمله الناس من أفكار خاطئة »(1) . والقرآن الكريم في وصفه للمجتمع الإسلامي في المدينة ، وتذكيره بسنن الذين خلوا من قبل : « لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض ، والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورنك فيها إلا قليلاً ملعونين أينما ثقفوا ، أخذوا وقتلوا تقتيلا . سنَّة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنَّة الله تبديلا » الأحزاب - 60 - . إن المجتمع الذي يستطيع أن يتغلب على المخادعين ، والذين لم تطمئن قلوبهم ، والذين يشيعون روح الهزيمة في المجتمع ، إن هذا المجتمع يملك مقومات الاستمرار … « لا يجاورونك فيها إلا قليلاً » : أي أن هؤلاء مطرودون ، ولن يتمكنوا من إيقاف السير ، ولن يؤثر إرجافهم .. بل سينفون من المجتمع ويقذف بهم بعيداً . إن للصراع في المجتمع سنناً ، ومن لا يتبع السنن يخر صريعا .. ولهذا يعقب الله على وصف حال مجتمع المدينة بقوله : « سنَّة الله في الذين خلوا من قبل ، ولن تجد لسنَّة الله تبديلا » . يذكر النموذج الحاضر في المدينة ، ويشير إلى الذين خلوا من قبل ، ثم يضع القاعدة بأن هذا الحدث تابع لسنَّة الله ، ولن تجد لسنَّة الله تبديلا . إن الله تعالى حين يعرض نموذج المجتمع المدني ، لا يعرضه كحدث خاص بمجتمع المدينة المنورة ، بل إن هذا الذي حدث في المدينة ، نموذج من النماذج التي تتبع لقاعدة : « لن تجد لسنة الله تبديلا » . فكل من يريد أن يبني مجتمعاً ، أياً كان هذا المجتمع ، وأياً كان مثله الأعلى ، عن لم يسر على السنة ، وإن لم يعرف عوامل الهدم والبناء ، فلن يتمكن من إقامة مجتمع . يقول كارليل في حديثه عن الرسول صلى الله عليه وسلم - وإن كان هدفه غير ما نريد هنا الآن - قال : « لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متمدين من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى ما يظن من أن دين الإسلام كذب ، وان محمداً خداع …. فوا أسفاه ما أسوأ مثل هذا الزعيم . وبعد ، فعلى من أراد أن يبلغ منزلة ما في علوم الكائنات ، أن لا يصدق شيئاً البتة من أقوال أولئك السفهاء … ولعل العالم لم يرقط رأياً أكفر من هذا وألأم ، وهل رأيتم قط معشر الأخوان أن رجلاً كاذباً يستطيع أن يوجد ديناً وينشره .. عجيب والله إن الرجل الكاذب لا يقدر أن يبني بيتاً من الطوب ! »(1) . وفي العصر الحاضر نماذج من المجتمعات التي تقام حديثاً ، بصرف النظر عن قيمة مثلها الأعلى ، ولكن حتى هذا المجتمع ، لا يقوم إنْ لم يملك الفهم والعمل الكافي لحماية نفسه وتطهيرها من عناصر التخريب … « سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا » . وحين يتعلم الإنسان كيف يتعامل مع السنن ، يستطيع أن يستفيد من أخطاء ومن صواب الكافرين ، فضلاً عن المؤمنين ، وذلك إذا تمكن أن يصل إلى درجة التعامل مع السنن مباشرة دون أن تتدخل عداوة أو صداقة من سخر هذه السنن . إن هذا المستوى من الإدراك ، لا يصل إليه إلا من كانت منافذ الفهم وإدراك الصواب لديه مفتوحة ، حيث لم يتوصل التقليد إلى إغلاقها . وهذا ما يحثنا الله سبحانه وتعالى على فعله حين يصف لنا أولي الألباب : « فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب » الزمر - 18 - . والقرآن الكريم يعرض لنا الأمثلة ممزوجة بالسنن ، بالواقع المعاش ، بالعبر الماضية فانظر مثلاً إلى قوله تعالى : (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم ، فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا . استكباراً في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله . فهل ينظرون إلا سنة الأولين . فلن تجد لسنة الله تبديلا ، ولن تجد لسنة الله تحويلا . أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) فاطر 43 - 44 . في هذه الآيات يعرض الله لنا : 1"- الدعوى : حالة قوم يؤكدون أنهم سيكونون أهدى لو جاءهم نذير ، ولما جاءهم النذير لم يكونوا عند قولهم . 2"- سبب إخلافهم الوعد : الاستكبار والمكر السيئ . 3"- مجال الكشف : ويمكن رؤية هذا الارتباط بين هذه الحالة وسببها ، بالنظر إلى تاريخ الأولين وخلال أحداث التاريخ لمن يسير في الأرض وينظر . 4"- ثبات السنة : ثم يبين أهمية السنن مجردة عن الأمثلة التاريخية حتى لا يتحول التاريخ إلى سنة ، لأن التاريخ يتبدل ، والسنة لا تتبدل . وفهم هذه النقطة حصانةً للسنة من الضياع . 5"- مصدر التاريخ والسنة : هو السير في الأرض ، والنظر إلى العواقب ، لأن ذلك يكسب الإنسان معرفة بالتاريخ ، كما يكسبه قوانين الحياة وسننها .. وهذا الأمر لا يتحقق بمجرد الدرس ، وإنما بالسير والكشف أيضاً . وهنا ينبغي أن ننتبه إلى أن تحقيق بعض أوامر الله ، لا يتم إلا بالبحث خارج القرآن بأمر من القرآن الكريم . ومثل هذه الحالة الاجتماعية التي يعرضها الله تعالى هنا ، مثل آخر في القرآن يبين فيه حالة معينة من الدعوى العريضة والعجز الفاضح : « ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ، قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ؟ قالوا : وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله ، وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ، فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم ، والله عليم بالظالمين . وقال لهم نبيهم : إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ، قالوا : أنَّى يكون له الملك علينا ، ونحن أحق بالملك منه ، ولم يؤت سعة من المال . قال : إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ، والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم … » البقرة - 246 - . ولما قال لهم موسى « استعينوا باله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين » قالوا له : « أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ، قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ، ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون » الأعراف - 129 - . قالوا له هذا القول ، أي كأنهم قالوا : ليس في مجيئك فائدة فالأذى لم يُنزل عنا بمجيئك ، فيقول لهم موسى : هناك أمر أهم من هلاك عدوكم واستخلافكم في الأرض ، وهذا الأمر الأهم هو كيف ستعملون حين يستخلفكم ؟ هذا الذي لا تعلمون حسابه الآن … هذا الذي لم تُختبروا به بعدُ .. ولقد قال الله تعالى : « فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ، أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم ، وأعمى أبصارهم . أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها » محمد - 24 - . إن الذين لا ينتبهون إلى تلك النقائص الاجتماعية لا يمكنهم أن يتفادوها قبل وقوعها ، إلا إذا كانوا يدركون أسبابها وسننها . وإذا فاجأتهم نتائج تلك النقائص يظلون حيارى لا يجدون مخرجاً ، وليس أبلغ من وصفهم بقوله تعالى : « أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم ، وأعمى أبصارهم . أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها » محمد - 24 - . إن الاستكبار الذي جعله الله سبباً لأن يحيق بهم المكر السيئ في الآيات التي سبق أن ذكرناها ، إنما هو ما ذكره الله هنا من العمى والصمم ، والإقفال على القلوب ، لأن الاستكبار حالة نفسية ، أي فكرة خاطئة بالنفس ، تجعل الإنسان مستكبراً ، يقول مالا يفعل ويدعي مالا يقدر عليه . كل ذلك ناشئ من التقدير الخاطئ للواقع والسنن ، ناشئ من نظر ذاتي محدود …. والإنسان ذو الفهم الصحيح والإدراك الجيد لوقائع التاريخ لن يكون مستكبراً ، إذ أن الاستكبار إنما منبعه فراغ في الفهم ، وفراغ في إدراك الحقيقة . إن المستكبر يتصف بالبعد عن النظر الموضوعي(1) ، وهذا البعد مبعثه الغرور ، الذي هو محتوى نفسي خاطئ . ومشكلة الاستكبار تلقى اهتماماً كبيراً في القرآن ، لأن الفارغ عن فهم الحقيقة يكون مستكبراً حين يملك ، ويذل إن زال عنه الملك . والمؤمن لا يكون مستكبراً حين يملك ، ولا ذليلاً إن أصابته مصيبة . وهذا لا يتأتى إلا عن الفهم الموضوعي والعلم ، لا لمجرد وصفه بالإيمان ، لأن الإيمان ثمرة العلم والفهم . لهذا لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين .

موقف من يدرك سنن الأحداث يختلف عن موقف من يجهلها

إن الاستفادة من السنن وملاحظة الأمثلة والأحداث ، تقدم للناس بصراً ومعرفة وعملية ، حتى لا يقعوا فيما وقع فيه من قبلهم ، أو تنقذهم إذا وقعوا فيها ، أو على أقل تقدير ، تكسبهم صلابة موقف من يدرك السنة ، لا موقف من يرى السنن يختلف عن نظر وموقف من يجهل مصدر الأحداث . فإن حيرة وخوف من يجهل ، غير بصيرة من يعلم ، وغير طمأنينته . فإن من يجهل يطمئن حيث لا طمأنينة ، ويقلق حيث لا قلق ، ويعيش في حيرة من جراء المصائب التي تنزل به ولا يعرف مأتاها إلا ظناً وتخرصاً .. أما من يعلم وإن كان يعجز عن تغير كل شيء مرةً واحدة ، فإنه يعرف أين يضع القلق ، وأين يضع الطمأنينة ، ولا يصاب بالحيرة ، وإنما يقوم بما يقوم به من عمل فيما يُجدي دون أن يَحْقِرَ ما يقوم به من عمل ، ولا يطمع في إزالة الجبال في ساعة ، ولا يحقر من جهده القليل الذي يبذله مما يقرب إلى الهدف ، كمن يمشي على الخريطة والبوصلة ، لا كمن يضرب في تيه الأرض دون معرفة . إن إدراك السنن والتعامل معها ، هو الذي يجعل الإنسان يمشي سوياً على الأرض ، ومن يجهلها فهو المكب : « أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم ؟ » الملك - 22 - . إذا تذكرنا شأن شيع الأولين ، وأنه لو فُتح عليهم باب « من السماء فظلوا فيه يعرُجون لقالوا إنما سُكرت أبصارنا بل نحنُ قومٌ مسحورون » . قد سبق أن ذكرنا محدودية هؤلاء في الفكر ، وجمودهم على ما هم عليه ، وأنه لا يخطر في بالهم احتمال طريق أفضل للوصول إلى غاية أسمى . فإذا وجدنا اليوم حال المسلمين في الجمود ، والغرور ، والمحدودية في النظر ، واعتقادهم أنه لا يمكن أن يكون هناك صواب إلا عندهم . وكيف لا ! وهم أهل الحقيقة ، وعلم اليقين من الكتاب والسنة المحكمة ! . هنا تبرز المشكلة بكل ثقلها ، وبكل ما تحمل من خلط . لندع ثقل المشكلة الآن ، ولننظر إلى أن هذه الحالة الاجتماعية ، تنشأ عن مفاهيم ونظرات معينة ، تصيب المجتمعات وتشمل البشر كبشر . فإذا وجدنا تشابهاً بين المسلمين اليوم ، ووضع أمم سابقة لهم ، علينا أن نعلم أن سنة الأولين قد انطبقت علينا . كما أنه ينبغي أن لا يسيطر علينا حبنا لذواتنا وأنفسنا ، فيعمينا عن إدراك ، كيف يمكن أن ينطبق علينا ما انطبق عليهم . فإذا رأينا أنفسنا في حجر الضب ، ونفعل مثل ما فعل الأولون ، حذو القذة بالقذة شبراً بشبر ، فعلينا أن لا نستغرب أن يصيبنا ما أصابهم ، لأن السنة التي لا تتبدل ، لا تميز بين السابقين واللاحقين ، ولنما تعمهم جميعاً : « ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به » النساء - 123 - .

المسلمون اليوم عالة مستكبرون

إن الاستكبار منع الأولين من إدراك الواقع ، نحن مستكبرون وأذلة أيضاً في آن واحد . وليس غريباً أن يجمع الوصفان . ففي صحيح مسلم بين الرسول أن من الذين لا ينظر الله إليهم ، « العائل المستكبر » . فقد جمع بين العيلة والاستكبار . وكذلك نحن عالة مستكبرون ، لا نظن أن احداً يملك شيئاً من الحق له قيمة ، ونحن عندنا الحق كله . ومع ذلك لا نستطيع أن نخفي ذلتنا وهواننا . وهذا الهوان الفاضح هو الزاد الوحيد الآن ، لنجعل المسلم ينتبه . فهذا الذل هو الممسك الواضح للبدء في طريق الشفاء ، لأنه لا يمكن بَدء البحث إلا من نقطة نسلم بها . ولا يمكن أن ينصت المسلم إلا عند هذه النقطة ، هذا أن لم تأخذه العزة القعساء وعنجهية الكبرياء فتسد عليه منافذ التأمل والانتباه . إن ثقل المشكلة التي أشرنا إليها ، يتخفى في مخبأ مكين آخر وهو ، صعوبة أن يفهم ويتذوق ، كيف أن صاحب الكتاب والسنة ، وعلم الحقيقة واليقين ، يمكن أن يأتيه يوم ، لا يجديه الكتاب والسنة ولا ينفعه علم اليقين الذي كان عنده يوماً ما . إن سليمان لما قضى عليه الموت بقي هيكلاً قائما وبقيت الجن في العذاب المهين إلا أنَّ دابة الأرض أكلت مِنسَأته التي كان يتكئ عليها فخر . والعالم الإسلامي فقد روحه ، وظل متكئاً على عصاه ، ولكن العهد الاستعماري قام بمهمة الدابة ، فخر هذا العالم وهو لا يكاد يصدق ما حدث له وكيف حدث . إن ثقل المشكلة ، في إقناع المسلم كيفَ فقدَ الكتاب والسنة ، وفقد الحقيقة وعلمَ اليقين ، كما فقد مواعيدَ الكتاب والسنةِ بالنصرِ والتأييد . كلُّ ذلك أزال يقينه ، فتغيرت أمامه الدنيا ، واختلطت عليه الأمور ، وتداخلت الكبرياء بالهوان ، ومواعيد النصر بالهزائم المتوالية . ونحنُ لا نزالُ في بحث أن السنة (القانون) ، لا تجدي عند المسلم إن لم تستند إلى الكتاب والحديث . وهنا نريد أن نستأذن كبرياء المسلم ، أن يتأمل معنا حديثاً للرسول صلى الله عليه وسلم .

قاعدة هامة :

إن هذا الحديث من المرتكزات القيمة لفهم هذه السنة العجيبة ، التي أعيى المسلمين السابقين واللاحقين ، فهم حقيقتها . هذه السنة وردت بوضوح صارخ في حديث صحيح للرسول صلى الله عليه وسلم . عن زياد بن لبيد أنه قال : « ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فقال : وذاكَ عندَ ذهاب العلم . قلنا يا رسول الله وكيفَ يذهبُ العلمُ ونحنُ نقرأ القرآن ونُقرِئُه أبناءنا ، وأبناؤُنا يقرئُونهُ أبناءَهم إلى يوم القيامةِ ؟ فقالَ : ثَكِلتكُ أمكَ يا ابن لَبِيد ، أن كنتُ لأراكَ مِن أفقَهِ رَجُل بالمدينة . أوَ لَيس هذهِ اليهودُ والنصارى يقرؤون التوراةَ والإنجيلَ ولا ينتفِعونَ ممِا فِيهِما بشيءً ؟ »(1) . هذا الحديث يبين أمورا تساعد على فهم أدق للسنن ، وهو من فهم الصادق الأمين (صلى الله عليه وسلم) ، الذي ما ترك شيئاً ينفع أمتهُ إلا وحثهم عليه . إنه كان صلى الله عليه وسلم يرى المستقبل من خلال السنن . السنة التي تعم الجميع ، والتي انطبقت على أهل الكتاب السابقين ، ويمكن أن تنطبق على أهل القرآن . فإن هذا الحديث لا يحتمل أي تأويل أو غموض في الفهم . فانه يذكر سنة ، وحادثة معاصرة لها تاريخ سابق ، ومثالاً سيأتي ، فانه جمع بذلك الماضي والحاضر والمستقبل . لأن الموضوع يخضع لسنة ، إذ كل من اكتسب الحالة النفسية التي كانت عليها اليهود والنصارى يحل به ما حل بهم . وهذه الحالة النفسية المشابهة ، يطلق الله عليها تشابه القلوب ، ويقول الله في ذلك : « وقال الذين لا يعلمون ، لولا يكلمنا اله أو تأتينا آية ، كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم ، تشابهت قلوبهم ، قد بينا الآيات لقوم يوقنون » البقرة _ 118 _ . أن فكرة الاجتراء على المعاصي ، على أساس أنهم يعذبون قليلاً ثم يذهبون إلى الجنة ، فكرة منتقدة على اليهود والنصارى ، ولكن ذلك لم يمنع المسلمين من الاحتجاج بنفس الحجج . قال الله تعالى : « وقالوا لن تمسنا النار إلاَّ أياماً معدودة ، قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون » البقرة _ 80 _ . وقال : « ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب . يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ، ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ، ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون » آل عمران _ 24 _ . ومثل هذه القياسات والخصوصيات التي تدعيها الأقوام لنفسها ، ينفيها الله تعالى في قوله : « ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ، من يعمل سوءاً يجز به ، ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيرا » النساء _ 123 . في هذا الحديث الذي نحن بصدده ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : « يَحدثُ ذَاكَ عِندَ ذَهابِ العِلم .» ويصعب على الصحابي أن يفهم كيف يذهب العلم ومعهم مصدره . فيضرب الرسول صلى الله عليه وسلم المثل على إمكان ذلك ، من واقع الحياة المعاصرة لهم ، من مجتمع سابق لا يزال معاصراً لهم ، معهم الكتاب ، ولا ينتفعون مما فيه بشيء . وهدفي من سياق الحديث هنا ، أن أثبت أن مصير المسلمين إلى ما صار إليه السابقون أمر ممكن ، وهذا ما تم . فالمسلمون اليوم يقرؤون القرآن والحديث ولا ينتفعون مما فيهما بشيء ، وما ذلك إلا لذهاب العلم ، الذي ذهب معه الانتفاع منهما كما يبين الحديث . وهنا لا أُحمل الحديث شيئا لا يحتمله ، وإنما سياقه ونصه هو الذي يثبت هذا بالذات . إن الرسول صلى الله عليه وسلم يقرر أنه إذا ذهب العلم ، يذهب معه الانتفاع مما في القرآن والحديث أيضاً . وقد نختلفُ على حقيقة هذا العلم ، وهَل هو عندنا ، أم ليس عندنا ؟ ولكن المهمَّ أن الرسول صلى الله عليه وسلم حدده بأنه علم . ومهما اختلفتا فإن الواقع أقسى من أي خلاف . إن الواقع بكل ثقله وكل دلالاته الصارخة والخفية ، يقول : إن المسلمين لم يعودوا يملكون العلم الذي ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم ، هذا العلم الذي مجده الله في القرآن ، وعلى أساسه أثبت تفاوت الناس ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات . وبأسلوب إنكاري نفى أن يتساوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون . إن العلم له يعد له مفهوم واضح عند المسلمين . ولا يعرفون له تعريفاً يستطيعون أن يميزوا به ما هو علم مما هو ليس بعلم ، وهذا يفقد العلم قيمته ، فيختلط بالظن ، وينظر إليه كما ينظر إلى الأوهام والظنون ، فهذا هو معنى ذهاب العلم . وكثيراً ما يمدح المسلمون دينهم بأنه دين العلم ، ويريدون بذلك أن يزينوه كما يتزين الفارغون بالأزياء الجديدة . ولكن حين يُبحث الموضوع على أساس العلم ، نرى أعينهم تدور كالمغشي عليه ، ويصير العلم عندهم هو والظن سواء ، ويفضلون أن يتمسكوا بنظرات ذاتية كوَّنوها عن الإسلام ، رسخت على مر العصور . وليس موضوعنا هنا هو بحث العلم ، هذا العلم المظلوم ، الذي لم يعد له مقام في العالم الإسلامي . فهو روح فقدناه وحقيقة غبنا عنها . وما لم يرجع هذا العلم إلى المسلمين ، بكل ما منحه الله من قوة وسلطان ، فلن يقدر المسلمون أن يستفيدوا من الكتاب والسنة ، وسيظلون يتدحرجون تحت أقدام اللاعبين ، مهما ظنوا أنهم أهل القرآن وعلم الحقيقة واليقين . وهنا يختلط على المسلم تقديسه للكتاب والسنة ، واعتقاده أنهما يغنيان عن كل شيء بأمر آخر وهو كيف لم يرفعا عن المسلم الهوان الذي وقع فيه . فهنا نخطئ ويصل تقديسنا للكتاب والسنة إلى الغلو ، حين ننسب إليهما شيئاً ليس من مهمتهما ، إذ ليس من مهمة الكتاب والسنة ، أن يرفعا الهوان عن قو لا يستخدمون أسماعهم وأبصارهم وأفئدتهم . فهذه الملاحظة أمر جوهري ، علينا أن نتأملها جيداً ، إذ ليس من شأن الكتاب والسنة الهداية ، إلا أن بعض البشر ، يزيدهم هذا الكتاب ضلالاً ولا يزيدهم هدىً . قال تعالى : « يصل به كثيراً ويهدي به كثيراً » البقرة - 26 - ويقول الله تعالى : « إنما تنذر الذين يخشون ربهم » فاطر - 18 - « إنما تنذر من اتبع الذكر » يس - 11 - . « لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين » يس - 70 - . هذه حقيقة علينا أن نفهمها جيداً ، إذ ليس مما ينقص من قدر الكتاب والسنة ، أنهما لا يرفعان شأن قوم ، لم يرفعوا بما بعث الله به رسوله رأساً . وعلينا أن نكرر هذا ، حتى لا يُفرض على الكتاب والسنة ما ليس من شأنهما . ثم على أساس هذه الفريضة ، يظن أن الكتاب والسنة لم يقوما بمهمتهما . ونقع في هذا الخلط بدون شعور منا . فهذا الغموض ، وهذه الفرضيات التي فرضناها ، وابتدعناها تعظيماً للكتاب والسنة ، توهمنا أن الكتاب والسنة ، لم يؤديا المهمة التي ظننا أنهما ينبغي أن يقوما بها . وهذه متاهة ومكان للالتباس ، وعلينا أن نعرف أن الكتاب يظل كاملاً ، ويظل متصفاً بكل صفات القداسة ، ولا يشترط أن يرفع الكتاب رأس من لم يرفع به رأساً . وبعد أن نفهم هذا . نستطيع أن نرجع إلى هذا المسلم الذي يكمن الداء فيه ، إذ فقد الاستفادة من الكتاب والسنة لفقدانه العلم ، لا لأن الكتاب والسنة لم يعد فيهما ما ينفع . فإن اتضح هذا فلا يجوز أن نحمِّل الكتاب والسنة ما ليس من شأنهما . ولكن يبقى بعد ذلك أن هذا المسلم تظل أمامه عقبة أخرى ، مثل تلك العقبة التي مررنا بها وهي : هل يمكن أن يعترف المسلم أنه بلغ درجة لم يعد ينتفع مما في الكتاب والسنة شيئاً ؟ إن هذا الاعتراف شيء ليس سهل المنال . إن إدراك هذا ورسوخه بوضوح في أعماقه ، أمر له أهمية بالغة ، لأن المسلم إن لم يفهم هذا ، لا يمكن أن يتوب مما فيه . وكيف يتوب وهو لم يشعر أنه أذنب ! إن الفهم شرط التوبة ، شرط تغيير ما بالنفس . والتائب هو الذي غير ما بنفسه . إن الكتاب والحديث ، وكل السنن الكونية ، تظل معطلة بالنسبة للإنسان ، إن لم ينتبه إليها . وليس معنى هذا ، أن هذه السنن يبطل مفعولها ، ولكن معناه ، أن المسلم لا يستطيع أن ينتفع منها . فالمشكلة ، ليست في أن الكتاب لم يقم بمهمة الإيقاظ ، ولكن المسلم لم يقم بواجب النظر . إن عقل المسلم لم يتعلق بالكتاب والسنة بمعنييها ، بمعنى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبمعنى سنن الله في الكون . وبهذا نكون حددنا ، أن مكان المشكلة ، ليس في الكتاب والسنة بمعنييها ، وإنما في العقل ، الذي فقد وظيفته في العالم الإسلامي . ويكفي على هذا دليلاً ، إغلاق باب الاجتهاد في العالم الإسلامي خلال القرون الطويلة . إن هذا الإغلاق لم يأت من الكتاب والسنة ، ولا أمراً به ، بل من أهم ما يعنى به الكتاب والسنة : الاجتهاد ، ثم الاجتهاد ، ثم الاجتهاد … ولكن العالم الإسلامي هو الذي أغلق الباب ، باب الاجتهاد ، باب العقل ، الذي يمكن أن يدخل إليه الكتاب والسنة ، ليقوما بمهمة توجيه هذا الإنسان . وكان الهدف من إغلاق باب العقل عند المسلمين ، حماية الكتاب والسنة من التلاعب والتلفت . ولكن هذا الهدف لم يخدم الكتاب السنة ، لأن العقل المقفل لا ستطيع أن يحمي الكتاب والسنة . واليوم إن الذين يرفعون لواء الكتاب والسنة في العالم الإسلامي ، وكل الربانيين الذين ظهروا في الأمة ، ليسوا أولئك الذين أغلقوا عقولهم ، وأغلقوا باب عمل العقل عن الجد والاجتهاد ، وإنما أولئك ، الذين سعوا ، ولا يزالون يسعون جهدهم لأعمال العقل ، وإعادة العملية الوظيفية للعقل الإسلامي ، الذي أصيب بالكساح منذ قرون طويلة ، حتى صار مقعدا . والمتاهة التي يضيع فيها المسلم ، هو ظنه ، أنَّ من بيده الكتاب والسنة لا يضل عن الكتاب والسنة ، وجهله أن من فقد العلم ، الذي هو نتيجة فتح السمع والبصر ، يفقد الانتفاع بالكتاب والسنة . إن العالم الإسلامي ، إن لم يستعمل سمعه وبصره وفؤاده فيما خُلق له ، فإن كنوز الكتاب والسنة ، ستظل مقفلة أمامه ، مهما أكثر من طبعاته ، وأثقل من حملها رفوف المكاتب . وفي مثل هذا ضرب الله مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها . إن القلوب التي الطبع ، والعيون التي عليها الغشاوة ، والآذان الموقورة ، لا تتفاعل مع الحقيقة . وهناك مشكلة أخرى أيضاً ، ليست أقل استعصاء الحل ، أمام فكر المسلم ، فهي عقبة صعبة الاقتحام ، يمثلها هذا التساؤل : إن كان هذا الأمر حقاً ، فكيف خفي على الملايين من المسلمين ، خلل مئات السنين ؟ إن هذا التساؤل وارد ، سواء في أول الطريق أو في آخره . وما لم تزل هذه العقبة ، فلا يمكن التقدم في حل المشكلة . فهي نوع من الآصار ، والأغلال ، التي تحدث الرعود والبروق في عقل المسلم ، فلا يعد قادراً على تأمل الموضوع . لأن في قبوله لذلك ، إدانة الملايين . وفي رفضه ، زيادة التعقيد والحيرة . وأرى في ذلك إخلاص السائل . كما أرى أن حل هذا التساؤل ، وإزالة المشكلة ، يكون سبباً لراحة المسلم ، وتطمين ضميره . وبدون هذا الحل ، يشعر بامتعاض ، وقد يتمنى لا شعورياً ، ألا يواجه المشكلة . ولكن لا بد من إزالة التيارات المزعجة . وعقل المسلم ، يُقبل على هذا بكل حذر ، مثل حَسْوِ الطير للماء ، حين خوفه . فهذا الخوف ، من إدانة المئات من الملايين من المسلمين ، بأنهم لم ينتبهوا إلى هذا خلل مئات السنين . لا نقول إن هذا الخوف لا مبرر له مطلقاً ، بل فيه صواب ، كما فيه أخطاء ليست هينة ، وأحياناً تحجُبُ شعرةٌ ، نور العين فتمنعها من الإبصار . وأحياناً تتعقد المشكلة ، وحلها يسير كما قال البدوي : رُبَّما تَكْرَهُ النفوسُ مِنَ الأَمْرِ لهُ فُرْجَةٌ كَحَلِّ العِقالِ . فيا أخي وعزيزي ، أيها المسلم القلق في كل مكان ، يا من يقلب وجهه في السماء ، باحثاً عن القبلة التي يرضاها . إني أشاركك في قلقك وتطلعاتك . لقد عانيت ما تعاني . فتعال نبحث ، دون أن أتضايق منك أو تتضايق مني . إني لا أتضايق منك ، بل أستبشر بهذه الأشواق التي تحملها إلى المعرفة ، وإلى الكشف ، وإلى شوقك إلى البلاغ المبين . وإني أرى نفسي فيك ، فأنا مشيت معك هذا الدرب ، ومررت على هذه الثغرات ، ويذكرني هذا بقول إقبال رحمه الله : ليسَ يَخْفَى عَلىَ القَلَنْدَر(1) فِكْرٌ سَاوَرَ النَّشءَ ظَاهراً أو خَفَيّاً أنا عِنْدِيْ بِكُلِّ حَالكَ خُبْرٌ فبِهَذَا الطَّريْقِ سرتُ مَلياً وهذا القلق الذي يخطر ببال المسلم ، من استغراب غفلة الملايين خلال مئات السنين ، حله في الكتاب والسنة ، حين نتوجه إليها بعيون وقلوب مبصرة ، وعندها لن نضل أبداً . إن من أوليات ما يعلمنا الله تعالى في كتابه الكريم : أن الباطل لا يكسبُ قوة الحق ، وإن كثر أتباعه وطالَ عمرُهُ . « قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث » المائدة - 100 - . … والقرآن الكريم يدينُ الذين يلزمون ما كان عليه آباؤهم ، فيقول في ذلك : « وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون » البقرة - 170 - . والآيات في هذا كثيرة . والقرآن مليء بهذا الموضوع : « إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون » الصافات - 70 - . ولاسيما في المحاجة بين الأنبياء وأقوامه : « قال : فما بالُ القُرون الأولى » طه - 51 - إنه نفس السؤال الذي يراودنا الآن . لكن علينا أن نواجه بوعي ، هذا الذي يعترضنا . ونحن هنا نستعين بجواب موسى عليه السلام ، الذي اصطنعه الله لنفسه . قال موسى في الجواب : « قَالَ : عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ، فِي كِتَابٍ . لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى » طه - 52 - . والذي أريد أن نستفيده من موسى عليه السلام هنا ، أن فرعون لما قال : فما بال القرون الأولى ؟ كان يريد أن يقول : يا موسى هل أنت وحدك الذي فهمت هذا الذي جئتنا به ؟ فما بال القرون الأولى ؟ يعني : ما بال الأجيال المتتابعة الماضية ، الكثيرة العدد خلال قرون بعيدة . ألم يفهموا هذا الفهم ؟ . واليوم قد يخطر في بالنا نحن أيضاً نفس هذا التساؤل . كما يخطر لنا تساؤل آخر ، وهو أن يقال ، إنك تشبه المسلمين بالكافرين ، بفرعون والأمم الضالة الوثنية . ونحن إن أردنا الشفاء ، مما نحن فيه من المصيبة ، علينا أن نتقبل بعض الصعوبات التي لم نتعودها . وعلينا أن نغير شيئاً من نظراتنا إلى المسلمين وقد قدمت أن آية التغيير ، التي هي موضوع بحثنا في هذا الكتاب سنة عامة وليست سنة خاصة بقوم معينين . فكل قوم يحملون نفس الأفكار ، تحل بهم نفس النتائج . إن السنن النفسية ، مثل السنن العضوية ، تنطبق على المسلم والكافر . فعلينا أن نمتلك القدرة على أن نرى نفس الفكرة وأثرها ، بصرف النظر عمن يحملها : « لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ » النساء - 123 - . ثم كذلك ، لا يشترط أن يكون أولئك الآباء من أهل النار ، وأن يصيروا بذلك كفاراً . والخوف من أن نُحمل الآباء ، إثم الخطأ ، يشكل حاجزاً نفسياً يمنع من تأمل الموضوع بنزاهة . فقد يكون لهؤلاء الآباء ، على أخطائهم أعذارٌ عند الله . فقد أخطأ من أهل أحد ، الرماة الذين تركوا أماكنهم ، ولكن انتقل من قُتل منهم ، إلى حواصلِ طيرٍ خضرٍ في الجنة في مساء ذلك اليوم . ولابن تيمية ، كلامٌ حسنٌ على هذا الحاجز النفسي عند المسلمين ، قال : « ويترتب على هذا الأصل ، أن الرجل العظيم في العلم والدين ، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم الدين ، قد يحصل منه نوع من الاجتهاد ، مقروناً بالظن ، ونوعٍ من الهوى الخفي ، فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتباعه فيه ، وإن كان من أولياء الله المتقين . ويصير فتنة لطائفتين ، طائفة تعظمه ، فتريد تصويب ذلك الفعل ، واتباعه عليه ، وطائفة تذمه ، فتجعل ذلك قادحاً في ولايته وتقواه ، بل في بره ، وكونه من أهل الجنة ، بل في إيمانه حتى تخرجه من الإيمان . وكل هذين الطرفين فاسدٌ . ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم ، وأحبه ووالاه ، وأعطى الحق حقه ، فيعظمُ حقَّ ، ويرحمُ الخلقَ ، ويعلم أن الرجل الواحد ، تكون له حسنات وسيئاتٌ فيُحمدُ ويُذمُ ، ويثابُ ويعاقب ، ويحب من وجهٍ ، ويُبغضُ من وجهِ . هذا هو مذهبُ أهلٍ السنَّةِ والجماعة خلافاً لأهل البدعِ »(1) . لهذا كان جوابُ موسى ، جواباً علمياً دقيقاً ، مراعياً الاعتبارات النفسية وحواجزها . كان جواباً رائعاً كان جوابه « علمُها عِندَ ربي » ولم يقل : أولئك الأقوام في كذا ، أو سيصيرون إلى كذا ، لأن المشكلة هنا ، ليست مشكلة أقوام مضت يُرادُ إدانتهم ، ولكن المشكلة ، مشكلة تخليص أقوام لا يزالون يعيشون الآن . وعلى المسلم أن يكون حاذقاً في هذا ، فليدع مصير أولئك ، فقد يكونون في مغفرة من الله وضوانهِ . ولكن ذلك ، لا يُبررُ لنا أن نظل في الخطأ ، ولا يبرر لنا أن نحملَ أوزارهم . وعلينا أن نتذكر قوله تعالى الذي تكرر في سورة البقرة في مثل هذا الموضوع ، مرة في التعقيب على الصالحين : « إذ حضر يعقوب الموتُ إذ قال لبنيه : ما تعبدون من بعدي ؟ قالوا نعبد إلهكَ وإله آبائك إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ، إلهاً واحداً ، ونحن له مسلمون ، تلك أمة قد خلت ، لها ما كسبتْ ولكم ما كسبتم ، ولا تُسألونَ عما كانوا يعملون » البقرة - 143 - . ومرة أخرى في التعقيب على المنحرفين فيقول : « أم تقولون إن إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباط ، كانوا هوداً ، أو نصارى ، قل أأنتم أعلمُ أم الله ؟ ومن أظلم ممن كتم شهادة عندهُ من الله ، وما الله بغافل عما تعملون . تلك أمة قد خلت ، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ، ولا تسألون عما كانوا يعملون » البقرة - 141 - . وهناك سنة قرآنية أخرى ، علينا أن نستفيد منها أيضاً وهي ، أن القرآن ، كلما حكم على أقوام ماضية بالضلال ، لا يعمهم جميعاً ، بل يستثني القليل أو يحكم على أكثرهم : « ما فعلوه إلا قليل منهم » النساء - 66 - ، « وما آمن معه إلا قليل » هود - 40 ، « وقليل من عبادي الشكور » سبأ - 13 - ، « إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليلٌ ما هم » ص 24 . « ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ » البقرة - 83 - ، « ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم » المائدة - 13 - ، « فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم » هود - 116 - وهذا بالنسبة لمجموع القوم ، إذ يكن الكثيرون منهم على الخطأ ، وأفراد قلائل يُستثنونَ من المعصية ، التي رقع فيها الأقوام . ولا يحكم القرآن على الجميع ، إلا أن يكون وجه آخر ، مثل جنود إبليس أجمعين . وهناك غير الحكم على مجموع الأفراد ، حكم على مجموع أعمال الفرد أو المجتمع ، فذلك يحكم الله في هذا أيضاً مثل قوله تعالى : « فقليلاً ما يؤمنون » البقرة - 88 ، « قليلاً ما تذكرون » الأعراف - 3 ، « بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا » الفتح - 15 . والآن إذا رجعنا إلى موضوعنا ، في الحاجز النفسي ؛ ما بالُ القرون الأولى ؟ ما بال الملايين من المئات من السنين هل كلهم كذلك ؟ لا بلم تكن الملايين خلال مئات السنين كذلك . ولكن قليل في التاريخ ، خلال مئات السنين ، الذين كانوا لا ينطبق عليهم قوله تعالى : « وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله ، قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ، أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون » البقرة -170 - . ولو نظرنا إلى التاريخ ، لوجدنا أمثال ابن تيمية(1) ، يطاردهم أتباع الآباء (الآبائيون) ، خلال التاريخ ، وتُطاردُ مؤلفاتهم أيضاً ، سواء كانوا من أتباع الآباء الأولين ، أو من أهل السياسة والسلطان . فلقد مات ابن تيمية في سجن القلعة في دمشق ممنوعاً عنه أدوات الكتابة . كما لا يشترط في هؤلاء القليلين ، أن يكونوا معصومين لا يقعون في خطأ ، ولا سوء فهم في أمر من الأمور . ولكن حسبهم ، أنهم كانوا منارات في دَربِ التَبَصر . إذا نظر أحد إلى التاريخ ، برزوا فيه كالنجوم يهتدي بهم . وإن تجاوز العلم ما كانوا وصلوا إليه . إلا أنهم يزدادون ضياء على مر العصور . فسواء شعر من ينتقدهم ، أو يتهمهم حتى في نياتهم ، أو لم يشعر ؛ إنه يقف على ما رفعوه من معالم ، حين يحاول أن يفهم شيئاً ما ، على أساس العقل . وكل من أراد أن يقرأ آيات الله ، في الآفاق والأنفس ، في هذه الأيام ، يجد هؤلاء رُوادَ الطريق ، وعكازات يتكئ عليهم ، ليثُبتَ أمام عُصبة الآبائيين . وإذا شعر أنه في غنى عنهم ، فإن هذا الجو الذي يستطيع أن يتنفس فيه هو ، إنما من صنعهم ، وصنع كفاحهم . إن من يعرف معالم التاريخ ، يمكن أن يعرف ذلك . ولكن مصيبة المصائب ، أن لا تعرف كيف حدث ما حدث ، ولا على أي أكمة تقف ، سواء كان من العَمارِ ، أو الخراب ، حين نقف لنحكم على الأحداث . كان البحث ، في موضوع : ضرورة ربط آيات الآفاق والأنفس ، وسنن التعامل معها ، بآيات القرآن ، ربطاً محكماً ، بحيث يشعر المسلم ، بالارتباط القوي بين آيات الكتاب وآيات الآفاق والأنفس ، وأن ذلك ليس مجردَ إقحامٍ . وهذا يحتاج إلى حذق ، وإلى معرفة دقيقة من التعامل مع الأنفس . ونحن إذا أردنا أن نعيد للعقل وظيفته ، فلا يعني ذلك ، معارضة أمر القرآن . بل من أعظم مهمة الكتاب الكريم ، أن يعيد للإنسان كانسان ، وظيفته . ثم بعد ذلك يسير به في ظلال : « أفلا تعقلون » حتى يوصله إلى النعيم المقيم ، ولا يتركه في أي جزء من الطريق من حين أن يقول : « يا أيها الناس » إلى قوله : « وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير » وإلى أن يقول : « ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين » . ولعلي أكون بهذا ، قد بعثت بصيصاً من الأمل ، فيما حاولت أن أصل إليه ، من أن : كل سنة ، وكل مثال في التغيير ، ينبغي أن يكون مستنداً إلى القرآن الكريم ، لتكسب السنَّة فاعليتها الاجتماعية عند المسلمين . ومعنى الفاعلية الاجتماعية ، أن يتعامل العقل مع السنن ، في سعيه إلى ابتغاء مرضاة الله . والمجتمع الذي شأنه هذا ، سيكون من أبرع المجتمعات البشرية ، في استخراج السنن استخداماً صحيحاً . فمثل هذا المجتمع ، هو الذي يسبغ الله عليه من نعمه ، ظاهرة وباطنة ، في الدنيا والآخرة : « لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة » البقرة - 220 - . وحتى هذا الوصل بالكتاب ، قد لا يكفي لإقناع المسلم ، بأنه لم يخرج عن أمر الكتاب ، لأنه لا يكفي عند المسلم ، أن يكون الموضوع موجوداً ، في الكتاب والسنة ، حتى يقبل الأمر . لأن فهم الكتاب والسنَّة مقيد بفهم الآباء ، وفكرة « ما سمعنا بهذا في آباءنا الأولين » المؤمنون - 24 - . لها سلطان أيما سلطان ، ومن هنا يتبين ، أن مشكلة المسلمين معقدة ، ليست بسيطة . ولكن مع ذلك ، فإن إدراكها إدراكاً صحيحاً ، لا يجعل الأمر مستعصياً على الحل . لأن المشكلة ، مشكلة إكساب الإنسان المسلم ، قدرة التعامل مع الحقيقة ، بصرف النظر عن ملابساتها ، أو إكساب المسلم قدرة التعامل مع السنة : « سنة الله في الذين خلوا من قبل » الأحزاب - 38 - . وهنا ينبغي أن نشير إلى أمر آخر ، وهو القدرة على التمييز ، بين ما نقبله على أساس الثقة ، وما نقبله على أساس التعامل مع السنة . فإن من أدرك كيفية التعامل مع السنَّة ، لا يعود يبالي بالثقة من جهل الناقل - فيما يمكن اختباره على أساس السنَّة - سواء كان الناقل موثوقاً به ، أو ليس كذلك ، لأن الموضوع في هذه الحالة ، يحمل دليله معه . فكل من عرف التعامل مع السنن ، لا يمكن أن يخدعه صديق ، أو يغره عدو ، سواء كان قاصداً أو غير قاصد . أما من لا يعرف التعامل مع السنَّة ، وإنما يقبل الموضوع على أساس الثقة فقط ، فهذا معرض للوقوع في الخطأ ، ولاسيما إذا كان في قبول تفسير ، ما ينقل عن المعصوم ، صلى الله عليه وسلم . وهذا التعرض للخطأ يكون على وجهين : حين نقبل خطأ من نثق به . وحين نرفض صواب من لا نثق به . وأسلوب أخذ المسلمين ، والعلوم الاجتماعية والنفسية ، مبني على أساس الثقة ، فلهذا لا قدرة لنا على التعامل مباشرة مع السنن ، وإعطائها ما تستحق من العناية . وليس معنى ذلك عدم التثبت إن جاءنا فاسق بنبأ . فإن أمور الدنيا ، التي يمكن أن تقع تحت اختبار العلم ، الذي يمكن أن نكتشفه في سنن التاريخ ، ووقائع الأحداث ، نقبل فيه على أساس الاختبار والعلم ، فنأخذ أحسنها نتائج ، وأحمدها عواقب . وهذا الذي أمرنا الله تعالى به في قوله : « فبشر عبادي ، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب » الزمر - 18 - . فإن جاءنا أحد بنبأ في علم الفلك ، لا نقول عنه منجم كذاب ، ما دام ما يأتي به خاضعاً للاختبار . ويقول في هذا ابن تيمية : « … والعلم بوقت الكسوف والخسوف وإن كان ممكناً ، لكن المخبر المعين قد يكون عالماً بذلك ، وقد لا يكون … ولكن إذا تواطأ خبر أهل الحساب على ذلك ، فلا يكادون يخطئون … وإذا جوز الإنسان صدق المخبر بذلك أو غلب على ظنه فنوى أن يصلي الكسوف والخسوف عند ذلك واستعد ذلك الوقت لرؤية ذلك كان هذا … من باب المسارعة إلى طاعة الله وعبادته . »(1) . وفي سنن التاريخ والنفس والاجتماع ، حين يأتي أحد بنبأ ، فليس النظر فيه إلى فسق من أتى بالنبأ أو تقواه ، ولكن إلى مقدار صمود ما أتى به من برهان على دعواه ، أمام الاختبار والتحقيق . وهذا كان واضحاً لابن خلدون في بحثه لسنن العمران وطبائعه ، قال في أسباب ما يجعل الكذب متطرقاً للخبر : « ومن الأسباب المقتضية للكذب ، وهي سابقة على جميع ما تقدم : الجهل بطبائع الأحوال في العمران . فإن كل حادث من الحوادث - ذاتاً كان أو فعلاً - لا بد من طبيعة تخصه في ذاته ، وفيما يعرض له من أحواله ، فإذا كان السامع عارفاً بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ، ومقتضياتها ، أعانه ذلك ، في تمحيص الخبر ، على تمييز صدقها من كذبها ، وهو سابق على التمحيص بتعديل الرواة ، ولا يرجع إلى تعديل الرواة ، حتى يعلم أن ذلك الخبر في نفسه ، ممكن أو ممتنع . وأما إذا كان مستحيلاً ، فلا فائدة للنظر في التعديل والتجريح . ولقد عدَ أهل النظر ، من المطاعن في الخبر ، استحالة مدلول اللفظ ، وتأويله بما لا يقبله العقل . وإنما كان التعديل والتجريح ، هو المعتبر في صحة الأخبار الشرعية ، لأن معظمها تكاليف إنشائية ، أوجب الشارع العمل بها ، حتى حصل الظن بصدقها . وسبيل صحة الظن ، الثقة بالرواة ، بالعدالة والضبط . أما الأخبار عن الواقعات ، فلابد في صدقها وصحتها ، من اعتبار المطابقة ، فلذلك وجب أن ينظر في إمكان وقوعه ، وصار فيها ذلك ، أهم من التعديل ومقدماً عليه . إذ فائدة الإنشاء مقتبسة منه فقط وفائدة الخبر منه ، ومن الخارج بالمطابقة … وهذا قانون في تمييز الحق من الباطل ، في الأخبار بوجه برهاني لا مدخل للشك فيه . وهذا هو غرض الكتاب الأول من تأليفنا … وكأن هذا علم مستقل بنفسه ، فإنه ذو موضوع : - وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني . وذو مسائل : - وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد أخرى . وهذا شأن كل علم من العلوم وضعياً كان أم عقلياً »(1) . إن من يفهم سنن علم الاجتماع والنفس ، في الدعاية للصناعة والتجارة ، يمكن له أن يقوم بأعمال ، تجعل الناس يبذلون أموالهم ، ويقبلون على شراء السلع ولدى الناس بالفطرة أو السليقة البدائية ، من يقوم بهذا العمل من الباعة المتجولين . ولكن الأجهزة المتخصصة على المستويات العليا ، والتي تدرك الأمور بدقة في جميع جوانبها ، تقوم بأعمال ، يُظن أنها من عالم الخيال . كذلك علم النفس الاجتماعي الحربي الدعائي ،وكذلك علم النفس الاجتماعي العقائدي الفكري ، وهو ما يسمى بالإيديولوجيات . إن مجتمعاً معيناً في الثقافة والوعي ، قد لا يتأثر بنوع معين من الدعاية ، بينما يؤثر ذلك في مجتمع آخر . إن حماية مجتمع ما ، في الحرب والاقتصاد والعقيدة ، ليس خاضعاً للمصادقة ، ولأمور اعتباطية ، وإنما يخضع لموازين دقيقة ، مما بالأنفس من الأفكار ، التي يمكن أن يُجري عليها الاختصاصيون التعديلات المطلوبة كماً وكيفاً ، ضمن نطاق زمن محدد ، بناء على خبرات سابقة ، من سنَّة الأولين أو المعاصرين . كل ذلك علم ، وكل ذلك سنن ، يمكن معرفتها والسيطرة عليها ، وتصحيح الأخطاء فيها ، ومسابقة الزمن في ذلك . ولكن لن يتمكن من ذلك عقل مرعُوبٌ ، لا علم له بأحداث العالم ، ولا يعرف من أين تأتي المصائب ، ولا كيف تدفع ، ولا كيف تُعطى المناعات للمجتمعات ، ضد الأخطار الفكرية ، لحماية المجتمع ، فضلاً عن أن ينشئ أجهزة لمراقبة الانحرافات وتصحيح الأخطاء ، على أساس السنن والقواعد التي تخضع لها المجتمعات .