علم النفس الفردي والاجتماعي

من Jawdat Said

اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

حتى يغيروا ما بأنفسهم


Change.gif
تحميل الكتاب
مقدمة مالك بن نبي
مدخل كتاب حتى يغيروا
سنة عامة للبشر
سنة مجتمع لا سنة فرد
سنة دنيوية لا أخروية
في الآية تغييران
مجال كل من التغييرين
الجانب المهم هو التغيير الذي يقوم به القوم
ما بالقوم نتيجة لما بالنفس
لتحقيق التغيير لا بد من تغييرين
مفهوم التغيير عند الآخرين
علم النفس الفردي والاجتماعي
العلاقة بين سلوك الإنسان وما بنفسه
ما بالنفس يتفاوت في الرسوخ
كيف تلقى السنن القبول عند المسلمين
العقل والسنن في القرآن
الفعل والانفعال
المنهج والتطبيق


نحن نسمع عن علم النفس وعلم الاجتماع ، ولكن عندما نريد أن نتعامل مع الواقع فسنلمس أموراً تختلف عن الأمر النظري المجرد ، إذ لا نجد حدوداً واضحة تفصلهما.

ففي الواقع لا نجد علم النفس الفردي، لأن هذا الفرد المنعزل الذي لا يتصل بأحد ولا يختلط به أحد أيضاً ، غير موجود في الواقع ، ولو وُجد هذا الفردُ المنعزلُ لكان أقرب إلى التوحش منه إلى الآدمية ، لأن الذي يُخرجُ الإنسان من التوحش إلى الآدمية هو: اكتسابه للخبرات منذ نشأته وهو طفل ، ومنذ نشأة المجتمع ، وهو بعد لا يجد في نفسه الدافع إلى ستر عورته، فتجمعت لديه خِبراتُُ الأجيال وتراث النبوات . فالناشئ لا ينشأ في فراغ بل مع تراث طويل العمر معقد.

ولكنهم حين يقولون علم النفس، فإنهم يبحثون عن استعداد الإنسان الفرد لتلقي مفاهيمه من المحيط والتكيف معه. وهذه الاستعدادات كلها لا تجدي شيئاً خارج المجتمع.

لا وجود لعلم النفس منفصلا عن المجتمع

وليس هناك علم نفس فردي كحقيقة واقعة ما دام استمرار الجنس البشري لا يتم إلا بالتزاوج، والحياة الاجتماعية تتدرج لدى الكائنات الحية على حسب رقيها. فالسلحفاة تضع البيض ولا صلة لها بعد ذلك بصغارها فهي لا تحضن البيض ولا ترعى الصغار … والطير ترقد على البيض وترعى الصغار والحيوانات اللبونة تكتسب صغارها الخبرة من آبائها بالعشرة. (وهذا التدريب الذي يمارسه الوَلُوْدُ الحادبُ على أولاده ، قد أثار في العالم استمراراً جديداً للوعي، ولم يُقدر الإنسان قيمة هذه الفكرة إلا في العصر الحاضر)(1) . فغريزة الحنو والحدب عند الحيوان والإنسان ، تشكل مطلق الحياة الاجتماعية وهي ترتقي عند الإنسان لتصل إلى مرحلة الإيثار، والتي هي أساس الحياة الاجتماعية الراقية « ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة » الحشر – 9 -.

والإنسان أطول المخلوقات حضانة ، ويمتص في طفولته تراث الأجيال . ومن هنا كانت مرحلة الطفولة ذات أهمية بالغة في التكيف مع نمط معين من الحياة الاجتماعية ، بقيمها وتقاليدها ، ذلك أن أثر البيئة شديد على تكوين الإنسان . وهذا هو ما يشير إليه حديث : « كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه » فالمجتمع هو الذي يعطي للفرد الذي ينشأ فيه قيمة وموازينه .

الاهتداء إلى سنن دمج الفرد بالمجتمع وقيمة ذلك في صنع المجتمع المتماسك

والاهتداء إلى السنن والقوانين ، التي تَدْمِجُ الرفد بالمجتمع يجعل للإنسان سلطاناً على صنع المجتمع ، وصياغة الفرد الذي ينشأ فيه . كما يُحقق المجتمع بهذه السنن حالة الـ (نحنُ) ، أي شعور الفرد بالكيان الاجتماعي الذي يندمج فيه . وبالرغم من اختلاف هذه الكيانات في أشكالها ، فإن سننها واحدة .

وقد أشرنا فيما سبق إلى عمومية السنة التي تخضع لها المجتمعات أو الأقوام ، مع إمكان اختلافها في الأشكال والنماذج .

وقد قال لفين 1943 : « يجب ألا تفت في عَضُدنا تلك الصعابُ التي تعترض سبيلنا . والرأي عندي أن علماء النفس الاجتماعيين لهم الحق في أن يثقوا ويفخروا ، إلى حد ما ، بما تم في السنوات الأخيرة . فمن منا كان يجرؤ أن يتنبأ منذ بضع سنوات أننا سوف نستطيع ذات يوم أن نقيس الأجواء الاجتماعية ، ونقيس الزعماء وندربهم ، وندرس توترات الجماعة ، وعمليات التصحيح الجماعية كما هي الحال الآن »(1) .

إن إدراك أثر الاشتراك في العبادة واللباس والتحية الموحدة في تكوين الشعور بالوحدة الاجتماعية ، إن هذا الإدراك يدخل هذه الأعمال تحت ضوء جديد ، ويرفع من قيمة أدائها، ويبعث فيها حيوية جديدة.

علم النفس يبرز بصورة تعارض الإيمان فتضيع الفائدة منه

وعلم الاجتماع ككل علم، سواء كان الفلك أو التاريخ الطبيعي أو البيولوجي، أول ما يبرز في صورة تعارض الإيمان ، كما هو واضح فيما حدث حول الفلك وكذلك حدث لعلم الاجتماع وعلم النفس .

ولقد عشت هذه الظاهرة أيضاً، فيما يخص علم النفس والاجتماع، إذ كان يدرسنا هذا العلم في أواسط الخمسينات في الأزهر أستاذ ذو اختصاص. ولست أدري كيف أعبر عن مقدار الفتور، إن لم أقل النفور الذي كنا نتبادله، إذ لم تكن لديه القدرة على أن يرينا الموضوع أنه آيات الله في الآفاق والأنفس التي تشهد لآيات الكتاب أنه الحق. وكنا أعجز منه في إيجاد هذه العلاقة بين هذا العلم وبين الدين.

ومجيء العلوم في هذه العصور على هذه الصورة المعرضة عن الإيمان، أو في صورة المُعارضَةِ للإيمان ، كان عقبة في سبيل الاستفادة منها في الوقت المناسب .

وما لم يتقدم أهل الرأي والخبرة عند المسلمين لإزالة شبهة التعارض هذه – بين أي علم حق وبين الإيمان – فإن الهوة تبقى بعيدة بين المسلمين وبين الاستفادة الكاملة من هذه العلوم .

ومن العوارض الخاصة بالنسبة لهذا العلم ، ما اقترن به في بدئه من اسم فرويد ، والمدرسة التي حاولت أن تفسر علم النفس حول محور دافع غريزة الجنس ، وكذا فجاجة الكتب ، وأسلوب تناولهم إما بشكل لا صلة له بالدين والإيمان ، أو بشكل يُفهمُ منه أنه يُعارضُ أحكام الدين والإيمان . وبهذا يظل الموضوع فاقداً الصلة التي تُخرجُ هذا العلم النافع من غابة التوحش التي حشر فيها .

إن هذا العلم لا يزال في توحشه ولم يستأنس بعد عند المسلمين ، حتى يسخروه لتغيير ما بأنفسهم ، ولكشف ما ينبغي أن يغيروا مما بأنفسهم .

كل هذه الملابسات أطالت الوقت الذي كان يمكن أن يختصر ، وأبقت الحق ملتبساُ بالباطل ، عن قصد من البعض ودون قصد من البعض الآخر . وكلما بُحثت هذه المشكلة أتذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : « أنه كان في المدينة فزع ، فركب النبي صلى الله عليه وسلم ثم خرج يركض وحده ، فركب الناس يركضون خلفه ، فاستقبلهم وهو يقول لهم : لم تراعوا لم تراعوا …» . وبوب البخاري لهذا الحديث عدة أبواب منها : مبادرة الإمام عند الفزع ، والخروج في الفزع وحده ، والسرعة والركض في الفزع الخ ….

إن كان الفزع العسكري ، يقتضي السرعة والفزع والخروج للاستبراء للناس ، فإن الغارة الثقافية ، والفزع الثقافي ، تستوجب على أهل العلم أن يكونوا أولى الناس بالخروج إليها مسرعين راكضين حتى يعودوا للناس بحقيقة الخبر ، وبجلاء الفزع . هذا وإن المفاجأة ، في الغزو الثقافي تترك وراءها من الخسائر في الأرواح ، وما يتبع ذلك من فقدان كل غال ورخيص ، أكثر مما يتركه أي غاز فاتح . بل إن أثر الغزو الثقافي أبقى على مر الزمن .

وقبل أن أختم هذا الحديث ، لاسيما وقد ذكرت قصة الأستاذ الذي درسنا علم النفس والاجتماع ، والذي جاء يبلبل الفكر على نفسه وعلى غيره ، كما فعل الوليد بن عتبة والذي نزل فيه قوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا … » الحجرات – 6- . أرى عليَّ أن أذكر الشيخ محمد عرفة حيث كان في محاضراته ، يحثنا على دراسة علم النفس ، كوصية يريد أن يودع فيها كل اهتمامه للشباب الذين كانوا يتلقون عنه ، وإني أذكر له هذه الوصية كلما كان البحث في مشكلة تخلف المسلمين . وكان يذكرنا أن حل مشكلة « تخلف المسلمين » لن يتم إلا إذا تمت السيطرة على سنن تغيير ما بالأنفس .

كما علي أن أذكر أن لمالك بن نبي مقالاً في كتابه في مهب المعركة عن الأفكار الميتة والقاتلة ، أبدع فيه في تحليل العوامل السلبية التي يعانيها المسلم عند اتصاله بعالم الثقافات .