المنهج والتطبيق

من Jawdat Said

اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتب جودت سعيد

حتى يغيروا ما بأنفسهم


Change.gif
تحميل الكتاب
مقدمة مالك بن نبي
مدخل كتاب حتى يغيروا
سنة عامة للبشر
سنة مجتمع لا سنة فرد
سنة دنيوية لا أخروية
في الآية تغييران
مجال كل من التغييرين
الجانب المهم هو التغيير الذي يقوم به القوم
ما بالقوم نتيجة لما بالنفس
لتحقيق التغيير لا بد من تغييرين
مفهوم التغيير عند الآخرين
علم النفس الفردي والاجتماعي
العلاقة بين سلوك الإنسان وما بنفسه
ما بالنفس يتفاوت في الرسوخ
كيف تلقى السنن القبول عند المسلمين
العقل والسنن في القرآن
الفعل والانفعال
المنهج والتطبيق


في هذا البحث الذي أعرضه من خلال قوله تعالى « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » ، حاولت أن أبرز جانبين رأيت لهما من الأهمية ما يجعلهما يستحقان هذا الإبراز الخاص . وقي الواقع سواء كان في كتاب ( مذهب ابن آدم الأول ) أو في هذا الكتاب ، لا أقول إني عرضت فيهما شيئا لم أسبق إليه . وإنما حاولت أن ألقي ضوءا خاصا على المواضيع التي أرى لها من الأهمية والأولوية في البحث عن غيرها ، لأني أعلم أن القارئ المسلم العادي قد يمر بهذه المواضيع ولكن لا يشعر بما لها من الأهمية . فحين تمر هذه المواضيع من خلال بحوث متشابهة في نظره ، لا يستطيع أن يعطيها من الأهمية ما تستحق ، فلهذا أريد أن أجعل عند بعض هذه النقاط التي وردت في مؤلفات أهل الثقة محطة توقف وتأمل .

ولقد كان بعض الذين كنت أتحدث إليهم يشعرون بشيء من الريبة والدهشة ، حين استشهد بأقوال الثقات التي تدعم وجهة النظر هذه ، وكأن لسان حالهم يقول : لم نفهم منهم هذا الذي تقوله .

وهذا بالذات ما قصدته من إبراز هذه النقاط في أضواء خاصة . والجانبان اللذان حاولت إبرازهما في هذا البحث :

  1. جانب فصل القاعدة عن التطبيق .
  2. جانب تعميم السنة .

جانب فصل القاعدة عن التطبيق

إن التطبيق قد يكون قريباً من القاعدة أو بعيداً عنها بصور متفاوتة، فالتطبيق قد يساعد على فهم القاعدة، ولكن القاعدة بحد ذاتها لها من قوة السًنَّةِ ما يجعلها تتصف بقوله تعالى « ولن تجد لسنة الله تبديلا » أما التطبيقات فتتفاوت كثيرا. وبعبارة أخرى: التفريق بين النظرية والتاريخ، على اعتبار أن النظرية هي القاعدة والتاريخ هو التطبيق.

وبعبارة ثالثة أيضاً التفريق بين الإسلام والمسلمين، فالإسلام سُنة وقاعدة، والمسلمون تطبيق وتاريخ. وهم مثال على القاعدة، ليس لهم من الحصانة ما يجعلهم يحتلون محل القاعدة. فلهذا علينا أن نفرق بين هذين الأمرين في مجال تصدينا لبحث مشكلة تخلف المسلمين. ولا أقصد من ذلك أن المثال والتطبيق لا قيمة لهما في هذا، بل قد تستنبط القاعدة من الأمثلة ولكن كثيراً ما نضطر أن نقدم القاعدة ضمن أمثلة ولا سيما في أول الأمر. ولكن القاعدة لها من القوة أن تشمل أمثلة لا تعد ولا تحصى. ولهذا حاولت أن أفصل بين الإسلام والمسلمين، أو بين الإسلام ديناً مُنزلاً، وبين تاريخ المسلمين على مر العصور، بحيث لا نظن أن تاريخ أعمال المسلمين هو الإسلام، الذي له الحصانة والمناعة الذاتية الموهوبة له من الله تعالى.

هذا الذي كنت أقصد إليه حين حاولت أن أرد المسلم إلى القاعدة الإسلامية، بصرف النظر عن موقف الملايين خلال المئات من السنين.

وهذا الموضوع لم يكن خافياً على الكتاب الكبار، ولا أنهم لم يتعرضوا له. ولكن ربما لم يبرزوه في مؤلف خاص، ولا حاولوا أن يمسكوا المسلم، ويفتحوا له عينه ليقطروا له، إذ كثيراً ما يعجز المسلم عن فهم الموضوع، إن لم يقم الكاتب بعملية رفع الجفن ووضع القطرة في العين.

رأي للأستاذ سيد قطب في فصل المبدأ عن الوقع

وهنا استشهد بكلمة في هذا الموضوع للأستاذ سيد قطب الذي له من المكانة عند الشباب الإسلامي قلَّ أن توفرت لغيره من الكتاب. قال رحمه الله رحمة واسعة، في التعقيب الأخير من تعقيباته على غزوة أحد، في تفسير آل عمران: « … وهناك حقيقة أخيرة نتعلمها من التعقيب القرآني على مواقف الجماعة المسلمة، التي صاحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي تمثل أكرم رجال هذه الأمة على الله، وهي حقيقة نافعة لنا في طريقنا إلى استئناف حياة إسلامية بعون الله.

إن منهج الله ثابت وقيمه وموازينه ثابتة. والبشر يبعدون أو يقربون من هذا المنهج، ويخطئون ويصيبون في قواعد التصور وقواعد التطبيق والسلوك، ولك ليس شيء من أخطائهم محسوباً على المنهج، ولا مغيراً لقيمه وموازينه الثابتة.

وحين يخطئ البشر في التصور أو السلوك، فانه يصفهم بالخطأ، وحين ينحرفون عنه فانه يصفهم بالانحراف، ولا يتغاضى عن خطئهم _ مهما تكن منازلهم وأقدارهم _ ولا ينحرف هو ليجاري انحرافهم.

ونتعلم نحن من هذا، أن تبرئة الأشخاص لا تساوي تشويه المنهج، وأنه من الخير للأمة الإسلامية أن تبقى مبادئ منهجها سليمة ناصعة قاطعة. وأن يوصف المخطئون المنحرفون عنها بالوصف الذي يستحقونه _ أياً كانوا _ وألا تبرر أخطاؤهم وانحرافاتهم أبداً بتحريف المنهج وتبديل قيمه وموازينه، فهذا التحريف والتبديل أخطر على الإسلام من وصف كبار الشخصيات المسلمة بالخطأ أو الانحراف … فالمنهج أكبر وأبقى من الأشخاص، والواقع التاريخي للإسلام ليس هو كل فعل وكل وضع صنع المسلمون في تاريخهم. وإنما هو كل وضع وكل فعل صنعوه موافقا تمام الموافقة للمنهج ومبادئه وقيمه الثابتة …

وإلا فهو خطأ أو انحراف لا يحسب على الإسلام وعلى تاريخ الإسلام، وإنما يحسب على أصحابه وحدهم، ويوصف أصحابه بالوصف الذي يستحقونه من خطأ أو انحراف أو خروج على الإسلام … إن تاريخ الإسلام ليس هو تاريخ المسلمين ولو كانوا مسلمين بالاسم أو باللسان، إن تاريخ الإسلام هو تاريخ التطبيق الحقيقي للإسلام في تصورات الناس وسلوكهم، وفي أوضاع حياتهم، ونظام مجتمعاتهم(1). فالإسلام محور ثابت تدور حوله حياة الناس في إطار ثابت، فإذا هم خرجوا من هذا الإطار أو إذا هم تركوا ذلك المحور بتاتاً فما للإسلام وما لهم يومئذ؟ وما لتصرفاتهم وأعمالهم تحسب على الإسلام أو يفسر بها الإسلام؟ بل ما لهم يوصفون بأنهم مسلمون إذا خرجوا على منهج الإسلام وأَبوا تطبيقه في حياتهم؟ وهم إنما كانوا مسلمين لأنهم يطبقون هذا المنهج في حياتهم لا لأن أسماءهم أسماء مسلمين ولا لأنهم يقولون بأفواههم أنهم مسلمون.

وهذا ما أراد الله سبحانه أن يعلمه للامة المسلمة. وهو يكشف أخطاء الجماعة المسلمة، ويسجل عليها النقص والضعف ثم يرحمها بعد ذلك ويَعفو عنها وَيُعفيها من جَرائِرِ النقص والضعف في حسابه وإن يكن أذاقها جرائر هذا النقص والضعف في ساحة الابتلاء … »(2).

هذا العرض الذي قدمه سيد لسنَّة فصل المبدأ عن التطبيق، لضمان سلامة المبدأ، عرض دقيق، وواضح وضوحاً تاماً. إلا أن القارئ العادي لا يفهم منه إلا النموذج الذي تعوده من تنزيه الإسلام ولسمو به إلى مرتبة عالية من القداسة.

وليس هذا مرد الأستاذ سيد، وإنما مراده أن يفرق المسلم حين ينظر إلى تاريخ المسلمين، بين المبدأ الإسلامي وتطبيقه، وألاَّ يصير المسلكُ الذي سلكهُ المسلمون، طاغيا على المبدأ الإسلامي بحيث يصبح هذا التاريخ هو الإسلام، ونقف منه موقف من يظن أن كشف الخطأ في هذا التطبيق هو كشف لخطأ الإسلام. وبدون هذا التفريق تصير هذه الأخطاء دِيناً نضطر أن نتمسك به، وَيُعجزُنا تقديسها عن كشف حقيقة المبدأ الإسلامي.

رحم الله الأستاذ سيد … إنه بعمله هذا فتح باباً إلى حل المشكلة، وسهل لنا تناول البحث، ووضع هذه العلامة مَعلماً على الطريق. وعلى المسلمين الذين يهتمون بالمشكلة الإسلامية، أن يتخذوا هذه المكتشفات التي انتهى إليها الأستاذ منطلقاً ليكملوا ما انتهى إليه. إلا أنه ينبغي أن نعرف أن الدخول إلى هذا الباب الذي فتحه، مهمة شاقة عسيرة، تحتاج إلى خبرة عظيمة.

الاعتراف بصحة القاعدة أيسر من تطبيقها

وهنا اشعر بالحاجة إلى التذكير بسنة من السنن. هذه السنة هي: أن إمكان تقرير السنَّة والاعتراف بصحتها نظرياً أكثر سهولة ويسرا _ مع الأسف _ من القدرة على تطبيقها تطبيقا عمليا وتعميمها. وقد سبق أن ذكرنا رأي ابن تيمية في هذا.

إن هذه القاعدة التي ذكرها الأستاذ سيد هي من هذا القبيل، يسهل التسليم بها كقاعدة نظرية، ولكن صعبٌ جداً تطبيقها، بل إن من سيقوم بتطبيق هذه القاعدة سيجد أن التسليم بها لم يقرب من حل المشكلة إلا قليلاً. لأن الأستاذ سيدا رحمه الله حين يقول:

«ونتعلم من هذا أن تبرئة الأشخاص لا تساوي تشويه المنهج، وأنه من الخير للأمة المسلمة أن تبقى مبادئ منهجها سليمة ناصعة قاطعة، وأن يوصف المخطئون والمنحرفون عنها بالوصف الذي يستحقونه _ أيا كانوا _ وألا تُبررَ أخطاؤُهم وانحرافاتهم أبداً بتحريف المنهج وتبديل قِيمهِ وموازينه، فهذا التحريف والتبديل أَخطرُ على الإسلام من وصف كبار الشخصيات المسلمة بالخطأ والانحراف».

هذه القاعدة، سهل التسليم بها نظريا … ولكن مَن هؤلاء الذين وَصَفهُم سيد رحمه الله بكبار الشخصيات المسلمة؟

هل نستطيع أن ندخل بالتفاصيل ونذكر بعض الأشخاص بالأسماء؟ هنا نجد أن هذه القاعدة والتسليم بها، لم يحل المشكلة إلا جزءاً يسيراً جدا، لأن ذكر الأسماء وتعيين الشخصيات الكبيرة المخطئة، يدعو إلى أن تحمر له الأحداقُ وتنتفخ له الأودَاجُ. لأن الدخول في هذا الموضوع يَفقدُ فيهِ العقلُ السَيطرةَ، وتبدأ العواطفُ بالعمل.

سهل أن أصف عبد الرحمن بن ملجم بأنه مخطئ سواء كنت سنيا أو شيعيا وكذلك سهل أن أصف معاوية بالخطأ والانحراف … إن كنت شيعياً.

وفي الواقع إن تقديس التاريخ الإسلامي _ سواء وافق الإسلام أو لم يوافقه _ له من القداسة والقدرة على إبطال مجال العقل، وإطلاق العواطف والقبض على مجال الحركة الفكرية، وذلك عند الذين لم يستبينوا الفرق بين الإسلام ومطبقيه، مما يبطل محاولات المصلحين في إنقاذ الإسلام ومنهجه من الأخطاء التطبيقية عند المسلمين، والتي يشعر سيد بضرورة تخليص منهج الإسلام منها وجعل المنهج مسيطراً على التاريخ.

إنَّ ذِكر أسماءِ الشخصياتِ الكبيرة التي يشير إليها (سيد) يوقع في مشكلة كبيرة، ولن يتيسر ولوج هذا الباب إلا بعد غرس منهج العلم الذي يأمر به الإسلام. إن الإسلام لا يعطي العصمة لأحد بعد رسول الله، ولكننا معشر المسلمين في الواقع نعطي هذه العصمة للرجال. ويصعب علينا أن نرى الشخصية الكبيرة التي نُجلُّها تُخطئُ وتصيب كما يصعب علينا أن نقول: هذا الرأي من قوله خطأ، وهذا صواب.

كما أننا _ عمليا _ لا يمكن أن نتعامل مع الشخصيات الإسلامية الكبيرة إلا على أساس التسليم لهم بكل شيء، أو رفض كل شيء.

وتحول هذا الأسلوب إلى منهج مقرر يتحدى القواعد النظرية الإسلامية التي يحفظها كل الناس، مثل ما تحفظ عن الإمام مالك قوله: « يؤخذ من قول كل أحد ويرد عليه إلاَّ صاحب هذا القبر، ويشير إلى حجرة النبي صلى الله عليه وسلم » وهذا القول مثل القول الذي يكرره سيد رحمه الله بأسلوب هذا العصر في الكلام الذي سبق أن اقتبسنا منه، ولكن تطبيقه عمليا دونه خَرطُ القَتَادِ.

وليس معنى هذا أن بعض المصلحين لا يتجرؤون على ذلك، ولكن الواقع بثقله يتحدى الأفراد المصلحين، ولن يتيسر لنا الخروج من الخلط بين السنة والتاريخ، إلا إذا تذوقنا أهمية السنة، وطبيعة الصلة بين السنَّة والرجال. فالرجل ليس سنَّة، وإنما يخضع للسنَّة، ويسعى لكشفها وتطبيقها. ومهما كان هذا الرجل عظيماً فلن يتجاوز حد الرجل. ثم ليس مما يقلل من قيمة الرجل أن يخطئ، وكل ابن آدم خطاء. ولكن مع أخطائه يبقى مكانه محفوظاً، ولا يُقللُ من قيمته العملية كونُهُ لم يحط بكل شيء. ولكن حسبه أن يعطي شيئاً جديداً مهما كان يسيراً. وسيحفظ له هذا الكشف مكانه ومقامه مهما سبقهُ من جَاءَ بعده. وهذا هو التقدير الصحيح للرجال، لا أن نرفعهم فوق ما يستحقون، ونعطي لهم العصمة التي لم يعطها لهم الله ورسوله وأولو العلم القائمون بالقسط.

وفي الواقع إن تذوق العلم وحده، هو الذي يستطيع أن يعودنا الاحترام الصحيح لأهل العلم، بحيث نصل معه إلى درجة نُقدَّرُ فيها العلم الذي عندهم، ونغفر لهم الخطأ الذي وقعوا فيه دون أن يصير خطأهم غِلاً في أعناقنا. نأخذ ما أصابوا فيه، ونتجنب ما أخطأوا فيه دون أن نجعل خَطَأهُم تحقيراً لهم، ودون أن نجعل صوابهم عِصمةً لهم. فهذا الموقف هو الذي يُنزِّهُ احترامَ أهلِ العلمِ مِنَ التحولِ إلى نوعٍ من الأوثَان ضرره أكثر من نفعه. وبهذا لا يتحول الأحبار والرهبان إلى أرباب.

إخضاع التاريخ للمنهج

ليس هدفُنا إدانة التاريخ الإسلامي ولا تجريح شخصياته، كما أن ما نقلناه عن الأستاذ سيد ليس هدفه أن يُزلزل ثقةَ الشبابِ بالشخصيات الإسلامية الكبيرة، ولا أن ينزع الثقة من تطبيق الإسلام على مرِّ العصور. ولكنَّ هدفهُ أن يصبح للمسلم قدرةً على إخضاع التاريخ للمنهج بحيث يستفيد منه الفائدة المرجوة، ويتجنب الخطأ الذي فيه لأن التاريخ يحتوي على هذا وذاك.

إن موقف المسلمين الآن من التاريخ ليس موقفا صحيحاً، لأنه لا قدرة لنا على تجنب أخطائه والاستفادة من صوابه. وعلينا أن نميز المنحرف والمخطئ، من الأشخاص، وأن نعرف ما هو مخطئ ومنحرف ليصير التاريخ دافعا ومحركا إلى الأمام لا غلاً على العنق يقيد العقل ويمنع من الحركة. والأستاذ سيد شعر بهذه الحاجة، حاجة الموقف الصحيح من الرجال ومن التاريخ، وشعر أيضا بأهمية هذا الموقف. وربما هذا الشعور هو الذي جعله يكتب عن عثمان رضي الله عنه عبارة لم يتعود المسلمون أن يسمعوا مثلها من كاتب يُعد من أهل السنة والجماعة. قال: « إنه لمن الصعب أن نتفهم روح الإسلام في نفس عثمان، ولكن من الصعب كذلك أن تعفيه من الخطأ الذي هو خطأ المصادفة السيئة في ولايته الخلافة، وهو شيخ موهون تحيط به حاشية سوء من أمية ذات الفطرة المشؤومة »(1). ثم يقول بعد قليل عن الفتنة التي قامت: « ولكن لا بد لمن ينظر إلى الأمور بعين الإسلام، ويستشعر الأمور بروح الإسلام، أن يقرر أن تلك الثورة في عمومها أقرب إلى روح الإسلام واتجاهه، من موقف عثمان أو بالأدق من موقف مروان ومن ورائه بنو أمية الذين لم تخالط روح هذا الدين نفوسهم في يوم من الأيام ».

ويرى أيضاً أن لو وليها علي بعد الشيخين قبل أن تنمو البذرة الأموية … لو كان هذا لتغير وجه التاريخ الإسلامي وسار في طريق غير الذي سار فيه.

إن المشكلة في الواقع، إنما في تغيير النظر إلى التاريخ من خلال السنن، وليس أن يحل التاريخ محل السنن. فحين يصير هذا النظر ثقافة في الأمة، أعني ملكة تفهم الأمور على أساسها، عندها نترك النزاع في خطأ رجل واحد أو أسرة واحدة. لا يكفي أن نحمل جريرة المشكلة لرجل واحد أو أسرة واحدة، إذ المشكلة أعم من هذا.

وكما أنه ليس دقيقا أن نحمل هذه التبعية رجلا أو أسرة في الماضي، كذلك الحال اليوم. إن تعليق هذا الموضوع في رجل أو في مجموعة حلت محل أسرة، لا يقل في عدم دقته عن السابق.

إن المشكلة مشكلة نظر إلى التاريخ، إلى الواقع البشري وما وراء هذا الواقع من الدوافع التي توجه الأحداث.

خطأ إحلال الرجال محل القاعدة والسنة

إننا حين نكتسب النظرة الصحيحة إلى التاريخ، ووضعه في مكانه، لا يزعجنا خطأ رجل أياً كان هذا الرجل، لأن لدينا ما يعصمنا من وضع الرجل مكان السنن. إن هذا الفهم ليس يعصمنا من خطئه فقط، بل يجعلنا نستفيد من صوابه، أيَّما فائدة، متخذين الصواب الذي انتهى إليه منطلقاً لنا، لا مكانا للوقوف عنده أو التراجع عنه. وذا الموقف هو الذي سيجعلنا نستفيد من صواب ما عند (سيد) وغير سيد. وليس عيبا على سيد أن يخطئ في بعض ما يكتب، أو يقصر، ولكن عيبا علينا أن لا نستفيد من صوابه والوصول به إلى المدى الذي كان يريد الوصول إليه(1).

وأن هذا ينطبق على ما أكتب وعلى من سيكتب في المستقبل.

إن اكتساب هذا النظر إلى التاريخ يجعلنا نقدر ما عند الآخرين من النظريات الصائبة، سواء كانوا مسلمين أتقياء أو غير أتقياء، من الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا. بل يجعلنا نستفيد من صواب أي كاتب، سواء كان مؤمنا أو غير مؤمن، من غير أن يختلط علينا صوابه بكفره. وإن عدم التمييز في هذا الموضوع، يحرمنا خيراً كثيراً. عدا أنه يجعلنا نقف مواقف تدعو إلى الأسى من المحب، والسخرية من المبغض، حين نردُّ بعض الحقائق العلمية لعدم إيمان أصحابها نفعل هذا دون أن نشعر.

إن النظر الصحيح إلى التاريخ يفيدنا من جانبين كبيرين: فهو يحررنا من عقدة الخوف من كشف الخطأ في تاريخ المسلمين. كما يحررنا من عقدة الخوف من كشف صواب في تاريخ الآخرين.

إن عدم بخس الناس أشياءهم مبدأ قرآني. كما أن العدل وأن لا يجر من شنآن قوم على أن لا نعدل مبدأ قرآني. كما أن قوله تعالى:

« يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين » النساء _ 135. مبدأ قرآني لنعدل في الانتصاف من أنفسنا وممن نحب هذا الحب الساذج لا حب المثل الأعلى الذي يشرف الإنسان ويرفع من قدره ويجعله يقدر الأصدقاء والأعداء، بميزان العدل لا بميزان الهوى المبني على النظرات القصيرة.

وفي الختام ليس الهدف تجريح الشخصيات أو تقديسها، وإنما الهدف اكتساب موقف سليم بين الحق والرجل. وأن يبقى الحق حقاً والرجل رجلاً. لأن الحق حق فقط، ولكن الرجل يمكن أن يكون محقا كما يمكن أن يكون مبطلا، وبينهما درجات كثيرة. لهذا يعرف الرجال بالحق وليس العكس.

وهذا الموقف لا يكتسبه الإنسان بأن تقول له ميز بين الحق والرجل، ولكن يكتسبه من الممارسة الدائبة والسعي المتواصل.

جانب تعميم السنة

وأما الجانب الثاني وهو جانب تعميم السنة: أي أن السنن الاجتماعية التي تنطبق على البشر تعم المسلمين أيضا. بل أكثر من هذا، أن سنة الله في التفاعل مع المبادئ تنطبق على الإسلام أيضاً، مع ما للإسلام من ميزة ذاتية كما يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في كتابه (هذا الدين):

«هناك حقيقة أولية بسيطة … ولكنها مع بساطتها كثيراً ما تنسى أو لا تدرك فينشأ عن نسيانها أو عدم إدراكها خطأ جسيم في النظر إلى هذا الدين:

حقيقته الذاتية وواقعه التاريخي، حاضره ومستقبله كذلك. إن البعض ينتظر من هذا الدين - ما دام منزلا من عند الله - أن يعمل في حياة البشر بطريقة سحرية خارقة غامضة الأسباب ودون أي اعتبار لطبيعة البشر، ولطاقاتهم الفطرية ولواقعهم المادي في أي مرحلة من مراحل نوهم، وفي أية بيئة من بيئاتهم. وحين يرون أنه يعمل بهذه الطريقة، وحين يرون أن الطاقة البشرية المحدودة، والواقع المادي للحياة الإنسانية يتفاعلان معه، فيتأثران به - في فترات - تأثرا واضحاً، على حين أنهما في فترات أخرى يؤثران تأثيرا مضاداً لاتجاهه، فتقعد بالناس شهواتهم وأطماعهم وضعفهم ونقصهم، دون تلبية هتاف هذا الدين، أو الاتجاه معه في طريقه …

حين يرون هذا فانهم يصابون بخيبة أمل لم يكونوا يتوقعونها - ما دام هذا الدين منزلا من عند الله - أو يصابون بخلخلة في ثقتهم بجدية المنهج الديني للحياة وواقعيته، أو يصابون بالشك في الدين إطلاقا. وهذه السلسلة من الأخطاء تنشأ كلها من خطأ واحد أساسي هو:

عدم إدراك هذا الدين وطريقته أو نسيان هذه الحقيقة الأولية البسيطة … » ص 3 - 4.

رأي للأستاذ سيد حول ما يقود إليه خطأ إدراك طبيعة هذا الدين وطريقة عمله

هذه النقط التي أتوقف عندها من كتابات سيد وأريد إبرازها وأعتبرها من أحسن ما كتب، ربما لا يشاركني بعض الطيبين من الشباب ويرون الأولى التوقف إزاء هذه الأفكار، لا لفهم حقيقة ما يرمي إليه واتخاذها منطلقاً، وإنما تردداً في صحتها أو جدواها، بل ربما يرون فيها بعض الخطورة حيث تفتح باباً تدخل منه رياٌح باردة. يشعرون بهذه النسمات الباردة بإحساس دقيق مرهف صنعته القرون الماضية، حين أغلقوا الأبواب على أنفسهم وشمعوها. وأرى أن الصفحة الأولى من كتاب هذا الدين من أروع ما تركه سيد رحمه الله. فعند الحديث عن طبيعة هذا الدين وطريقة عمله في حياة البشر تبرز الحقائق التالية:

1 - حقيقة أولية بسيطة.

2 - ومع بساطتها كثيراً ما تنسى.

3 - ونسيانها ينشأ عنه خطأ جسيم.

ثم يقول: وحين يذكَّرون بهذه الحقيقة:

1 - فانهم يصابون بخيبة أمل لم يكونوا يتوقعونها.

2 - أو يصابون بخلخلة في ثقتهم بجدية المنهج الديني.

3 - أو يصابون بالشك في الدين إطلاقاً.

ثم هذه السلسلة من الأخطاء نتيجة خطأ واحد، وهو عدم إدراك طبيعة هذا الدين أو نسيانها.

ولو أن إنساناً خصص حياته كلها لبحث هذه النقاط وكشف مصادرها التاريخية وبواعثها النفسية وآثارها الاجتماعية، وقرب ذلك للإفهام وفصلها تفصيلاً حتى يبلغ بها درجة البلاغ المبين، لكانت هذه الحياة، حياة مباركة طيبة.

كم من حقائق قرآنية أولية بسيطة على مسمع كل أحد في قارعة الطريق! ولكن مع هذا كله لا ينتبه إليها منتبه! وكم من المصائب التي تسد علينا منافذ الحياة تنشأ عن هذا النسيان وعدم الانتباه! وكم من الآلاف المؤلفة من الشباب يصابون بخيبة أمل، أو بخلخلة في ثقتهم بجدية المنهج الديني حين يكشفون الحقيقة، لأنهم يعيشون على الوهم متقوقعين! ثم كم من الشباب يصابون بالشك في الدين إطلاقاً، ويظهر عليهم آثار ذلك بأساليب مختلفة، لكل موسم ما يناسبه، وليس آخرها أصحاب الشعور الطويلة الذين يملأون الأسواق … إنه الامتلاء بالأوهام. أجل إنها مشكلة مجتمع، مشكلة جيل ضائع متخم بالأوهام، ومجاعة من إدراك سنة الحياة.