سنة عامة للبشر

من Jawdat Said

اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

حتى يغيروا ما بأنفسهم


Change.gif
تحميل الكتاب
مقدمة مالك بن نبي
مدخل كتاب حتى يغيروا
سنة عامة للبشر
سنة مجتمع لا سنة فرد
سنة دنيوية لا أخروية
في الآية تغييران
مجال كل من التغييرين
الجانب المهم هو التغيير الذي يقوم به القوم
ما بالقوم نتيجة لما بالنفس
لتحقيق التغيير لا بد من تغييرين
مفهوم التغيير عند الآخرين
علم النفس الفردي والاجتماعي
العلاقة بين سلوك الإنسان وما بنفسه
ما بالنفس يتفاوت في الرسوخ
كيف تلقى السنن القبول عند المسلمين
العقل والسنن في القرآن
الفعل والانفعال
المنهج والتطبيق


إن السنة الموجودة في الآية، سنة عامة تنطبق على كل البشر، وليست خاصة بالمسلمين ولا بغيرهم وإنما هي عامة .

ولكن المسلم عادةً ، بشعور منه أو لا شعور ، وبمقدار متفاوتٍ في الوضوح ، يريد أن ينظر إلى الأمور بشيء من الخصوصية .

ولقد صادفني مراراً حين كنت أحاول أن أتناول مشكلة المسلمين أن أواجهَ بقولهم : إن هذا الأسلوب الذي تحاول أن تبحث به الموضوع ينطبق على غير المسلمين أيضاً . فأقول نعم .

وبناء على هذه الخبرة ، أشعر بحاجة لأن أوضح هنا ، أن القاعدة الموجودة في هذه الآية تشمل كل الناس ، بدليل أن كلمة (قوم) في الآية لم تأت مخصصة بقوم معينين ، وإنما هي لكل قوم ، ومجيئها نكرة في الآية يدل على ذلك .

فمضمون هذه الآية ينطبق على كل البشر أجناساً وأدياناً ، الأبيض والأسود ، والمسلم والكافر .

لكن حين يسأل المسلم ويقول : إن هذا الأسلوب في معالجة المشكلة يعم غير المسلمين .

إن هذا السؤال ليس سؤلاً فارغاً ، بل يحمل وراءه نظراً وعقيدة وفكرة ، فكأن المسلم بهذا السؤال يبصر جانباً لم يكن يبصره من قبل ، ويبرز عنده احتمالُ لم يكن وارداً لديه سابقاً ، فيخرج بهذا من نظر الخصوصية إلى قاعدة عامة تشمل كل البشر ، ومن ضمنهم المسلمون .

مشكلة المسلمين خاضعة لسنن

ولكن المسلم لا ينظر عادة ، إلى مشكلة المسلمين بهذا المنظار الذي يجعل المشكلة الإسلامية خاضعة لسننٍ عامة تشمل البشر جميعاً . فهو يرى أنه ينبغي أن تكون مشكلة المسلمين غير خاضعة لما يخضع له سائر البشر في مشكلاتهم ، ويفعل المسلم هذا حين يفعل ، بروح من التسامي والتقديس . ذلك أنه يظن أن رفع شأن المسلمين إنما يكون بعدم خضوعهم للسنن التي يخضع لها سائر البشر .

وينبغي أن يُوضَّحَ هذا الأمر بدقة ، وبصورة كافية ومقنعة ، ولا بد أن أتناوله ، وإن لم أبلغ به الدرجة التي أريد لها من الوضوح والبيان ، لأن وضوح هذا يكون له أثر في نظر المسلم وموقفه من المشكلة . إذ حين يرى المسلم المشكلة خاضعة لسنة عامة تنطبق على سائر البشر ، يدرك أنه يمن أن يستفيد من الوقائع التاريخية البشرية التي حدثت للأقوام قديماً وحديثاً ، والتي لا تزال تحدث الآن .

والذي يؤكد عمومية الموضوع أن الله يقول للرسول صلى الله عليه وسلم : « قل بدعاً من الرسل » الأحقاف - 9 - .

ويصور الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الموضوع بصورة من يرى المستقبل من خلال السنن حين قول : (لتتبعن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة …) حتى إنه يصل في المشابهة إلى أن يحشرهم في جُحرِ الضَّبِّ .

ومثل هذا النظر إلى الموضوع ، هو الذي نفتقده الآن ، وعلينا أن نكتسبه ، لأن هذه النظرة القرآنية هي التي تجعل المسلم قادراً على الاعتبار الذي يلح عليه القرآن .

فأمامنا تجارب القرون الماضية ، تجارب كثيرة تظهر فيها سنن التغيير الأقوام ، التي يخضع لها المسلمون أيضاً ، كأي قوم من الأقوام .

وفي الواقع ، إن هذا النظر القرآني يجرد الإنسان ملابساته ، ويرجعه إلى أصله المجرد الذي يخضع للسنن . فإذا حصَّلنا هذا النظر نكون قد أخرجنا المشكلة من مجال الغموض والتكهنات ، إلى مجال الرؤية الواضحة ، التي يُمكن النظرُ إليها كمشكلةٍ إنسانية ، لا على أنها مشكلة مبادئ ، بمعنى أن ننظر إلى الموضوع كمشكلة مجتمع ، لا كمشكلة دين وعقيدة . وبعبارة أخرى كمشكلة بشرٍ مسلمين لا مشكلة إسلام . وهذا أيضاً في حاجة إلى شرح أيضاً .

فحين أقول : مشكلة مجتمع ، لا مشكلة دين ، لا أريد أن أنزع المسلم من دينه وعقيدته ، بل حرصي عليه أن يبقى على دينه كحرصه بل أشد . ولكن ما أريده هنا : أن أفرق بين السنن التي تجعل الإنسان عاجزاً ، والسنن التي تجعل الإنسان مجتهداً عاملاً .

وليس قصدي أن أجعل العقيدة والإسلام موضع تشريح وبحث ، فإن الإسلام ليس مجال البحث في صدقه وحقيقته وصحته ، فالإسلام حقيقة من حقائق الكون ، كالشمس والقمر في مجال المادة . فإن الإسلام في مجال سير المجتمع البشري ، والأمة الواحدة العالمية ، كالشمس والقمر في مجال المادة .

مفاهيم المسلمين عن الإسلام كثير منها ظنون

فلندع الآن هذه الحقيقة ، ولنرجع إلى الإنسان المسلم الذي ينطبق عليه ما ينطبق على البشر ، من غفلة وجهل ، وعنهجية وغرور ، وطيبة ووداعة ، وسذاجة وحماقة .. فالبشر قد أودعوا نفوسهم أفكاراً عن الشمس والقمر في قديم الزمان ولكن هذه الأفكار مهما كانت خاطئة لم تكن لتؤثر في حقيقة سير الشمس والقمر ، ولم يتغير شيء من نظام الكون من أجل تلك الأفكار ، وبقيت سنن سير الشمس والقمر كما هي لم تتغير . ولم يكن الذي كان في حاجة إلى تغيير حينذاك ، سنة الشمس والقمر ، ولكن الذي كان حاجة إلى المزيد من البحث والعناية ، هو الإنسان ، الذي حشى نفسه بالظنون والأوهام ، وارتفع بها إلى مستوى القداسة ، وكان عنده استعداد أن يزهق الأرواح التي تحمل أفكاراً تخالف ما يحمله هو .

فإذا رجعنا إلى الإنسان المسلم ، نجد أن نظرته ومفهومه عن الإسلام ، كمضمون ، وكطريقة لحل المشكلات ، كمثل نظر أولئك إلى الشمس والقمر ، من حيث البعد عن الحقيقة . فالمنهج القرآني مثلاً في بحثه لمشكلات التقدم والتخلف المادي عند الناس ، يواجهها كمشكلة عامة ، وكمشكلة أقوام ، لا كمشكلة دين وعقيدة ، وإنما مشكلة صلة بدين .

وينبغي أن أنبه هنا إلى أمرين أيضاً :

الأول: حين نقول: مشكلة عامة.

في الواقع إن المشكلة عامة ، لأن السنَّة لا تكون سنَّة إلا إذا كانت عامة ، ولكن ليس معنى هذا ، أن مشكلة المسلمين لا تتميز بخصوصية ، من حيث العوارض ، والملابسات الخاصة ، التي ينبغي أن يراعيها المسلم حين يأخذ في معالجة المشكلة ، إلا أن قصدي هنا أن لا يختلط على المسلم القاعدة العامة التي يخضع لها كل الأقوام ، مع الأمر الخاص الذي يخص المسلمين . فمثلاً قد يكون الانخداع بالوهم والتعلق به مما يحول بينهم وبين رؤية طريق الصواب وهذا سنَّة عامة في البشر . ولكن لا يشترط أن يكون الوهم الذي يتعلق به كل قوم ، نوعاً واحداً من الأوهام ، بل يمكن أن تكون أوهاماً متعددة ، ولكن سنَّة التعلق بالوهم واحدة ، وإن كان نوع الوهم مختلفاً . فعلينا أن نراعي هذا في بحث مشكلة المسلمين .

الثاني: حين نقول: إن المشكلة مشكلة إنسان، لا مشكلة عقيدة.

كذلك في حاجة إلى تفصيل ، وذلك لأن شرعة القرآن ، وإن كانت حقاً ، إلا أن فهم المسلمين لهذه الشرعة ، وهذا المنهاج في جميع نواحيه ، ليبست في أذهان المسلمين على أصالتها ووضوحها ، وأحياناً يكون فهمهم لها على عكس حقيقتها ، فمن هنا تظهر الحاجة إلى تغيير ما بأنفس المسلمين عن الإسلام ، في قليل أو كثير ، ولاسيما بعد هذا الكود الطويل ، الذي جعل كثيراً من الخرافات والنظرات الخاطئة تحمل قوة قداسة الإسلام والقرآن عند المسلمين .

وهذا الأمر، يمكن أن يعتبر خصوصية في المسلمين ، من حيث تعلقهم بأوهام وكشف لا صلة لها بالقرآن وكأنها القرآن. وتفصيل هذه الأوهام وكشف النقاب عنها ، شكل عقبات في سبيل الإصلاح ، لأنها تشكل أوزاراً تحملوها وابتدعوها ما كتبها الله عليهم ، فظلت في أعناقهم كأحجار الرحى المدلاة التي تعوق حركتهم وتثقلهم ، وكالغشاوات على الأعين تحول دون رؤية الصواب، بل صارت كالأقفال على القلوب ، التي تمنع إدراك الصواب ، وتجعل أمام إمكانية قبوله صعوبات مضاعفة.

وعلى الرغم من أن هذه الأوهام ، اكتسبت نفس قداسة وقوة آيات الله ، في أنفس المسلمين ، إلا أن المسلم على علاَّته ، عنده من التعلق بالقرآن ما ليس لأحد من أهل الكتاب . فلهذا كانت صعوبة تخلص المسلمين من هذه الأوهام أصعب ، وفي حاجة إلى حذق ورفق ، في تغيير ما بنفسه عن دينه وعقيدته ، من الخطأ إلى الصَّواب . وإن عجز المسلم عن هذا التغيير ، يرجع في كثير منه ، إلى غياب وضوح سنن تغيير ما بالنفس ، ولاسيما حين يحدث هذا التغيير خلال عصور طويلة ، وهنا تظهر أهمية معرفة سنن التغيير لما بالأنفس ، سواء كان هذا التغيير الذي حدث ببطء من قديم ، أو الذي يحدث الآن بسرعة كبيرة .

فهذه المعرفة الواضحة ، لما حدث من التغيير البطيء سابقاً ، وما يحدث من التغيير السريع لاحقاً ، أمر ضروري للسيطرة على التغيير الذي نريده نحن .

  1. فلا بد من معرفة سنن التغيير لما بالأنفس.
  2. كما لا بد من معرفة ما ينبغي أن نغيره، من الأوهام، وما ينبغي أن نثبته من الحقائق.
  3. ومعرفة، مَنْ هؤلاء الذي ينبغي أن نجري على ما بأنفسهم هذا التغيير ، وإن اختلفت معادلتهم الشخصية وبيئتهم، إذ أنهم مشتركون في أصل البلاء.

فهذه المعرفة المفصلة أمر لا بد منه للبدء في أية عملية تغيير جاد.