فقدان التوازن الاجتماعي الفصل الثالث

من Jawdat Said

اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

كن كابن آدم


Fuqdanaltawazon.jpg
تحميل الكتاب
مقدمة وتمهيد
فقدان التوازن الاجتماعي مقدمة
الفصول
فقدان التوازن الاجتماعي الفصل الأول
الشُّعور بالمنبوذية
فقدان التوازن الاجتماعي الفصل الثاني
أثر المُبرّر
فقدان التوازن الاجتماعي الفصل الثالث
عالم الغيب وعالمَ الشهادة
فقدان التوازن الاجتماعي الفصل الرابع
بين المبدأ وضغط الواقع


أثر المُبرّر

« الر. كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ … » إبراهيم - 1 -

وعدم إدراك المسلم لأهمية جانب عالم الشهادة، يفقده وظيفته، وأداء واجبه، فالإنسان الذي يؤدي واجبه بهمَّة ونشاط، سواء في لعبة الكرة التي يمارسها الشباب للتسلية، أم في واجبات الأسرة اليومية، أم في المجتمع الخاص، أم في المجتمع الأعم، يدرك أنه يعمل عملاً يؤثر في المجموع، فلاعب الكرة ينشط حين يدرك أنه يقوم بعمل يساهم في نجاح فريقه، وأنه ليس عالةً عليهم، أو معيناً لهم فحسب، أو عاجزاً عن أن يساهم في مساعدتهم لرفع مستوى عملهم.

وقد يصاب بعض الناس بأمراض نفسية حين يشعرون بأنهم لا يتمكنون أن يساهموا في شيء من حياة من يعيشون معهم، وإن الفقدان الكامل للشعور بأية مساهمة مهما كلن نوعها يؤدي إلى الانتحار، حين يصل الشعور إلى قمته في بعض المجتمعات، والدوافع التي تؤدي إلى الانتحار لدى الطلاب الذين يخفقون في النجاح هي من هذا القبيل، وقد يصل بهم الإحساس بالإخفاق إلى العجز عن إمكانية مقابلة الناس، فيرون الموت أسهل عندهم من أن يراهم الناس مخفقين في أداء واجباتهم.

ويؤدي الأمر إلى أمراض مختلفة في الحساسية، أو في تلبد الإحساس، والعش الطفولي، ومظاهر أخرى مختلفة.

ومقابل هذا، نجد في الطرف الآخر الإنسان الذي يملك ما يثبت به للآخرين ويدلهم به على أنه يساهم في أعمالهم، أو أنه يستطيع أداء عمل لهم قد يعجزون عنه.

ومرة كنت بين أطفال في مسجد من مساجد لاهور الباكستانية، وقد أحاطوا بي ينظرون إليَّ، وأنظر إليهم، ولكن لا يستطيعون التكلم معي، ول أستطيع التكلم معهم لاختلاف لغاتنا، فخطر لي أن أتعلم منهم الأعداد من 1.. إلى 10 باللغة الاوردية، وبشيء من الإشارة واستخدام بعض الأعداد، وأريد أن أتعلمها منهم، فرأيتهم فرحوا لذلك، وسروا سروراً عظيماً، خاصة حين أمكنهم أن يساعدوني في تعلم هذا الذي لم أكن أعلمه، ويعلمونه هم. فصار كل واحد منهم بذلك أستاذاً لي.

وبهذا المثل البسيط يمكننا أن نفهم السر في انطلاق مسلمي الصدر الأول بأقصى توتر إيجابي شهده العالم، إنهم كانوا يشعرون بأن الله ابتعثهم ليقدموا حقيقة هذا الدين الذي يكّرم الإنسان، ويخرجه من ذل العبودية لغير الله، إلى عبودية الله وحده، ومن الظلمات إلى النور، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة …

فمعنى هذا أن الإنسان الذي يدخل بين بشر آخرين، ويستطيع أن يساهم في حل مشكلة من مشكلاتهم، يشعر بمكانته بينهم، فلا يدخل ذليلاً مهيناً، بل يشعر بكرامته ومكانته.

هذا شأن فهم الفرد لوضعه في الأسرة، فإذا شعر أنه لا يمد الأسرة بشيء فإنه لا يصعب عليه فقط حل مشكلاتها وإنما هو عالة عليها أيضاً، وكذلك يمكن تصور هذا الوضع مع مجتمع معين، ومع المجتمعات الأخرى في العالم في المساهمة في حل مشكلات العالم.

فَفَهْمُ علاقة الفرد بالأسرة، ساهم في معرفة علاقة الأسرة بالمجتمع الخاص، وفهم علاقة الأخيرين يساهم في فهم علاقة المجتمع الخاص بالمجتمعات العالمية، فكما أن شعور الفرد بأنه يساهم في إقامة مجتمعه، ويستطيع أن يقدم له شيئاً. إن هذا الشعور يعطيه التوازن والشعور بالكرامة، كذلك المجتمع الخاص مع المجتمع العالمي يحدث له الشعور نفسه، فيرفع من معنويات الأفراد المنتسبين إليه …

إن موقفاً مُشرفاً لممثل مجتمع ما، في المجتمع العالمي في الوقوف أمام الأخطاء دون استمرارها، أو اقتراحٍ ما، يخرج العالم من أزماته، وينتزع من المجتمعات العالمية الإعجاب والاعتراف.

إن إدراك أثر مثل هذا الموقف في معنويات الأفراد الذين يكون هذا شأن ممثلهم سوف يرفع بهم إلى مقام كبير، وسوف يشعرهم بأثر الخدمة اليومية التي يقومون بها في بناء مجتمعهم، وأثرها في العالم أيضاً، وربما استطاع غاندي أن يحمل مثل هذه النسمات المنعشة إلى حد ما، إلى قلوب الملايين من أمته، ويرفعهم من درك الحقارة إلى الشعور بالذات، وببعض المعاني التي يمتاز بها.

والمجتمع الإسلامي اليوم محروم من مثل هذه النسمات، وهو غائب لا يساهم في بناء العالم، ول في حل مشكلاته، بل لا قُدرة له على أن يحول دون التآمر العالمي عليه، وبقدر ما يحرص الآخرون على التآمر عليه، بقدر ما يسهِّل هو مهمتهم، وذلك بغفلته، ولوثته، وهم (مسلمو اليوم) أدنى من (تَيْم) القبيلة التي يصفها الشاعر بقوله:

ويُقْضى الأمْرُ حين تَغيبُ تَيْمٌ ولا يُستَأمرُونَ وهُمْ شُهُودُ

بل إن العالم الإسلامي لا يدخل المجتمع البشري كمجتمع مسلم أو باسم مجتمع مسلم، لأنه فقد كيانه كمجتمع مسلم، وإنما يدخل المجتمع العالمي كمجتمع قومي أو وطني، فمعنى هذا أن أمره لم يقتصر على عدم مشاركته في صنع العالم، بل ليس له وجود، أو حضور شخصي ذاتي، فقد زالت شخصيته من الوجود الدولي، فالمسلم لا يحضر العالم اليوم كمسلم، وإما يحضره كهندي أو عربي أو إيراني، أو تركي.. الخ.. وهذا الوضع قضى على شهود الشخصية المعنوية، وهنا سقط وجوده في الأسرة الدولية، فكيف يمكن أن يتحدث عن مهمته، وهو لما يولد بعد؟ ولما يولد حضوره؟ وإن البحث في أية قضية يأتي بعد وجود صاحبها. وكان عملاً ناجحاً بالنسبة لمن قرروا مصير الرجل المريض، حين أمكن نفي الشخصية الإسلامية من الوجود بهذا الشكل الذي آل إليه، وحُوفِظَ على استمرار نفيه، حتى لا يثبت وجوده.

وإن فهم القضية بهذا الشكل يساعد على إحياء هذه الشخصية، وعلى توضيح ما يمكن أن يساهم به (بعد إحيائها) في بناء العالم.

فالفرد المسلم عليه ضغط وأثقال من هذه الأوضاع التي يعيشها، فلا وجود له، ولا يُعْتَرَفُ به في المجتمع العالمي، ولا وجود له حتى في دولته القومية الخاصة، وإن كان له وجود قومي في دولته الخاصة، وله وجود دولي كعربي أو تركي … إلا أنه لا وجود له دولياً كمسلم إنما كمواطن فقط.

والمسلم لا يُدركُ أبداً هذا التفصيل، ولا كيف حدث له، ولا كيف يرفعه عن نفسه، وإنما فقط يحمل ضريبة الذل والمنبوذية والهوان حين يمارس عمله اليومي في وجوده كإنسان، فهو مُعترف به كإنسان لا كمسلم، والمشكلة كامنة في الأمية الفكرية التي يعيشها العالم الإسلامي، فهذا الوضع الفكري هو الذي يَشُلُّ كل قواه، ويجعل طاقاته معطلَّة، ومُسخّرةً لصالح غيره، ثم لم يدرك المسلم بَعْدُ أن جُهده اليومي هو الذي يمكن أن يغير هذا الوضع، وإنما يظن أن أعمالاً أخرى كبيرة هي التي ستغيرَّ، ولا يفطن البتة إلى أن عمله اليومي متصل حتى بهذه الأعمال الأخرى والكبيرة التي ينتظرها، وأن هذه الأعمال لا توجد إلا بهذه الجهود اليومية التي ستغير من النفس، فالأمر كما يقول الأستاذ مالك بن نبي - رحمه الله -:

« … إن التاريخ لا يبدأ من مرحلة الحقوق، بل من مرحلة الواجبات المتواضعة - في أبسط معنى الكلمة - الواجبات الخاصة بكل يوم، وبكل ساعة، بكل دقيقة، وليس في معناها المعقَّد كما يعقَّده عن قصد أولئك الذين يعطلِّون جهود البناء اليومي بكلمات جوفاء، وشعارات كاذبة.. يعطِّلون بها التاريخ، بدعوى أنهم ينتظرون الساعات الخطيرة والمعجزات الكبيرة »*.

  • ابن نبي مالك - في مهب المعركة ، (القاهرة : مكتبة دار العروبة الطبعة الأولى - 1961) ص 101 .

ويمكن أن نضرب مثلاً آخر لتوضيح هذه القضية، ذلك التاجر الذي يدخل السوق سواء كانت سوقاً محلية أم عالمية فإن مما يحدّد موقفه من السوق أن يعترف الأشياء التي تروج فيها، وقيمة ما يعرض هناك، فحين يعرف حاجة السوق، وميزة ما عنده على ما يعرضه سواه، عندها يدخل السوق وهو متمكّن …

وكذلك الحال في سوق الأفكار العالمية، حيث تعرض فيها الأفكار المخصصة لحل مشكلات العالم، فمن لم يعرف قيمة هذه الأفكار المعروضة وأهميتها في حل مشكلات العالم، ويعرف الحلول التي يقترحها أصحاب الرأي في هذا المجال، ونتيجة التطبيقات، لا يمكنه أن يعرف قيمة ما عنده، ولا أن يعرف كيف يتم له تعريف العالم على ما عنده من بضاعة وأفكار.

وهذا هو الغياب من جانبين: غياب عن معرفة ما عند العالم، وغياب عن معرفة ما عنده، وهذا هو موقف العالم الإسلامي والمسلم من سوق الأفكار العالمية، إذ لا يشعر أنه يملك شيئاً يساهم به في حل أزمات العالم، بينما اليوم تحول الصراع إلى الفكرة حتى الذين يجعلون القيمة الكبرى للاقتصاد، نراهم لا يهملون، بل ولا يستطيعون أن يهملوا أهمية الأفكار، فعند التنافس العالمي يقول كل منهم: « إن الفكرة التي بنيتُ عليها اقتصادي هي الفكرة الصحيحة بدليل النتائج ».

فإذا كان العالم اليوم يعاني من مشكلة الحرب، ويتطلع إلى السلام، ولا يجد الطريق التي توصله إلى ذلك الهدف، فيمكن بذلك أخذ فكرة عامة عن المشكلة التي يعانيها العالم والأطباء الذين يتسابقون في وضع حلول لهذه المشكلة.

فحين يتأملُ البصير تاريخ هذه القضية، والمعالجات التي يعالجونها، والنتائج التي وصلوا إليها ويتأمل (سبل السلام) المائدة - 7، يمكنه أن يعرف الزاد الذي عنده عندما يدخل السوق، تلك السوق التي غدت موضوع مقامرة على العالم، فيدخلها لينقذ العالم.

وهذا ليس مستحيلاً.. ولكن يحتاج إلى تأمل، فنحن مع الأسف نكره التأمل، ونكره التفكير، ولا نريد هذه الموعظة أصلاً!!