عمى الألوان

من Jawdat Said

اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

العمل قدرة وإرادة


Alamalqudrawaerada.gif
تحميل الكتاب
المقدمة
الفصل الأول، مصطلحات البحث
الإخلاص والصواب
مصطلحات أخرى للإخلاص
الفصل الثاني
العمل
منطلقات العمل
التسخير
انظروا كيف بدا الخلق
كيف يتولد العمل
تعريف العمل
أركان العمل
الفصل الثالث، الإرادة
مفهوم الإرادة
من أي شيء تتكون الإرادة؟
بعض خصائص الإرادة
الإرادة روح الأمة
الإرادة كقيمة وكصناعة
الفصل الرابع
عمق المشكلة
كيف يحصّل الإنسان القدرات
ملكة تحصيل القدرات
الإرادة كانت قدرة
القدرة الأخلاقية الكامنة
أسلوب آخر لتعريف الصواب
الفصل الخامس
هل عند العالم الإسلامي إرادة؟
عمى الألوان
القدرة والإرادة كشريعة وحقيقة
موقف أهل الدين والسياسة من نقص القدرة والإرادة


2 - عمى الألوان:

إن كان بعض الناس مصابين بعمى الألوان فلا يرون إلا بعضها، فإن هناك عمى فكرياً لا يمكن معه أن يفهم الإنسان الأمور والأحداث متكاملة. وهذا العمى الفكري هو الذي يتضمنه قوله تعالى:

﴿وعلى أبصارهم غشاوة﴾ (سورة البقرة: الآية 7). ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً﴾ (سورة الأنعام: الآية 25 وكذلك سورة الإسراء: الآية 46). ﴿ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها﴾ (سورة الأعراف: الآية 179).

هذا المرض الفكري لا نُبصره، ولا يقع تحت مجال رؤيتنا. وكما أن البصر يعجز عن الرؤية في الظلام وعن رؤية ما فوق الأشعة، فإن الفكر يصاب بمثل هذا العجز - وليس هذا الجانب كشفاً جديداً - وتكرار آيات القرآن في هذا المجال، يجعل الذي لا يعلم يتساءل عن سرِّ هذا التكرار، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿انظر كيف نصرِّف الآيات لعلهم يفقهون﴾ (سورة الأنعام: الآية 65).

إن هذا الموضوع قد صار معروفاً، ولكن نحن المسلمين مصابون بعمى ألوان فكري لا ندرك بسببه كثيراً من الأفكار: ﴿فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ (سورة الحج: الآية 46).

وهذا ما يصدم المسلم الذي رسخ في فكره أن عمى القلوب خاص بالكافر، وكأن المسلم يملك المناعة لمجرد انتسابه إلى الإسلام.. إن هذه السذاجة هي نفسها أبرز مظاهر عمى القلوب.

وقد يكون المسلم مستعداً لبذل ماله ونفسه في سبيل الله، ولكنه يجهل السبل القويمة المجدية لهذا البذل فيظل يتخبط ويقع في حيرة من أمره. إن عمى القلوب لا يتمثل فقط في حيرة هؤلاء البسطاء، ولكنه يظهر بشكل أوضح في عقول الخاصة التي تجهل السبل القويمة لاستخدام أنفس هؤلاء وأموالهم التي يجودون بها.

هنا يبلس المتفيهق، ويرتد البصر خاسئاً وهو حسير، وتُهدر الطاقات من مغفلية أصحابها لا من عدم وجود الطاقات، ولا من سوء نوايا أصحابها وعدم إرادتهم الخير لأمتهم، بل في عمى بصائرهم عن كيفية حل المشكلة.

لو أتينا بأقوى الرجال عضلات، وأكثرهم صلاة وصياماً، وأحبهم لنصرة قضية المسلمين، وهو لا يعلم عن المصارعة اليابانية شيئاً، وأدخلناه حلبة الصراع مع إنسان شديد الكفر، لكنه أوعى منه في هذا الفن، فإن نتيجة المصارعة مأساة لا نحتاج إلى ذكرها. فالإرادات والقدرات العضلية تدحرجت أمام القدرات الفهمية … وهذا ما يأبى العالم الإسلامي أن يفهمه ويبصره ويعترف به. ولا بد من لفت النظر إلى أن المؤمن الذي يفقد قدرة ما - قدرة المصارعة مثلاً - لا يصبح كافراً، وإنما مؤمناً مقصراً.

ينبغي أن نحلل الموضوع بدقة أكثر، لنعلم ماذا ينقص المسلم: هل هو الإيمان والإرادة حقاً؟ أم تنقصه القدرات الفهمية التدريبية، أم القدرات المادية؟ وإننا إذا أخطأنا في التشخيص، فإن ذلك يؤدي إلى نتائج وخيمة. وهنا أريد أن أنبِّه إِلى أمرين:

الأول: الدّمج الذي يقوم به المسلم بين القدرة والإرادة، بين الإيمان والإسلام. إن الإيمان هو الإرادة، وإن الإسلام هو القدرة، ولكن كما يقول ابن تيمية: حين يتعرض لبحث النزاع حول: هل الإيمان هو الإسلام؟ والإسلام هو الإيمان؟ أم أن كل واحد منهما يفترق عن الآخر؟

ويخرج ابن تيمية من البحث بأنه إذا أُطلق أي منهما شمل الآخر، ولكن إذا أردنا أن نبحث كلاً منهما بدقة نجد أحدهما يختلف عن الآخر كما ورد في سورة الحجرات: ﴿قالت الأعراب آمنَّا. قل لم تؤمنوا، ولكن قولوا: أسلمنا ولّما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ (سورة الحجرات: الآية 14).

قد يكون الرجل مؤمناً كاملاً، ولديه استعداد أن يبذل نفسه وماله في سبيل الله، ولكن لا يملك القدرات الفهمية حتى يكون قاضياً أو مفتياً، وليس هذا فرض عين على كل واحد، وإنما هو فرض كفاية؛ ولكن إذا حصل تقصير في فرض الكفاية وقعت المسؤولية على الكل، وليس على الكل بمستوى واحد، بل على من هو أقدر لتحققه، ولهذا ألوم الشباب الذين لا يسعون لبلوغ المستوى في الفهم الذي يحتاج إليه هذا العصر.

وموضوع اختلاط المسلم بالمؤمن بحث طويل والنزاع فيه كثير، وإنما سقت رأي ابن تيمية لما فيه من اختصار وحل لمواطن النزاع بتطبيق هذه القاعدة. فقد يكون الرجل مسلماً في الظاهر وليس عنده الإيمان كما قال الله تعالى عن الأعراب؛ وقد يكون الرجل مؤمناً وليس عنده الإسلام إما لإهماله كالعُصاة الذين لا يقيمون أحكام الإسلام، وإما لعجزه كالمسلم الفقير الذي لا يحج ولا يزكي. والأول هو الذي يترك الإسلام إهمالاً، لا عدم إِيمان؛ فهذا الذي تنازع فيه المسلمون ومن أجله افترقوا إلى فرق كالخوارج والمعتزلة وأهل السنة، وكل طائفة تحتها طوائف إلى درجة أن العدد لا ينضبط لكثرة الاختلافات. فالخوارج يكفِّرون بالمعصية، والمعتزلة يجعلونه لا كافراً ولا مؤمناً بل هو في منزلة بين المنزلتين، وأهل السنة يجعلونه مؤمناً عاصياً، ولا يكفرون مؤمناً بمعصية. وابن تيمية أطال الحديث عن هذه البحوث. وأقول: إِن كثيراً من الشباب المتحمس اليوم يذهبون من غير شعور منهم إِلى رأي الخوارج، ويصيرون إِلى هذا الرأي تحمساً وحرقة لأجل الإسلام، وليس اعترافاً منهم برأي الخوارج.

وهنا ينبغي أن نبه إِلى أمر ربما يفيد، وهو أن إطلاق الكفر والنفاق على مرتكبي المعاصي كتصديق الكاهن، حكم عام:

(من أتى كاهناً أو عرافاً فصدّقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزل على محمد)(1)، (ومن حلف بغير الله فقد أشرك)(2).

هذا الإطلاق حكم عام لأن الشخص المعين الذي وقع منه هذا لا يشترط أن يكون كافراً، وقد يحكم بعضهم بقتل من أصرَّ على ترك الصلاة ثم يختلفون هل قتله كفراً أم حدّاً أم سياسة؟ والكل متفقون على أن هذه الأحكام أحكام دنيوية، وأمره في الآخرة إلى الله.

وذكر الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار عند قوله تعالى:] ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ (سورة المائدة - الآية 44). قال: (إن حكيم بن جبير سأل سعيد بن جبير عن قوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم … ومن لم يحكم … ومن لم يحكم …﴾ (سورة المائدة - الآيات 44 ن 45، 47). قال: فقلت: زعم قوم أنها أنزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا، قال: اقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال: لا، بل أنزلت علينا، ثم لقيت مقسماً مولى ابن عباس فسألته عن هؤلاء الآيات التي في سورة المائدة، قلت: زعم قوم أنها نزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا. قال: إنه نزل على بني إسرائيل ونزل علينا، وما نزل علينا وعليهم فهو لنا ولهم. ثم دخلت على علي بن الحسين فسألته - وذكر أنه ذكر له ما قاله سعيد ومقسم - فقال: قال صدق، ولكنه كفر ليس ككفر الشرك، وظلم ليس كظلم الشرك، وفسق ليس كفسق الشرك. فلقيت سعيد بن جبير فأخبرته بما قال، فقال سعيد بن جبير لابنه: كيف رأيته؟ قال: لقد وجدت له فضلاً عظيماً عليك وعلى مقسم. والمراد أن عدم الحكم بما أنزل الله أو تركه إلى غيره - وهو المراد - لا يُعَدُّ كفراً بمعنى الخروج من الدين بل بمعنى أكبر المعاصي. [ (1).

ومما يتصل أيضاً بهذا الموضوع وتنازع يه المسلمون: هل الإيمان يزيد وينقص؟

لعل وجهة نظر الذين قالوا: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ترجع إلى أن الإرادة يمكن أن تحدث مرة واحدة، مثل الذي يتحول إلى الإسلام فجأة، كما تحول عمر وحمزة رضي الله عنهما من الكفر إلى الإسلام، وصارت إرادتهم كلها للإسلام، وتحولت تحولاً كاملاً دفعة واحدة، فهذا التحول لا شك فيه. ولكن يبقى للإنسان بعد ذلك أن يزيد معرفته بأحكام الإسلام. فإذا آمن أو تحولت إرادته إلى الإسلام، فقد صار عنده استعداد لقبول كل أمر يأمر به الله فهو سلّم بهذا، ولكن لم يعلم بعد كل ما سيأمر أو ما أمر به الله، فإذا علم نفّذ، فهذا إيمان كامل. ولكن ليس معنى هذا أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولكن الإيمان أكثر ثباتاً من الإسلام، وأسرع حصولاً، وليس معناه أنه كتلة واحدة لا تقبل الحركة، بل يزيد وينقص ويختلف من شخص لآخر، وله صلة بالإسلام أيضاً، فكلما ازداد الإنسان علماً ومعرفة ازداد إيماناً، وازداد طلباً للفهم وتنفيذاً للحق.

والأمر الثاني الذي بسببه تختلط على المسلم القدرة والإرادة: هو أن الله سبحانه وتعالى يأمر بهما جميعاً، يأمر بالإيمان وإرادة وجهه تعالى وابتغاء مرضاته، كما يأمر بالعلم والإعداد والتبصر والفهم والتفكّر في آيات الله في الآفاق والأنفس والسير في الأرض والنظر إلى سنن الذين خلوا من قبل، فكون الشيء موجوداً في القرآن لا يعني أنه موجود عند المسلم حتماً وضرورة. فإذا كان الله يأمر بإخلاص الوجه له وعبادته وحده، فكذلك يأمر بالسير في الأرض، وبفهم سنن الحياة وسنن الذين خلوا من قبل. إلا أن هذين الأمرين (الإخلاص والصواب) لم يتحققا في حياة المسلم بشكل متساوٍ فربما يقر المسلم بالأمر الذي في قوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ (سورة الأنفال: الآية 60) مهما كان حجم ما يأخذ به من هذا الأمر ضئيلاً ولكن تكاد تنعدم استجابة هذا المسلم لأمر الله تعالى في قوله:

﴿قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق﴾ (سورة العنكبوت: الآية 20). ﴿قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾ (سورة الأنعام: الآية 11).

إن المسلم يشعر بالقصور ويدين نفسه حين لا يُعد القوة، بينما لا يشعر بأدنى وخز في الضمير حين يقصرّ عن السير في الأرض والنظر في عاقبة الذين خلوا من قبل.

إن السير في الأرض ورؤية ما عليه الناس من الخير والشر والسعادة والشقاوة، ومعرفة أسباب ذلك قريباً أو بعيداً، وفهم ذلك هو الذي يجمع خبرات العالم جميعاً، ويكمل في نفس المسلم معنى أوامر الله.

ومن هنا يمكن أن نقول: إن الذي ينقص المسلم الآن القدرات الفهمية أكثر من الإيمان - الإرادة - ولكن المسلم ينظر إلى هذا الموضوع على غير هذا الوجه، فيقول: إن الذي ينقص العالم الإسلامي هو الإيمان، وبأسلوب آخر، يقول إن المسلمين لا يبذلون أموالهم وأنفسهم في سبيل الله. وأقول: إِن في المسلمين من يبذل نفسه وماله في سبيل الله، ولكن الذين يبذلون سنين طويلة من البحث الجاد والدرس المتواصل لفهم المشكلات على مستوى العصر، هم القلة بل لا وجود لهم إِلا نادراً جداً.

إِن عدداً قليلاً من المفكرين المسلمين اليوم فتحت أمامهم بعض النوافذ لدراسة آيات الآفاق والأنفس، ولكن المشكلة أن هؤلاء لا يعترف لهم موجهو الشباب بالريادة، ولا يعترفون بعلمهم لأنهم - حسب زعمهم - قد تأثروا بمشارب غير إسلامية.

ومن المؤسف أن يكون الموجهون الذين يمثلون حلقة الوصل بين المبدعين والسواد الأعظم لا يزالون يحملون كل عوامل التخلف التي قادت العالم الإسلامي إلى العصر الذي يمثل فيه المسلمون (القصعة). وهنا لا بد من الإشارة إلى نقطة يحوطها الغموض أيضاً في حديث القصعة، حيث يعلل الوهن الذي أصاب العالم الإسلامي بـ (حب الدنيا وكراهية الموت)، وظاهر هذا التعليل يريح المسلم الذي يشعر أن الحديث يوضح أن ما ينقص العالم الإسلامي هو الإيمان والإخلاص والتفاني. إن من لا يعرف الطريق الصحيحة لبذل النفس، يزهد في الموضوع وإن كان عنده استعداد لبذل النفس، ويقول: ما جدوى بذل النفس إِذا كان لا يغير الحال؟ ! إن هذا يقودنا إلى أن نفرق بين من يمتنع عن بذل نفسه - وهم المعنيون في حديث القصعة - لزهده في الآخرة، وبين من لا يبذل نفسه لأنه لا يرى المكان الذي يبذل فيه نفسه، وهو معذور في هذا، لأن الأمر ليس بذل نفس وكفى … ولا شك أن هناك خلافاً في كيفية بذل النفس، فإذا كان بعض اليائسين يظنون أنه ينبغي أن يحملوا السلاح ويقتلوا الناس الذين يعتبرونهم كفاراً، وأنهم إن فعلوا هذا فقد أطاعوا الله، وإن لم يفعلوه لا يكونون قد استجابوا لأمر الله والرسول. إن مثل هذا الفهم الخاطئ جدير أن ينتج عنه حب الدنيا وكراهية الموت، كالذي قال عن عنقود العنب بأنه مرّ حين عجز عن فهم طريق الوصول إليه. إن الإسلام حين حثّ على الشهادة في سبيل الله لم يكن ذلك مجرد طلب الموت وهجوم عليه. إن هذا ليس هو المراد، بل إن توفير شرط الموت الذي يباركه الإسلام أمر ضروري، فإذا جهل إنسان شروط الموت أو فهمها فهماً خاطئاً، سوف لا يرى النتائج الدنيوية - وهي عزة المجتمع السليم - التي أرادها الله من الموت في سبيله.

وينبغي أن يساعدنا النظر إلى النتائج الدنيوية على تصحيح مفاهيمنا لأن أمر الله حين يكون على وجهه يجب أن يعطي النتيجة حتماً بإذن الله؛ أما إِن لم يعط النتائج فينبغي أن نصحح فهمنا ولا نظل نقول: نحن قمنا بالأمر على وجهه إلا أن النتائج هي التي أخلفت. وهذا النظر يمنع من مراجعة الذات، والبحث عن الأخطاء في أعمالنا وتصرفاتنا.. ولا بد من تنظيف هذه الزوايا حتى لا يستمر تخبط العالم الإسلامي في التيه بغرور. ونكرر أن الجزاء الأخروي يكون على حسب النية، والجزاء الدنيوي على حسب الصواب، وأنه يمكن بل يجب تحقيقهما معاً. وقد لا يفهم القارئ ما نقصده بهذا الكلام، ولكي يفهم هذه الجملة ينبغي أن يكون قد فهم مشكلة المسلمين، وفهم مستوى العصر الذي نعيش فيه في فهم المشكلات. وحين نُفهمه هذين الأمرين يمكنه أن يفهم أين المسلمون من مشكلاتهم الحقيقية؟ وأين مستواهم في فهم ذلك؟ ولكن إن زعمتُ أني أستطيع رفع المسلم بهذه الصفحات إلى فهم مشكلة المسلمين بمستوى آيات الآفاق والأنفس التي ظهرت، أكون غير مقدِّر للمشكلة حق قدرها، وأُحمِّل ما أكتب فوق طاقته. ومع ذلك يجب أن نفاجئ الآخرين بنتائج البحوث - وإن لم نتمكن من سياق كل الأدلة لهم - ليعلموا أن هناك من يكسر إجماعاً يطمئنون إليه، وأن هناك من ينظر إلى المشكلات بغير النظر الذي ينظرون به إليها حتى لا يقول قائلهم: ما سمعنا بهذا.

قد نضع للمسلم الآن العنوان، وربما شيئاً فشيئاً على مرِّ السنين - إن كان مجتهداً - يبدأ في رؤية الأدلة. وقد نجد المئات من الشباب المتحرق للقضية الإسلامية والذين عنهم استعداد لبذل نفوسهم - ويبذلونها فعلاً - في سبيل الإسلام، ولكن عدد الذين فهموا آيات الآفاق والنفس قليل. بل أستطيع أن أقول: إنه ليس في العالم الإسلامي رجل واحد رائد في فهم آيات الآفاق والأنفس، وإن كل الذين يكتشفون اليوم آيات الآفاق والأنفس هم من غير العالم الإسلامي، والمسلم إن اجتهد في فهم ذلك فمبلغه أن يستشهد بأقوالهم ليدعم بها وجهة نظره. وإنما يحدث هذا في الوقت الذي يتوقف فيه الجميع عن التفكير، وقد كان يوماً ما عكس ذلك، حيث كان كل الذين يفهمون ويبحثون آيات الآفاق والأنفس هم من العالم الإسلامي، ولكنها سنة الله: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ (سورة آل عمران - الآية 140)؛ ويتم ذلك وفق سنة، فإذا ترك المجتمع السيطرة على ما بنفسه يفقد زمام التاريخ، وإلا فلن يفلت منه الزمام. وهل بعد هذا أيضاً نقول: إن الذي ينقص العالم الإسلامي إرادة أم قدرة؟ وجدنا أصحاب الإرادات الذين بذلوا أنفسهم ولا يزالون يبذلونها، ولكن أين أصحاب القدرات؟ إن هذه المشكلة ليست مشكلة المسلمين وحدهم، وإنما هي مشكلة العالم الثالث. إنني حين اكتب أتوجه إلى الشباب المسلم الذي يُعرف بأنه إسلامي ويريد أن يحيا حياة العبودية الحقة لله تعالى. ولكن لو توسعنا إلى إنسان منطقة الحضارة الإسلامية أو مجال دراسة الحضارة الإسلامية - كما يقول توينبي - لوجدنا أن مشكلة الإنسان تكاد تكون واحدة سواء عند الذين يدعون إلى استئناف الحياة الإسلامية أو الذين يريدون الدخول إلى مجال الحياة المعاصرة عن طريق غير طريق الإسلام. إن الذي ينقصهم هو القدرات الفهمية للمشكلات وليست الإرادات، لأن مرض الإنسان مرتبط ببيئته الثقافية، وهي بيئة واحدة لأن الإنسان سواء كان يريد الإسلام الذي تاريخه من الضخامة والفخامة ما هو جدير بإرادة الحياة، أو يريد فكرة القومية أو الاشتراكية أو … كل هذه الاتجاهات المتنازعة لا تختلف في إرادتها الخير للأمة التي تسعى لخدمتها مهما اختلفت هذه الإرادات في قيمتها … إن إرادتهم صادقة في مجموعها، هم يريدون الخير والنصر و الغنى للأمة، ولكن ما مقدار كفاءاتهم في تحقيق هذه الإرادات؟ إنهم كذلك قد قدموا قوائم من الضحايا، وهذا دليل على صدق إراداتهم. إنهم جميعاً أثبتوا إخلاصهم بتضحيتهم واستعدادهم لبذل النفس والمال، ولكنهم لم يثبتوا كفاءاتهم الفنية في حل لمشاكل. إن هؤلاء لم يؤتوا من قلة إراداتهم، وإنما من قلة قدراتهم الفهمية والفنية. وقد لا نبالي بعجز غير المسلم لأن المسلم قد لا يغترف بإرادة غيره … وقصدنا أن يفهم المسلم مشكلته الخاصة وإن كان يحسن به أن يعرف مشكلات غيره، ويعرف القاسم المشترك بينه وبين غيره من مشكلات، وهذا الفهم العام مما يساعده على حل مشكلته بفعالية أكثر، ويساهم مع الآخرين في حل مشكلاتهم. ولسنا الآن بصدد إثبات أو تقييم إرادة الآخرين أو نفيها، وإنما الذي نريد أن نشير إليه هو أن المسلم أثبت عجزه أمام الآخرين. ففي قضية فلسطين - مثلاً - التي تؤكد المرض العام في المنطقة، لا يريد المسلم أن يعترف بعجزه أمام هذه القضية، لأن الذين دخلوا ميدان حلها لم يدخلوه تحت شعار الإسلام، فالمسلم يرى نفسه قد أُبعد عن حل القضية. والحقيقة أنه قد عجز أن يثبت وجوده أمام هؤلاء الذين دخلوا ميدان القضية وعجزوا عن حلها، فهو قد أثبت عجزه مرتين؛ ولكن المسلم لا يريد أن يفهم هذا ولا يريد أن يعترف به.

لماذا يعجز المسلم عن رؤية هذه الواقعة الكبيرة؟ لعل من أسباب ذلك أنه لم يفهم المشكلة بعد ولم تتوضح له، لأن الإنسان في العادة لا يستطيع أن يعترف بخطئه إلا إذا عرف كيف يستطيع أن يتخلص منه، فما دام لم يعرف بعد كيف يتخلص من خطئه، فسيظل متمسكاً بالخطأ لأنه لم ير البديل، ولم ير الحل الصائب، ولم ير ما ينقصه للحل. وحين يدرك ما ينقصه حقاً تصير لديه القدرة على الاعتراف بالخطأ الذي كان يرتكبه في معالجة المشكلة، ولا يعود يشعر بمركب النقص الذي يحمله على تحدي الحقائق، بل يصير يعترف بما كان يقع فيه من خطأ. وفهم الفرق ضروري بين من لا يقدر أن يسمع أحداً يتحدث عن خطئه، وبين ما هو بنفسه يعترف بالخطأ الذي ارتكبه، ولا يشعر أنه من العيب أن يقع في الخطأ، ولكن العيب هو شعوره بالعيب عندما يعترف بالخطأ، وهذه نقلة نفسية تغييرية كبيرة ﴿كذلك كنتم من قبل فمنَّ الله عليكم﴾ (سورة النساء: الآية 94). والقدرة على مثل هذا الانتقال تمثل الانتصار على النفس الذي هو سبب كل انتصار خارجي بعد ذلك. فحين تصير للمرء قدرة الهجوم على تلك الخنادق المنصوبة داخل نفسه، يكون قد انتصر داخلياً.. وتحرر من أعماقه …

وفرق كبير بين من يحمل في نفسه رهبة عبادة العجل، وبين من تحرر فقال: ﴿وانظر إلى إِلهك الذي ظَلت عليه عاكفاً لنَحرقنَّه ثم لننسفنّه في اليمِّ نسفاً﴾ (سورة طه: الآية 97).

كيف أخاف من التوبة وأنتم لا تخافون من الذنب؟ ! كيف أخاف من الاعتراف بالخطأ وأنتم لا تخافون الالتزام بالخطأ؟ ! كيف أخاف ما أشركتم وأنتم لا تخافون أنكم أشركتم؟ فأي الفريقين أحق بالأمن؟

والشاهد هنا انقلاب المفاهيم، وليس القصد الإدانة بالإشراك، وإنما ضرورة أن يحدث عندنا تغيير في فهم المشاكل، ومنها المشكلة التي أبحثها وهي مشكلة الإرادة والقدرة. والتغيير الذي أبغيه هو أن نعلم أن الذي ينقصنا هو القدرات وليست الإرادات. وإن كنتم تشعرون أنكم قد تجاوزتم فهم هذا الذي أُتعب نفسي وغيري لفهمه، فاحمدوا الله على ذلك، وارموا بهذا الكتاب عرض الحائط، ثم امضوا إلى تطلعاتكم الجديدة واتركوني مع الأميين لأعلمهم هذه الأحرف الأبجدية في سنن الحياة.

3 - القدرة والإرادة كشريعة وحقيقة: