قضايا إسلامية معاصرة: السؤالان الأول والثاني

من Jawdat Said

اذهب إلى: تصفح, ابحث
أسئلــة مـجلــة
قـضايا إسلامية
معــاصــرة



سؤالكم الأول: ما هي أبرز المحطات في مساركم الفكري + أبرز المكونات الثقافية؟

الجواب: شكراً لك أيها الأخ الرفاعي. ينبغي أن أصارحك بأنك استطعت أن تحملني على الإجابة على أسئلتك، وكثيرا ما أتجاهل أسئلة توجه إلي. ولكن لأهمية ودقة أسئلتك أشعرتني أنك دخلت إلى عالمي الفكري ودخلت إلى الزوايا الخاصة لهذه التركيبة الفكرية، ولامست بقوة القضايا التي تشغلني جداً. شكراً لك مرة أخرى على الجهد الذي تبذلونه لإحياء الفكر وهنيئاً لك على هذا التخصص الذي كرست نفسك لخدمته والعمل فيه.

محطة التساؤل فلسفي

تسألني عن المحطات الفكرية في مسيرتي. إنه سؤال مهم ودقيق ولكن هل يمكن أن أجيب على مثل هذا السؤال؟ هل يمكن أن يتذكر الإنسان الظروف التي وجهت حياته الفكرية؟ لا أظنني أستطيع أن أحيط بدقة بالمؤثرات التي جعلتني كما أنا، ولكن مع ذلك فإن المحاولة ليست غير مفيدة، بل علينا أن نذكر ما أمكن من هذه المؤثرات. ربما يمكن أن أقول أنني عدت مرة من المدرسة وأنا في الصف الثاني الابتدائي وقد أخذنا درساً في الصلاة عن ماذا نقرأ في القعدة الأخيرة من الصلاة وكان الكتاب الذي نتعلم منه يذكر صيغتين للتشهد: الصيغة التي يرويها ابن عباس والأخرى التي تروى عن ابن مسعود. وفي ذلك الوقت لم يكن لي قدرة على التمييز. فلما عدت إلى المنزل سألت والدتي عن التشابه والاختلاف في الدعائين، فنظرت بدقة في الكلمات المكتوبة على التعليق وقالت لي، هذه الصيغة هي التي نحن عليها فهي الصيغة التي اختارها الإمام الأعظم أبو حنيفة وهذا مذهبنا والأخرى للمذهب الشافعي. هكذا كان الجواب، ولكن أين ذهب تفكيري أنا. لقد كنت أخجل من السؤال ولم نكن نجرؤ على سؤال الأستاذ أو الوالد وكنا نتجرأ على سؤال الأم فلهذا سألت والدتي. وهكذا أجابت أن هذه الصيغة هي الصحيحة وهي مذهب الإمام الأعظم. ولكن الذي خطر في بالي بعد جوابها لم أجرؤ حتى أن أوجهه لوالدتي. فقد خطر لي أن الطفل الذي على المذهب الشافعي لو رجع إلى بيته وسأل والدته لقالت له نحن على مذهب الإمام الأعظم الشافعي. كيف أعرف الصواب بين هذا وذاك؟ لا أعرف ما هي المؤثرات التي جعلت هذا التساؤل يخطر في بالي. ولكن هذا التساؤل الأولي المبكر لا يزال هو التساؤل الفلسفي الذي يشغل العالم. لقد تطور السؤال بعد ذلك ليس إلى معرفة الصواب والحق في المذاهب الفرعية للسنة أو الشيعة بل إلى الأديان المختلفة، إلى المؤمنين والذين لا يؤمنون، بل إلى كيف نعرف الحق.

إن هذا التساؤل الطفولي والفلسفي العميق هو الذي جعلني أصل إلى سؤالك الرابع حين قلت في ذاك السؤال:"تشدد كتاباتكم على وجود مصدرين للمعرفة هما: القرآن وتاريخ العالم وأن الذي يجهل التاريخ لا يمكن أن تكون معرفته سليمة. ما هو موقع تاريخ العالم من القرآن وكيف يكون تاريخ العالم رديفاً للقرآن؟" ما أدري كيف سأقرب للقارئ الفيافي والقفار التي قطعتها حتى وصلت إلى جعل التاريخ مصدر المعرفة. اقتضى هذا مني أكثر من نصف قرن وأنا أحمل هاجس كيف أعرف، وأنني أعرف أنني أعرف. لقد قلبت وجهي في السماء لأجد القبلة التي تعرفني الحق. هذه المحطة الأولى محطة إنسانية.كل إنسان يهجم عليه هذا السؤال المصدع والمحير:كيف أعرف الحق؟ في هذا الخضم كيف سأخرج من سفسطائية الذين يقولون أنه لا يوجد حق كما في الفلسفة القديمة أيام اليونان والفلسفة الحديثة التي اصطدمت بجدار العدمية؟ إن الإنسان العامي البسيط يعاني من هذا وهو لا يكتم ذلك حين يقول لو ولدت في بلد كذا لكنت على دين كذا، وهذا ما في الحديث من أن كل مولود يولد على الفطرة ثم بعد ذلك فأبواه وبيئته تصنعه مسيحياً يهودياً مجوسياً إلخ… هنا يبرز أثر البيئة والآباء كمصدر للمعرفة. والقرآن يدين جعل الآباء مصدر للمعرفة. البيئة الاجتماعية والآباء ليسوا هم مصدر المعرفة. بل مصدر المعرفة يحكم على الآباء والبيئة الاجتماعية بالصواب والخطأ. وهنا من غير أن نشعر اصطدمنا بالسؤال الثامن من أسئلتك التي وجهتها إلى حين قلت: "تكرر في كتاباتك الدعوة للتحرر من [[العلم والآبائية. أي التخلص من تعظيم الآباء وإعطاء العصمة لهم، وتبرر ذلك بأن الآبائية تحجب أية رؤية جديدة. هل يعني ذلك أنك تدعو للقطيعة مع التراث؟ أليس النمو من دون جذور هو نمو موهوم لأنه كنمو الهوام؟" هنا أتذكر اسم كتاب للرئيس الإيراني خاتمي "بيم موج" ضمنه بيت من الشعر الفارسي ترجمه المترجم بقوله:

يا خفيف الجناح

يا من يتنعم بالنسيم

ما يدريك ما نحن فيه من الظلام والحيرة.

محطة الآباء

ربما آخر المحطات الفكرية التي وصلت إليها، وإن كنت لا أزعم أني مررت بها، هو التخلص من سلطة الآباء. لابد من تحليل سلطة الآباء، سلطة ثقافة الآباء أو الآبائية. إن جعل الآباء مصدر المعرفة مشكلة، وتجاهلهم مشكلة. ولكنهم بشر، "بل أنتم بشر ممن خلق". إنني أختار عناوين لكتبي أجزاء من آيات قرآنية. وأطمع أن أكتب كتاباً بعنوان "بل أنتم بشر ممن خلق". شبهة تعظيم الآباء تأتي من أننا صفر بدون آباء. وكان سؤالك معبراً لما قلت: "أليس النمو من دون جذور هو نمو موهوم كنمو الهوام؟"

هنا تداعي الأفكار وتداعي أسئلتك يذكرني كيف عثرت على فكرة انقلابية عند مالك بن نبي في تعريف التاريخ على هامش كتاب-أظنه "ميلاد مجتمع"- لما قال: التاريخ هو التغير والنمو لأن الزمن الذي لا يحصل فيه نمو وتغير زمن ميت. وضرب المثل بالنمل والنحل أنه من ملايين السنين هي على ما هي عليه في حياتها. فلو حذفنا مليون من تاريخها ووصلنا السابق باللاحق لما شعرنا بأن شيئاً سقط. بينما الإنسان ليس كذلك. الإنسان صيرورة مستمرة "يزيد في الخلق ما يشاء…ويخلق ما لا تعلمون ". يا خفيف الظل، يا من يتمتع بالنسيم، يا أخي عبد الجبار، كم نحن في حاجه إلى البيان وإلى النور وكم نعيش في الغبش والظلام، وكم نحمل من آصار "أثقال" تعيق نمونا وحركتنا، وكم نحمل من أغلال على أيدينا وأرجلنا. ومهمة النبوة هي "ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم".

محطة آخر الزمان

محطة فكرية أخرى في ضحى يوم في نهاية الأربعينيات من هذا القرن. حين كنت أدرس في الأزهر في القاهرة خطر لي وقلت لنفسي إنهم يوحون إلينا أننا في آخر الزمان وأنه ما من يوم إلا والذي بعده شر منه. فكيف سأجند نفسي لمبدأ محكوم عليه بأن يومه أسوأ من أمسه وغده أسوأ من يومه. لولا أن حاجة الإنسان إلى الإيمان لا يمكن قهرها لقطعت الأديان. ولكن الأديان مهما أفسدت تحمل حاجة إنسانية وشعوراً بأن هذا الكون ليس عبثاً وأنه يوجد فيه حق، وإن كان يؤجله البعض إلى اليوم الآخر إن لم يتمكنوا من رؤية ذلك في حياتهم الدنيا. وعند ذلك خطر لي تساؤل: من أين جاءت فكرة "آخر الزمان"، وهل لها وجود في القرآن؟ وقرأت القرآن على هذه النية فلم أعثر على شيء من ذلك، بل عثرت على "من يعمل مثقال ذرة خيراً يره" ووجدت "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد".. ومن كان يظن أن لن ينصره الله فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع…" ونجد "وعد الله الذين آمنوا… ليستخلفنهم في الأرض …" الخ. ولكن المجتمعات حين تكف عن الزيادة في الفهم والخلق "الصيرورة" تصاب بالإحباط وتنتشر فكرة آخر الزمان، لأن الزمان توقف عندهم.

أخي عبد الجبار، أنا لست صاحب بيان دقيق. لهذا أطيل الكلام والمحتوى ضئيل. ماذا أقول لك؟ أنا أوجه الخطاب إليك وليس إلى القارئ لأنك أنت الذي أثرت الشجون ولمست الجراح.

إن العالم الإسلامي عاش في التيه ولا يزال وببطء شديد يتحرك. هذا بالنسبة لنا نحن المتلهفين ليقظة العالم الإسلامي، ولكن الذين ينعمون بنومنا ينظرون إلى الموضوع بشكل مختلف، كأننا نتحرك بسرعة إلى الوعي والفهم.

يا أخي، مشكلة الآباء مشكلة فنحن بدونهم صفر، لأن تراكم تجاربهم هي التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه وبدونهم ينبغي أن نرجع إلى الكهف والغابة التي تمد من يعيش فيها بالغذاء بدون زراعة. ولكن إذا وقفنا عند ما وصلوا إليه وأنهينا التاريخ عندهم نكون رجعنا إلى الكهف ولكن بمعنى آخر وكهف آخر لأننا نكون أوقفنا عجلة الزمن أيضاً. إن العلاقة السليمة بالآباء هي أن "نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم". إننا في حالة صعبة، لا قدرة لنا على تجاوزهم. يا رب الضوء! الضوء! نريد أن نرى الأمر كما هو وليس كما رأى آباؤنا. نعم إنهم من ألف وأربعمائة عام ظلوا في انحدار وكل هزيمة ترقق الهزيمة التي قبلها. أنا لا أحمل أي ضغينة للآباء. إنهم أدوا دورهم ولم يكن أمامهم تاريخ مثل الذي أمامنا. إنهم معذورون، ولكن ينبغي أن نتخلص من السلبيات ونرى ما زاد الله في خلقه المستمر. والذين قاموا بالحركة كانوا غيرنا، ولم يكن العالم الإسلامي وراء الإضافات الحديثة في العالم. "وتلك الأيام نداولها بين الناس".

إلى الآن لم نفهم الواقع والتاريخ لأنهما ملغيان عندنا بواسطة النص، بينما التاريخ والنص هما الزوجان الذي بدون أحدهما يصاب الوجود بالعقم. إن تقنية الكتابة هي نقل المعنى والخبرة بالرمز، شيء جديد في حياة الإنسان. ميزة الإنسان عن غيره من الكائنات الحية أنها كلها تحمل سلوكها في جيناتها. بينما الإنسان لا يخرج من بطن أمه ومعه سلوكه ومستقبله كباقي الأحياء. الإنسان يخرج من بطن أمه لا يعلم شيئاً ويبدأ تعلم سلوكه بعد الولادة. كان المناطقة يقولون: الإنسان حيوان ناطق، لأن الإنسان كان ينقل الخبرة بالنطق، بالكلام. ونحن لا نعلم متى تكلم الإنسان بدقة. ولكن نعلم بدقة متى كتب ونعلم ذلك بدقة لأنه ترك أثره على الحجر والجلد والورق من خمسة آلاف سنة، وهذا الذي نسميه نص وكتاب. الكتاب مقدس لأنه التقنية التي حفظت الخبرة البشرية. كانت الخبرات تذهب وتضيع بموت الإنسان لأن الدماغ البشري حين يموت تموت معه الخبرة. عاش الإنسان في الحياة الشفهية وأخذ هذا وقتاً طويلاً جداً. ولم ينّزل الله كتاباً حتى تعلم الناس الكتابة وحتى آخر الأنبياء لم يكن كاتباً. لهذا قال الله عن آدم من أنه علم آدم الأسماء ولم يقل أنزل عليه كتاباَ. الإنسان تعلم كيف ينطق ويضع الرموز الصوتية على المعاني، له قدرة على التسمية. إذا حصلت الخبرة والفهم يمكن أن يضع الإنسان الاسم لكل المستجدات المادية والفكرية. هذا معنى علم آدم الأسماء، لا أنه علمه جميع اللغات. ولكن الإنسان تعلم تقنية الكتابة لاحقا. ولهذا "القرآن" -وهذا الاسم بالذات من تقنية الكتابة وفك الرموز، أي قراءتها. وأول كلمة في آخر رسالة هي "اقرأ"، لأن الرمز لا يستقل بذاته فنحن الذين نولد العلاقة بين الرمز والمرموز، وهنا مشكلة النص. النص لا قيمة له بدون ارتباط بواقع، والواقع ضائع بدون نص، فصار النص شيئاً أساسياً في حياة الإنسان. لا يمكن أن يعيش الإنسان بدون نصوص. والتقنيات ازدادت ليس بالكتابة فقط بل بحفظ الكلام والصوت، بل وأضيفت إليه الصورة. إننا نتعلم بتبلد شديد صلة النص بالواقع أو الاسم بالمسمى. لهذا الله بالذات يقول لنا إذا عرفتم الواقع ستعرفون أن هذا الكتاب حق لأن الكتاب المنفصل عن الواقع يمكن أن يضل بل ينبذونه وراءهم ظهريا. ولو اقتصرنا على النص في فهم الفلك الدوار لظللنا نقاتل بعضنا بعضاً على التفسير ولكن الذي حسم المشكلة ليس النص بل النظر إلى الفلك والنظر إلى ما في السماوات وما في الأرض، إنها آيات الآفاق. والنظر إلى طبيعة الجهاز العصبي الخازن للخبرات هي "آيات الأنفس". ما لم نقر ونعترف بالعلاقة بين النص- الكتاب- والواقع الذي يتحدث عنه سنظل في التيه وتكفير بعضنا بعضا.

محطات أخرى

محمد عبدو: لما قرأت سطراً واحداً لمحمد عبدو يقول فيه: هؤلاء الذين يقيمون القيامة على الدين لم لا يقيمونها على حبهم للدنيا؟ هذا الكلام أثر في كثيراً. مزق التابو المحرم. مزق الحاجز. فقلت في نفسي: إذن يمكن أن نفهم الوضع بشكل مختلف.

محمد أسد: وكذلك لما قرأت كتاب" الإسلام على مفترق الطرق" لمحمد أسد- لا أذكر الفكرة – عثرت عنده على فكرة حلت مشكلة عندي. فصارت المشكلات كلها قابلة للحل.

وبعدها فهمت قوله تعالى "سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون." "سخر" أي كلفه خدمة بدون أجر. نحن نأمر والكون ينبغي أن يستجيب وإذا لم يستجب فالخلل ليس في الكون وإنما فينا نحن. ولكن نمو الأفكار كان بطيئاً وإن كانت هناك محطات مضيئة.

محطة مالك بن نبي

مالك بن نبي هذا وأنا طالب وكلي عين وأذن وأطبخ ما أرى وأسمع وأحلل إلى أن تخرجت من الأزهر في أواسط الخمسينات من هذا القرن الميلادي. فوقع في يدي كتاب"شروط النهضة" لمالك بن نبي فكانت المحطة الكبرى في المسيرة الفكرية. أول مرة لم أفهم جيداً ماذا يريد ولكن أحسست بنموذج جديد للفهم والتحليل فقرأت وقرأت ودرست. بعد ذلك كنت أقرأ كل كتاب كان يصدر له بتأمل حرفاً حرفاً سطراً سطراً أجمع المتماثلات المبعثرة في كتبه من أماكنها وأقربها للنظر ثم أبعدها وأتأمل فيها. ربما قرأت كتاب الأفريقية الآسيوية أكثر من ثلاثين مرة، وكنت أبدأ عند تدريسه بالفصل الخاص بالأفريسيوية والعالم الإسلامي وأعظم ما أثر في فكرة "القابلية للاستعمار". هذا المفهوم كبير وينبغي أن يكبر أكثر مما عند مالك. إنه المفهوم القرآني "ما أصابك من سيئة فمن نفسك". إن مالكاً شذ عن النغم الذي كنا تعودنا سماعه عند الأفغاني وعبده وحتى إقبال. كم صدمني هذا حين حول نظره عن لوم الأعداء: الاستعمار، الإمبريالية، الصليبية، الصهيونية، الماسونية، وكل الأعداء. حيث لم يكن متدين أو علماني يقف على منبر إلا ويلقي اللوم والتبعية على الآخرين المذكورين كلهم. ولكن ما أشد خفوت الصوت والكلام عن سيئاتنا التي تمكن الآخرين من التلاعب بنا- هذا إن وجد صوت وكلام عن سيئاتنا. هذه فكرة عملاقة. إنها تغيير في توجيه المسؤولية، وكم كان مفاجئاً لي لما قال: إن العالم الإسلامي حين يلتقي في المؤتمرات يجعل المشكلة الفلسطينية هي المشكلة الأولى للعالم الإسلامي وهذا خطأ لأن القابلية للاستعمار والتخلف الذي نعيشه هو المرض الحقيقي، وما فلسطين وكشمير وأريتيريا و و…إلا أعراضاً للمرض الأساسي، وكم كان مؤلماً لي حين قال: إن القابلية للاستعمار تكونت عندنا قبل أن يخطر في بال الاستعمار أن يستعمرنا. وكم كان المخطط الذي رسمه لمسيرة الفكرة الإسلامية في كتابه "شروط النهضة" معبراً حين جعل المنطلق من غار حراء إلى صفين إلى ابن خلدون ثم إتمام الانحدار إلى الاستعمار والتخلف، وكم كان صادقاً ومفاجئاً حين قال: إن القابلية للاستعمار لم تصنع في باريس ولندن وواشنطن وموسكو، وإنما صنعت وتكونت تحت قباب جوامع العالم الإسلامي ومساجده من بخارى وسمرقند ودهلي وطهران وبغداد ودمشق والقاهرة والقيروان محور طنجة، جاكرتا. وكم كان محدقاً بعمق للمشكلات حين قال أيضاً: إن إنساناً يجهل إضافات القرن العشرين للمعرفة الإنسانية لا يمكن إلا أن يجلب السخرية والتشنيع إلى نفسه. ترى يا أخي عبد الجبار والألم يعتصر قلبي من بطء الحركة والتبلد الذي نبديه، ليس فقط أننا متبلدون بل نلقي حلة مثالية على عوامل تخلفنا وعندنا استعداد حتى الموت في سبيل الحفاظ عليها.

محمد أركون: ماذا سأذكر من المحطات؟ ربما آخرها أيضاً قراءتي لمحمد أركون. هذا الرجل عنده شيء لا هو مقدس ولا هو دنس حقير كما يقول مالك بن نبي عن العالم الإسلامي الذي يرى الأمور إما بشكل طاهر مقدس أو دنس حقير وما أسهل وأسرع أن يتحول أحدهما إلى الآخر فيتحول المناضل إلى عميل خائن والمؤمن إلى كافر زنديق.

محطة محمد إقبال

أما محطة إقبال ليست مثل محطة مالك بن نبي، المهندس الكهربائي. إن إقبالاً شاعر صوفي محلق في الملكوت يحاور الإنس والجن والشياطين والاستعمار ويحاور رضوان، خازن الجنة. يقول إقبال:

أبصرت عيناي نبض الأنجم وبعرق البدر دورات الدم

علم إقبال كَمّ هذا الكون وكيفه، وفهم أن الإنسان جارحة القدرة الإلهية وهو الذي علمني أن الإسلام والقرآن وإن نشئا في عصر ما قبل العلم فإن القرآن بشر بعصر العلم. وهو الذي علمني قيمة آيات الآفاق والأنفس حين قال: القرآن يعتبر الآفاق والأنفس مصدراَ لمعرفة الحق. وهو الذي أضاء ولا يزال يزداد ضوءاً قوله تعالى: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد"، وإقبال هو الذي قال عن نفسه وعن جلال الدين الرومي:

صير الرومي طيني جوهرا من غباري شاد كوناً آخرا

كذلك وضعني إقبال على طريق المعرفة كما قال الرومي عن شمس الدين التبريزي حين افتقده وظل يبحث عنه دون كلل حتى تنبه يوماً فقال: أنا ما كنت أبحث عن شمس، أنا كنت أبحث عن نفسي فوجدتها. فعاد وكف عن البحث عن شمس تبريز. إقبال هو الذي فهم مغزى ختم النبوة. وما أهم هذه الفكرة. التاريخ هو الذي سيكشف في المستقبل أهمية هذه الفكرة. نحن نقول إن محمداً (ص) خاتم النبيين، ولكن ما ثقل ووزن هذه الفكرة؟ إن النبوات من عهد نوح إلى محمد أقل من خمسة آلاف عام من بدء النبوة وختامها. وبعد مليون سنة كيف سيكون الناس؟ إقبال يقول: حق أن تختم النبوة حين صارت آيات الآفاق والأنفس مصدراً لمعرفة الحق. إن إقبالاً هو الذي ساعدني على معرفة كيف أعرف الصواب والخطأ بين المذهب الحنفي والشافعي لما قال: إن طريق معرفة الحق في المذاهب والفلسفات والأديان والثقافات والحضارات هو أن تنظر إلى نموذج الإنسان الذي أنتجه هذا الدين أو الثقافة. وإقبال كان نظره الفزيولوجي قصيراً ولكن رؤيته الفكرية كانت محلقة. فإقبال حل لي مشكلة الشريعة بأفكاره العملاقة، شريعة الله هو العدل وكل ما هو أقرب إلى العدل هو شريعة الله. إن المحور الذي تدور عليه الشريعة هو العدل. وأما بالنسبة لتفاصيل الأحكام فكل عصر يمكن أن يقترب من العدل والإحسان كأهداف أسمى. لقد ذكر ذلك حين ناقش مسيرة الأتراك ومفكري الأتراك أيام الانقلاب العثماني.

ماذا سأقول... يا طير، يا خفيف الجناح، يا من يتمتع بالنسيم، ما يدريك ما نحن فيه من الظلام والحيرة والاقتتال والذبح لبعضنا؟ أين المضاءة أين الدايزين على رأي هيدغر؟ أين النور؟

أظن إلى هنا حاولت أن أجيب على السؤالين الأولين: المحطات الفكرية والمكونات الثقافية.[[تصنيف:أسئلة من مجلة قضايا إسلامية معاصرة