فقدان التوازن الاجتماعي مقدمة

من Jawdat Said

اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

كن كابن آدم


Fuqdanaltawazon.jpg
تحميل الكتاب
مقدمة وتمهيد
فقدان التوازن الاجتماعي مقدمة
الفصول
فقدان التوازن الاجتماعي الفصل الأول
الشُّعور بالمنبوذية
فقدان التوازن الاجتماعي الفصل الثاني
أثر المُبرّر
فقدان التوازن الاجتماعي الفصل الثالث
عالم الغيب وعالمَ الشهادة
فقدان التوازن الاجتماعي الفصل الرابع
بين المبدأ وضغط الواقع



بسم الله الرحمن الرحيم


الحَمْدُ للهِ

وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِه الَّذِينَ اصطفَى


رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا

إِنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَليِمُ




بقلم: ليلى سعيد

هذا الكتيِّب رسالة من مجموعة رسائل تلقَّيتها من أخي جودت سعيد عام 1968، أيام محنة لم تكن فيها من صلة بيننا سوى الرسائل، وكنت أُطلع عليها من كنت على صلة معهم من الإخوة والأخوات، إلا أنه كان في نفسي ومازال: إن هذه الرسائل ينبغي أن تُنشر، لما فيها من موضوعات شيِّقة ومفيدة.

ولهذه الرسالة قصة قصيرة، تبدأ منذ أن تعرّفنا على الأخت التي تُجري ترتيبات السفر إلى أمريكيا للالتحاق بزوجها الذي يتابع دراسته هناك.

ومضت فترة، ونحن على صلة معها نتدارس ونتباحث، ومما زاد من اهتمامنا بها معرفتنا بزوجها، وما له من مزايا في الجدّ والاجتهاد.

ولمَّا كان يتطرق الحديث إلى اللباس الشرعي، كانت بعض الأخوات يُشجِّعها على ارتداء الجلباب عملاً بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ، وَبَنَاتِكَ، وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ، ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ، وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) الأحزاب -59.

وكانت تُجيبهن: إن أسْرتي لا تسمح لي بذلك، وإنني سأواجهُ مِنْ كلِّ مَنْ حولي مِنْ أهلي وأقاربي معارضة شديدة لا أستطيع مجابهتها، وإنني سأسافر قريباً إلى بلد الحرية، إلى أمريكا، وهناك لا يتدخل أحد في شؤوني الخاصة، ألبس ما أشاء، وما يروق لي، وإني انتظر اليوم الذي سأسافر فيه، حتى ارتدي الجلباب وأسافر به، وإن زوجي سيسرّه ذلك.

وفعلاً: حان موعد سفرها، وكانت قد أعدَّت جلباباً أنيقاً مع خِمار، فلبسته وسافرت … ثم أرسلت بعد وقت قريب إلى إحدى الأخوات رسالة تُعلمها فيها بأنها بعد وصولها خلعت الجلباب، لأنها شعرت بأنها إن بقيت بهذا اللباس فستكون منبوذة وستكون حبيسة البيت، وذكرت الأدلَّة على ذلك بأن الذين كانوا في استقبالها في المطار من أصدقاء زوجها قد أظهروا جفاء وانسحبوا حين رأوها بلباسها هذا، وأنها بعد أن فكرت، وقلَّبت الأمر، كشفت أنها كانت غبيَّة حين كانت تظن أنها لا تستطيع أن تكون مسلمة داعية بدون حجاب، وأنها رجعت إلى الآيات المتعلقة بالحجاب فوجدت أنها نزلت بعد تكوّن المجتمع الإسلامي، وأن ظروفها تختلف عن ظروف المجتمع الإسلامي، وما إلى هنالك من المسوغات والمبررات…

لقد كان الخبر غريباً على الأخوات، ومفاجئاً لهنّ، واختلفت الغرابة والمفاجأة عند كل واحدة منهن بقدر ما عندها من تصورات ومفاهيم.

وقصَّتنا هذه، ليست قصة تخصُّ أفراداً معينين فحسب، لا إنها قصة متكررة مع كل من يمر في مثل مراحلهم، ولعل أطراف القصة تختلف من فرد إلى آخر، إلا أن الأصل والسبب واحد، ألا وهو: العجز عن التوازن بين المبدأ والواقع.

والآن.. وبعد مضي عقد من الزمن، وبعد أن قُدِّر لي ولعدد من أخواتي في الله رؤية العالم الغربي، والتعرف هناك على عدد جيد من النخبة التي تتابع الاختصاصات في مجالات عديدة من بلدان العالم الإسلامي، إخوة وأخوات، وسمعت ورأيت من مظاهر تلك القصة وذلك:

- وفي صورة الشاب الذي يمد يده ليزيح عن رأس عروسه التي اصطحبها معه إلى أوروبا غطاء شعرها قائلاً لم يبقَ لهذا دور في هذه البلاد.

- وفي صورة الزوجة التي لا تكترث لرغبة زوجها المؤمن، وإلحاحه على التزام شرع الله في لباسها مدَّية: أن اللباس الشرعي لا يتناسب مع الاختصاص الذي يمارسه زوجها أو الذي تمارسه هي، غي حين رأيت مؤمنات ملتزمات في الاختصاص نفسه.

- وفي صورة مجموعة من زوجات الأطباء كنَّ يحاولن أن يكون غطاء الرأس يتناسب مع بعض التقليعات الأجنبية حتى ينفين عن أنفسهن أيّ مظهر يدلّ على أنَّهنّ! شرقيات، ومنتميات إلى العالم المتخلِّف. وبعضهنَّ رفضنَ الاعتراف بذلك، وحاولن إيجاد مبررات أخرى، ألا أن الصريحات منهنّ ذكرنَ لي بوضوح دوافعهن إلى اختيار تلك الأشكال …

- وكذلك في صورة امرأة وسط مجلس يضمُّ رجالاً ونساءً، في لباس غير محتشم على أقلّ تقدير … وقت قلتُ لها بعد أن انفضَّ المجلس وانفردت بها: فهمنا أنكن تبغون بكشف الشعر وأطراف الجسم إظهار المفاتن والجمال، ولكن وصل الأمر إلى إظهار ما ليس بجمال!! وأيُ جمال تبغون من شف أجزاء من الجذع؟! إن الأمر خرج من الجمال إلى الابتذال!!.

قالت مفسِّرة ومبررة: لقد كنت محجبة، وقضيت سنوات الدراسة الجامعية مع التمسك بحجابي، ولمَّا تخرجت ودخلت العمل تراجعت، ولما تزوجت وسافرت لم أجد حولي سنداً يدعمني، لذلك ما استطعت المحافظة على ما كنتُ عليه، وتركت الحجاب، وتركت الصلاة!! ولم يبق لديَّ سوى صيام شهر رمضان.

وقفت عند قولها لم أجد حولي سنداً يدعمني. وكانت تقصد أنها لم تجد أشخاصاً يدعمونها، ويشجِّعونها، ولكن انتقل ذهني إلى سند من نوع آخر، فلو كانت عندها فكرة تدعمها، ألم يكن في الإمكان الاستمرار؟ …

وهكذا.. بعد أن تكررت القصة، وزادت تجاربي، شعرت بأهمية عرض هذه الأفكار، كي تتاح لها أن تصل إلى أيدي إخواننا وأخواتنا، خاصة المقيمين منهم على محور موسكو - واشنطن، ذلك المحور الذي يتيه فيه من لا قدرة له على التوازن بين المبدأ والواقع، أو بين النظرية والتاريخ، أو بين الفكرة والتطبيق.

إن الفكرة التي تفقد السند الاجتماعي تتعرض للزلزلة، والمسلم في الوضع الراهن يُعاني من هذه المشكلة، فالمسلم في عمومه لا يعاني من أزمة في مبدئه الديني، وإنما يعاني من عجزه عن حل مشكلاته وفق السنن الاجتماعية، وهذا العجز ينعكس بدوره على مبدئه، ومعظم الذين يفقدون الإسلام من أهله أو من غير أهله، ينطلقون من هذه النظرة.

وهذا الموضوع بحاجة إلى تفصيل أدق كي يكون واضحاً، فإن وضوحه يحلُّ كثيراً من المشكلات. وقد أكد الأستاذ مالك بن نبي - رحمه الله - على هذا الجانب في فصل: العالم الإسلامي وفكرة الأفرو آسيوية، من كتابه « فكرة الأفريقية الآسيوية ».

ويمكن إلقاء ضوء أكثر وضوحاً على هذه الفكرة بأسلوب آخر، هو أسلوب الإخلاص والصواب، فقد يكون الإنسان مخلصاً جداً، يبذل نفسه وماله في سبيل مبدئه، إلا أن إخلاصه هذا غير كافٍ للنجاح إن لم يكن عنده علمٌ في كيف يخدمُ مبدأه.

هذه هي مشكلة العالم الإسلامي: مشكلة الإخلاص والصواب، أو مشكلة المبدأ والواقع، أو مشكلة الفكرة والتطبيق، أو مشكلة الانفصام الاجتماعي، أو مشكلة الإيمان والعلم.

وتلكم هي القصة كما كتبتُها إلى أخي جودت، ولنتأمل الآن رسالته الجوابية التي يكشف فيها الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى فقدان التوازن الاجتماعي، ذلك أن كشف هذه الأسباب يجعلنا نتبين بعض سنن تغيير النفس والمجتمع.

وهو الذي كتب إليّ يقول:

… وأشعر أنني أُطِلُّ على العالم من خلالك … ولئن كانت الرسالة موجهة إليّ، فالأفكار لكل من يبحث عن الصواب.

الخميس 25/6/1398 هـ

1/6/1978م