دليل العلم

من Jawdat Said

اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

اقرأ وربك الأكرم


Change.gif
لتحميل الكتاب
مقدمة
مدخل
الفصول
الفصل الأول، مراتب الوجود
المرتبة الثالثة:الوجود اللفظي
المرتبة الرابعة: التعليم بالقلم
المرتبة الخامسة: الوجود السنني
الفصل الثاني، العلم
دليل العلم
الموقف العلمي
العلم والتوحيد
الفصل الثالث، الأجنة القرآنية
سيروا في الأرض فانظروا
سنريهم آياتنا في الآفاق
سخر لكم ما في السموات
إن الذين آمنوا والذين هادوا
خاتمة



ما البرهان على أن فكرة ما، علم؟

البرهان على ذلك أمران: التنبؤ والتسخير، [ثم العاقبة].

أما التنبؤ فهو

أن يُفعل في الثاني ما فُعل في الأول، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية. فإذا علمنا ما سيُفعل في الثاني على أساس معرفة الفعل الأول، كنا على علم … فإذا عرفت الشروط الماضية وبدأت هذه الشروط تتحقق مرة ثانية فنحن نتنبأ بأن ما سبق أن حدث سيحدث مرة ثانية. وإذا صح التنبؤ فوقع الثاني كما توقعناه على أساس ملاحظاتنا السابقة، فذلك دليل على أن الأمر علم.

ففي عالم الفيزياء - مثلاً - نحكم على الحديد بأنه يتمدد بارتفاع درجة الحرارة وذلك بناء على رؤية سابقة للموضوع. وفي عالم المجتمع - وهو ما يهتم به القرآن ويكرر الحديث عنه - نحكم على المجتمع بأنه سيفقد الاستقرار والنمو، وستحل به النكبات والمصائب حن ينحرف عن الصراط السوي، وتفتقد فيه العدالة ويقتصر تطبيق القانون على بعض الناس فقط، وهذا الحكم إنما كان بناء على معرفةٍ للتاريخ وأحوال المجتمعات والأمم، وذلك ما يلح عليه القرآن الكريم حين يقص أخبار الأمم السابقة، وأحوال الكفار، وأحداث المجتمعات التي يذكرها أحياناً موجزة أو مفصلة. وغاية القرآن من ذلك أن تترسخ السنة في نفوس المؤمنين، وأن يفهم الناس أن الآخر سيُفعل فيه ما فُعل في الأول حين يسير في طريقه. وكل تلك القصص والأخبار تتلوها تعقيبات تؤكد هذه السنة والقاعدة التي صارت علماً: (وهل نجازي إلا الكفور) (سبأ / 17) (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) (الرحمن / 60) ( أ كفركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر..) (القمر / 43) (ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين، كذلك نفعل بالمجرمين) (المرسلات / 16 - 18) (وكذلك ننجي المؤمنين) (الأنبياء / 88) (فهل ينظرون إلا سنة الأولين، فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلاً) (فاطر / 43).

وهذه الآيات التي تؤكد حتمية قانون الله وسنته، يجب ألا يفهم منها أنها تنفي سلطان البشر على التحكم بسير المجتمعات. فسنة الله في المجتمعات قائمة على مبدأ أساسي في قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد / 11). وهذا المبدأ يجعل مصير البشر بأيديهم وثمرة لأعمالهم (وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون) (الروم / 36). (كل امرئ بما كسبت رهين) (الطور / 21) (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم) (البقرة / 134).

وأما التسخير

فيتم حين يعلم الإنسان السنة وأنها تتكرر ولا تتبدل فيستطيع أن يتدخل فيها ويوجهها إلى حيث تفيده. وكلما كان التسخير عاماً وتاماً كان العلم في هذا الموضوع عاماً وتاماً.. إن برهان العلم التنبؤ والتسخير..

ولا نقصد بالتنبؤ النظرية المجردة؛ فالنظرية أو الفرضية: هي وضع احتمال يتبادر إلى الذهن أنه سبب الظاهرة التي ندرسها، فإذا تحقق ذلك الاحتمال في الواقع صارت الفرضية علماً، وهذا هو التنبؤ الذي هو دليل العلم. والموضوع درجات:

فرضية ثم ثبوت الفرضية في الواقع وتحولها إلى علم، ثم بسط السيطرة على العلم لجعله في خدمة الإنسان وصالحه.

إن التنبؤ قبل التسخير؛ فالمتنبئ الجوي يتنبأ بقرب المتغيرات الجوية من رياح وأمطار وما ينتج عنهما. إن هذا التنبؤ الذي تثبت الأحداث صدقه، يساعد الإنسان على أن يتهيأ لاستغلال منافعه وتجنب مضاره. وآباؤنا كانت لهم وسائل للتنبؤ عن الجو من سلوك الحيوانات وكل الغيوم إلى آخره، وإن لم يكن في تنبؤاتهم دقة إلا أنهم كانوا يتلمسون السنة. فمثلاً كانوا يقولون: إذا جاء الشتاء قارساً يكون الصيف حاراً، إلا أن عدم التلازم في كل السنوات كان يفقد التنبؤات دقتها. واليوم حين يتنبئون عن الجو قبل يوم أو يومين بالنظر إلى صور الأقمار واتجاه المنخفضات الجوية ومرتفعاتها وسرعاتها، يجد الإنسان القرب إلى الدقة، ويطمع أن يتنبأ بأحداث الجو مدة أسبوع أو أسبوعين (يخلق ما لا تعلمون) (النحل / 8). فنحن لا قدرة لنا على صنع التقلبات الجوية ولكننا نحاول الاستفادة منها وتوقي مضارها، ولكن قد يتحول هذا التنبؤ إلى تسخير كتسخير الأرض في الزراعة والصناعة وكذلك النبات والحيوان والمعادن.

العاقبة: كبرهان للعلم المتعلق بسلوك الإنسان

كما أن التنبؤ الذي يصدقه الواقع الآتي يكون دليلاً للعلم، وكما أن التسخير دليل للعلم، فإن العاقبة دليل للعلم.

التنبؤ والتسخير دليلان على العلم في عالم الطبيعة، في الفلك والفيزياء والكيمياء والنبات والحيوان، وليس معنى هذا أن التنبؤ والتسخير لا يدخلان في الحكم على المجتمع وقيمه وأخلاقه، فالتنبؤ والتسخير يدخلان كبرهانين أيضاً في الحكم على المجتمع وقيمه وأخلاقه، ولكن العاقبة كبرهان للعلم خاصة بالمجتمع والقيم والأخلاق. فالتنبؤ والتسخير وردا في القرآن الكريم عن الآفاق. فمثلاً يقول الله تعالى عن الشمس والقمر والليل والنهار: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلاً) (الإسراء / 12). فإن معرفة عدد السنين والحساب يدخل في علم الفلك، فمقادير سيرهما الثابتة فيما مضى تنبئ عن مدة ما سيأتي في سباحتهما في أفلاكهما.

وأما العاقبة فخاصةٌ بقيم الإنسان والمجتمع وأخلاقه، لهذا لا يذكر القرآن العاقبة كبرهان للعلم إلا مع القيم والأخلاق مثل عاقبة المكذبين والمجرمين والمفسدين والظالمين كما في قوله تعالى: (والعاقبة للمتقين) (القصص / 83) (والعاقبة للتقوى) (طه / 132)، (عاقبة المكذبين) (النحل /36).

هذه الأمور التي أُمرنا أن ننظر في عواقبها كلها أمور اجتماعية قيمية أخلاقية وليست كيميائية ولا فيزيائية ولا طبية وإنما عواقب قيم اجتماعية عامة، وهذا يدل على أن العاقبة برهان على صحة وسلامة وعلمية وسننية القيم الأخلاقية.. ولم يذكر القرآن الكريم عاقبة المال والسلاح والسفن والنبات والحيوان والحديد.. لأن سنن هذه الأمور ليست بالعاقبة بل عاقبتها ترجع إلى الإنسان الذي يستخدمها في الخير والشر. وهذه نقطة مهمة لأن اشتباه هذه النقطة أدى بكثير من العلماء إلى اعتبار العلم محايداً أخلاقياً، وسبب ذلك - كما أشرت إليه بأسلوب آخر - أمران: أولهما اعتبار العلم مقصوراً على الطبيعة، واعتبار ما يتعلق بالقيم ليس علماً.. وثانيهما: عدم اعتبار العاقبة دليلاً على العلم وخاصة علم القيم..

العلم والخير والشر

إن الطبيعة وسننها ليست خيرة أو شريرة بحد ذاتها، وإنما تكتسب هذه الصفة أو تلك بحسب توجيهها بواسطة قيم الإنسان ومبادئه في الحياة. فكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «نعم المال الصالح للمرء الصالح» (مسند أحمد جـ 4 ص 197)، يمكن القول: بئس المال الحرام للرجل الظالم.. وقوله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط..) (الإسراء / 29). ليس نهياً عن الشيء وضده، فالتبذير والتقتير ليستا سنناً مالية وإنما قيماً أخلاقية.. لهذا اضطرت الدراسات الاقتصادية مؤخراً لدراسة الاقتصاد في إطار الحضارة أي إطار القيم.. لأن الاقتصاد هو (الطبيعة + الإنسان). وحينما يصير الشيء متصلاً بالإنسان فإنه يخضع لقيم الإنسان. فقيم الإنسان هي التي تعطي معنى الخير والشر والنافع والضار وليست الطبيعة بحد ذاتها..

فالقرآن الكريم يجعل القيم والأخلاق علماً لها سنن ثابتة، ولهذا يأمرنا بالنظر إلى عاقبة الذين خلوا من قبل وعاقبة التقوى وعاقبة المكر وعاقبة الظلم …

وإذا كان للفيزياء والكيمياء مخابر وأدوات لإثبات سننها وتسخيرها، فإن التاريخ وسنن الذين حلوا من قبل وعاقبة الذين من قبلهم هي مختبر علم الاجتماع والعمران وعلم القيم والحضارات.. ولقد تنبه إقبال إلى هذا فقال: (ولهذا كان من بين ما يُحكم به على قيمة دعوة النبي ورسالته، البحث عن نوع الرجولة التي ابتدعتها، والفحص عن العالم الثقافي الذي انبعث عن روح دعوته)

والتاريخ الذي هو مختبر القيم وميزان الحكم على الحضارات، لابد من دراسته وتمحصه زماناً ومكاناً تاريخياً وجغرافياً.. فإن الأمر بالسير في الأرض، والنظر إلى كيف بدأ الخلق، والنظر إلى سنن الذين خلوا من قبل، كل هذا يقتضي إحصاء لأيام الله في البشر. ولقد صار لأعمال البشر على هذه الأرض قيمة علمية لأن استخراج علم الصلاح والفساد صار منوطاً بالنظر إلى عواقب الأمور الماضية والحاضرة سواء ما سبق نزول القرآن وما عاصره أو ما جاء بعده. والقرآن فيه نماذج من الاعتبار لاستخراج السنن وقوانين علم الصلاح والفساد من التاريخ الذي سبق نزول القرآن، وكذلك من أحوال البشر المعاصرين له. وحين لا يتيسر استخراج الأحكام من الماضي فإن القرآن يعطي الأحكام بإحالة المخاطبين إلى المستقبل لأن سنن الله ستبرز وتظهر. فإن لم يظهر برهان صدق هذا الحكم الآن فانتظروا لأن الزمن سُيظهر صدق ذلك (وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب)، (وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار) (الرعد / 40 -42).

إن الاحتكام إلى التاريخ ماضياً وحاضراً ومستقبلاً لفرز القيم الصالحة من الطالحة منهج قرآني وعلم قرآني (ولتعلمن نبأه بعد حين) (ص / 88)، (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق. أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) (فصلت / 53). وكذلك في الإنجيل مثل هذا، ففي الإصحاح السابع من إنجيل متى: (احترزوا من الأنبياء الكذبة يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة، من ثمارهم تعرفونهم)، وفي هذا المعنى أيضاً ورد في إنجيل متى - إصحاح 21 فقرة 43: (لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره).

وإذا كان القرآن الكريم يأمرنا أن نكون شهداء على الناس بالقسط وعلى أنفسنا، فإن الشهادة تقتضي الحضور. ومن صور الحضور قيام العلماء والمؤرخين بالسير في الأرض والنظر والدراسة.. لأن المتعمق بالدراسة وتمحيص التاريخ يرتفع إلى درجة الحاضر المشاهد، بل يفوق المشاهد في بعض الأمور التي يستحضرها الدارس ولم تكن في متناول المشاهد.


العلم ما هو خير وأبقى

ونضيف إلى ما سبق من براهين العلم برهان «ما هو خير وأبقى».

فكل موضوع احتوى على الخير والأبقى هو علم بالقدر الذي فيه من الخير والأبقى.

ولتوضيح مثل هذه الأمور لابد من متابعتها إلى جذورها لنخرج بها من التصور العائم إلى الفهم الراسي بجذوره في الإدراك.

ما الخير؟ حتى ننطلق إلى تعريف العلم. ولتعريف العلم ينبغي أن نبدأ من أوليات بينة واضحة، كالأوليات التي تظهر في قوله تعالى: (وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور) (فاطر / 21) حيث يتم التأكيد على تحديد منطلق العلم والحق من عدمها وآلة البصر إنما اعتمادها على الإحساس بالنور. وبقاء البصر فعالاً لا يتم إلا في درجة معينة من الحرارة وإلا عطبت الآلة. فالإنسان لا تكون فعاليته إلا في درجة حرارة مناسبة. هكذا كل أمور الكون في توازن معين، إن زادت أو نقصت اختل الخير واختل النافع. فإذا أنكر أحد أن البصير خير من الأعمى فهو جدير بالإعراض عنه لأنه يكون فقد التوازن، ولولا غلبة التوازن لما بدأت الحياة ولما استمرت ولما نمت. فلا بد للانطلاق من قاعدة للإقلاع في كل أمور الحياة، فالحق الموجود في لكون على أساسه يتم النمو والزيادة في الكفاءات. فتاريخ بدء الخلق ينطق بهذا بلسان الكون الفصيح وبسنته الثابتة الغالبة ويتخطى العقبات.

وهذه المواضيع في حاجة إلى الإبانة والتوضيح، والرجوع إليها والحرص على بقاء الاتصال بها حتى يظل البدء والمصير غير مقطوع الأسباب التي تصل ما بينها. وربما من أكبر العقبات أمام العلم والتسخير وتهيئة الإنسان لأداء وظيفته انقطاع التسلسل بين بدء الخلق وما وصل إليه الخلق في النماء. وحين يحصل الانقطاع يحاول الجهل أن يبني قصوراً وجسوراً من الأوهام والظنون، فلهذا من الضروري أن تظل الطريق موصولة بين بدء العلم وبين نهاية العلم. ونحن نعلم أن انقطاع تسلسل العلم يحول دون فهم القسم الأخير منه؛ فلا يكون مبنياً على أساس مهما كانت الصورة اللفظية محفوظة، وربما يمكن فهم عدم استفادة الأمم المتخلفة من التقدم العلمي. لأن قسماً من طريق العلم مفقود عندهم، وأن التسلسل غير حاصل لديهم. فمن هنا كان الرجوع إلى أول العلم أي كيف بدأ ثم كيف استمر في النمو، أساسياً وضرورياً للاستفادة من العلم. ولهذا نرى اهتمام القرآن بالنظر إلى الخلق، وتتبع البدء ليكون البدء من أمور أولية واضحة، ثم لا ينتقل منها إلى مكان آخر إلا بطريق معبدة لمتابعة نموه. إن هذا الفهم للعلم ذو أهمية بالغة احرص عليه ولا تتهاون، لأن أي تهاون في ذلك يجعل الثمن باهظاً. فمن المفيد أن نبدأ من نقطة أولية بدهية ننطلق منها، ألا وهي الخير أو النافع، أو الأكفأ هذه هي النقطة الأساسية سواء استطعت أن أصل إلى بيان واضح فيها أم لم أصل. وعلى كل الباحثين أن يتباروا في توضيح هذه النقطة؛ نقطة البداية حتى لا يكون للشيطان سلطان، لأن سلطان الشيطان يبدأ دائماً عندما يجهل الإنسان طريق الخير، أو يشتبه عليه. وقديماً قال الناس: (البيان يطرد الشيطان)، (والبيان في الحقل يمنع التنازع في البيدر) هذه حكم شعبية، ولكن وراءها تجارب عريقة. ونتائج مل هذه التجارب التي دفع الناس ثمنها تشيع بين الناس ويتناقلونها كحكم مقدسة، ولكن أحياناً كثيرة تدخل هذه الحكم في الظلمات ظلمات الجهل والأهواء فتصبح فائدتها قليلة مما يضطر الناس إلى شرائها مرة أخرى ودفع ثمنها مراراً بينما لو احتفظوا بوضوح بدئها وحركتها لما اقتضى منا الثمن إلا مرة واحدة، بل ربما أمكن التنبؤ بها وخفض الإنسان حتى من ثمنها الأول …

إذن كل شيء أعطى نتائج أنفع فهو حق وهو خير، وهو علم، بمقدار ما فيه من النفع.

عامل الزمن

ولكن ليتحصن النفع من الضرر، والعلم من الجهل والحق من الباطل، لابد من إدخال عنصر الزمن، فالخير لا يستحق هذا الوصف، إلا إذا صاحبه الاستمرار، وكلما كان الاستمرار أطول، كان الخير أعرق في الحق وفي العلم، لأن صفة الدوام والاستمرار هي التي تعطي القيمة للنافع، ولذلك أدان القرآن الذين لا ينظرون إلى العواقب على المدى الطويل والمستعجلين (إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلاً) (الإنسان / 27). كما أدان الذين لا يصبرون على تحمل بعض الصعوبات في سبيل الوصول إلى غايات تحتوي على صفتي (الخير والأبقى).

ولابن المقفع عبارة مشرقة في بيان ارتباط الخير بالزمن بالأبقى قال:

(فعلى العاقل أن يعلم أن الناس مشتركون مستوون في الحب لما يوافق والبغض لما يؤذي، وإن هذه منزلة اتفق عليها الحمقى والأكياس، ثم اختلفوا بعدها في خصال، من ذلك أن العاقل ينظر في ما يؤذيه وفي ما يسره، فيعلم أن أحق ذلك بالطلب - إن كان مما يحب، وأحق بالاتقاء إن كان مما يكره - أطوله وأدومه وأبقاه). (من مقدمة الأدب الصغير لابن المقفع).

وينبغي أن نلاحظ هنا أن هذا البرهان على العلم يقصد به العلم المتعلق بالإنسان (آيات الأنفس) لا العلم المتعلق بالطبيعة (آيات الآفاق) وبهذا المعنى فإن القرآن يجعل العلم أخلاقاً، إذ يجعل دليل العلم (العاقبة)، العاقبة المحتوية على ما هو خير وأبقى، لأن الأخلاق هي النافع للناس، وأرضية الأخلاق في الواقع هي الأمور النافعة للبشر على مر التاريخ والمحتوية على ما هو خير وأبقى. ودراسة التاريخ ضرورية لمعرفة الخير والأبقى، والذين لا يعرفون التاريخ يظنون أن الأخلاق فرائض اعتباطية وأثقالٌ تمنعهم من أهوائهم وشهواتهم، حقاً إن الأخلاق المتصفة بما هو خير وأبقى ليست أخلاق الأهواء والشهوات، وإنما أخلاق المتأمل للتاريخ وعواقب الأمور على المدى الطويل..

إن الدراسات المتأنية الحديثة هي التي كشفت آيات الله في الآفاق والأنفس وأظهرت أن أخلاق الأديان ووصايا الآمرين بالقسط من الناس، هي المؤيدة بالعلم المستنبط من عواقب سلوك البشر على مر التاريخ.

ويذكر ابن المقفع أيضاً (المُلك - السياسة - بأنه إما ملك دين أو ملك عقل أو ملك هوى) ويصف الأخير بأنه (لعب ساعة وخراب دهر) هذا هو النظر التاريخي العلمي الأخلاقي. وإذا فهمت هذا فاعلم أن ما يُتداول من نفي العلم عن الأخلاق والقيم والأديان إنما هو اتباع للأهواء وجهل بالواقع والتاريخ، ولذلك وصف القرآن أقواماً بأنهم لا يعلمون وبأنهم لا يفقهون وأن على أبصارهم غشاوة.

النفعية: مذهب العواقب

وينبغي هنا أيضاً في صدد (دليل العلم) وأنه ما (هو خير وأبقى): إلقاء بعض الأضواء على مذهب الذرائعية (النفعية أو المصلحية) إن هذا المذهب ليس خطأ محضاً، فالذرائعية حق إذا اتصفت بأنها الخير والأبقى والأعم، وهذه هي ذرائعية القرآن والأديان والآمرين بالقسط من الناس والعقلاء من بني آدم كما ذكر ابن المقفع، ولكن المصلحة العاجلة التي من بعدها إثارة الأحقاد وسفك الدماء وإغراء العداوة والبغضاء هي من نتاج الذرائعية العاجلة التي لا تنظر إلى عواقب الأمور ولا تنظر نظر التاريخ (كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة) (القيامة /20 - 21). إن نهب أموال اليتامى والشعوب المستضعفة في العالم والتمتع على حساب جوعهم وعريهم.. يزرع الأحقاد ولا يحصد إلا الحروب المدمرة.. فهذه الذرائعية التي تحقق مصلحة طائفة من الناس على حساب آخرين، ذرائعية قصيرة النظر وأصحابها يتبعون أهواءهم وشهواتهم، وليست ذرائعية المصلحة الدائمة العامة النافعة المؤيدة بالعلم والتاريخ وعواقب الأمور.

وكذلك يحسن هنا أن نذكر بأن الأخلاق هي ما ثبت على مر التاريخ بأنها السلوك الأنفع الذي يأتي بخير أكثر وأن عاقبته أحمد، وهذا ما جعل الأخلاق علماً، بل إنها العلم الأكثر نفعاً، وإن الإنسان إن فقد النظر إلى عواقب الأمور فقد يستعمل ما سُخر لخيره وخير الناس استعمالاً يجلب الضرر..

ومما يدل أيضاً على معنى أن ما هو خير وأبقى هو العلم وهو الدين، ما يقرره ابن تيمية من أن: (الواجب ما هو نافع دائماً وغالباً، وإن الحرام ما هو ضار دائماً أو غالباً). إن مثل هذه الأضواء والاستنباطات هي التي تجعل الدين والأخلاق علماً، ونحن نلح في كل مناسبة على إظهار الجانب العلمي في الأخلاق والدين، لأن ثقافة هذا العصر تفصل بين العلم وبين الدين والأخلاق، وهذا الفصل مبني على إيثار الخير العاجل على الخير الباقي والمستمر، وكذلك ينبغي أن نذكر بأن سلطان الإنسان في التسخير إن اقتصر على تسخير الطبيعة المادية ولم يسخر أيضاً السلوك الإنساني إيجابياً بضبط نفسه ونهيها عن الهوى.. فإن هذه النعم تتحول إلى نقم.

إن الاحتكام إلى العاقبة أمر هام جداً، ولقد أشار راسل إلى قول الإنجيل: (من ثمارهم تعرفونهم) على أنه أسلوب علمي تاريخي في معرفة الحق. ولكنه مر به ولم يتوقف عنده ليجعله منطلق منهج معرفي.

وأشار الأستاذ حسين مروة في كتابه الضخم - النزعة المادية - إشارة خفيفة في بضعة أسطر إلى هذه الفكرة - فكرة العواقب - ولكنه أيضاً لم يستخدم أسلوبه المطول في البحث لكشف حقيقة هذا الموضوع في الآفاق والأنفس. ولعل ما يحمله كل من راسل وحسين مروة من مسلمات سابقة عن الدين جعلهما يقفزان من فوق الفكرة حيث لا يكشفان منهجاً علمياً أصيلاً في الدين والتاريخ، بل نظرا إلى هذه الفكرة وكأنها ملصقة ومدسوسة على الدين وأنها ليست منهجاً دينياً أصيلاً جاء عن قصد وتعمد وتأكيد.

والذي جرأهما على هذا الإهمال: هو إهمال أهل الكتاب لهذه الفكرة. ولكن مجرد الإشارة إلى وجود هذا المبدأ في كل من الإنجيل والقرآن له مغزاه وأهميته في المستقبل. وحسب راسل ومروة أن يشيرا - مهما كانت الإشارة خفيفة - إذ غيرهما لم تخطر له الإشارة إلى ذلك. وفي نمو العلم تحدث مثل هذه التجاوزات والوقفات القصيرة ثم إعادة كشف ذلك من جديد ليكون موضوع دراسة متعمقة.

العاقبة دليل العلم

إن جعل العاقبة دليلاً على العلم تترتب عليه مواقف مختلفة من كثير من القضايا، ويلزم منه كذلك إحداث تعريفات جديدة ومفاهيم خاصة للعلم، والعقل، والحق، والتاريخ.

ذكرنا سابقاً أن هذا الفهم لدليل العلم يجعل الدين علماً ينظر إليه من حيث نتائجه لا من حيث ما تعودنا عليه من آراء الناس. وبهذه النظرة يزول النزاع الذي يظهر في العلاقة بين العقل والنقل، فحين يقال إن العقل لا يدرك معقولية في أعمال الحج والصلاة والصيام كرمي الجمار والسحور … إن الذي يجعل هذه الأمور لا مجال للعقل فيها، أنهم لا يفهمون العلم ربطاً للنتائج بأسبابها، ولو أنهم فعلوا ذلك لتبينت لهم أهمية النتائج والوظائف التي تؤديها هذه الشعائر، وما قدمته وما تزال تقدمه من اتحاد وتوحيد للعالم الإسلامي واحتفاظه بالاخوة والترابط وفي هذا يقول إقبال:

قطرة الماء التي من زمزم قيصر يرنو لها كالخدم.

إن علماء الاجتماع والذين يبحثون ما يعطي للمجتمع صلابته وتماسكه، هم الذين سيدركون أهمية هذه الشعائر. فحين فقد المسلمون السلطان والدولة والعلم.. فإن الذي حفظ كيانهم ولا يزال يحفظ وجودهم هي هذه العبادات التي ينظر إليها - من لا يعلم - على أنها غير معقولة، وغير موظفة لسلامة الفرد والمجتمع. يبين لوتروب ستودارد في كتابه حاضر العالم الإسلامي، أن الذي حفظ على المسلمين وحدتهم وجعلهم على هذا التواصل والتعاون بعد أن فقدوا السلطان والخلافة هو الحج إلى بيت الله الحرام.

حقاً لقد أبقت هذه الشعائر رمق الحياة في كيان المسلمين: وما لهذه الشعائر من مهمات لا يمكن أن ينتجها الناس بين عشية وضحاها. ونرى خطأ من يرى عدم تدخل العقل والعلم لفهم الشعائر الدينية. بل نرى العبادات الإسلامية لا أنها غير معقولة بل إننا ننظر إليها بخشوع وقداسة لما ينتج عنها من نتائج وعواقب، وما تقوم به من وظائف.

فمثل هذه الأعمال رموز وشعائر للاتصال الفردي والجماعي لمغزى الوجود وتفجير الطاقات وضبطها في آن واحد، كما هو اتصال بمبدع الحياة بديع السموات والأرض. إن مثل هذه الأمور لا ينظر إليها مبتورة دون صلة بأهدافها ووظائفها. إن هذه الظواهر تنتظر من يكشف سننها وعواقبها، وقد عرض إقبال هذا المعنى بأسلوبه الشعري:

درة التوحيد فاعرفها الصلاة

حجك الأصغر فاحفظها الصلاة

بيد المسلم هذا الخنجر

يقتل الفحش به والمنكر


وأخيراً..

مما يؤخذ على العلم اليوناني أنه كان نظرياً مفصولاً عن التجربة والعمل.

إن العاقبة شيء فوق التجربة، فهي تجربة وزيادة، إنها تجربة مضاف إليها الخير والأبقى. وهذا النظر على أساس العواقب ينتج عنه أيضاً زوال النزاع حول العلمانية، لأن العلمانية نشأت حين كان الناس يظنون أن العلم يناقض الدين، وأن الدين والإيمان لا يدخل إليهما العلم، فالدين والإيمان فوق العلم عند البعض، وخارج العلم عند قوم آخرين، وضد العلم عند فريق ثالث.. ففي تلك الأيام استخدمت العلمانية كشعار ضد الخرافة وضد غير المعقول وغير المنطق. فإذا كانت العلمانية هي قبول نتائج العلم وعواقب الأمور فإن المؤمن لن يتضايق من هذا الشعار، وإنما سيشعر أنه ينبغي أن يصحح منهج المعرفة ليدخل الكل إلى مملكة العلم، ويخضع كل شيء لسلطان العلم الذي لا يقهر.

هذه كلمات موجزة، ولكن إذا استطعت أن تتعامل معها على أساس ارتباطها بالوقائع والسنن لا على أساس ارتباطها بالأشخاص، فستنتفع منها، وستكون منطلقاً جديداً لمنهج معرفي جديد، ونكون بذلك بدأنا طريقاً جديداً لتغيير واقعنا الذي لا يرضى عنه أحدٌ، وهذا الواقع لن يتغير إلا إذا بدأنا التغيير مما بالأنفس، ونحن حريصون على ما بأنفسنا مع أننا نمقت نتائجها المتمثلة في واقعنا. فحين ندرك الصلة بين واقعنا وبين ما بأنفسنا فسوف نقدر على تأمل ما بالأنفس وعلى محاولة تصحيحها أو قلبها رأساً على عقب، وبمعاناة أقل، لأن عدم وضوح الصلة بين ما بالأنفس والواقع، هو مصدر كل الضلال، فحين نتمكن من إحصاء ما بالأنفس ثم نرجع أو نصل هذه بالنتائج والأزمات التي نعانيها نكون بدأنا برؤية بصيص من النور ونكون أزلنا الظلام الذي يخفي الأسباب الحقيقية للمشاكل، عند ذلك نكف عن البحث عن كبش الفداء لأزمتنا فيما بيننا نحن في أنفسنا، وفيما بيننا وبين العالم الآخر.

إن هذا الفهم وهذه الرؤية يمنع من تشتت جهود الأمة وبعثرة طاقاتها.

وحين نفهم الأمور بعواقبها وأسبابها الواضحة نكون أمسكنا بالعروة الوثقى، وعند ذاك نتخلى عن أشياء لتذهب جفاء. ففي قوله تعالى: (أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)، منهج معرفي تاريخي سنني لأن الذي سيبقى في الأرض هو النافع، الذي لا يؤدي دوراً نافعاً سيذهب جفاء مهما تشبث به المتشبثون. فما علينا إلا أن نحدق في واقع الأرض لنرى كيف تترسخ قواعد العلم ومناهج المعرفة على أساس النفع والضرر خلال التاريخ، إنه الخير والأبقى. فالمبدأ الذي يردنا إلى مثل هذا المنهج يثق بالتاريخ الماضي ويثق في المستقبل لأن الحق في هذا الكون أن يذهب الزبد جفاء، وأن يبقى في أيدي الناس ما ينفعهم.